اكتشاف الهوة بين الماضي والحاضر

ضحى عبدالرؤوف المل-بيروت

قراءة في كتاب "داعش من خلافة الدولة إلى دولة الخلافة" للدكتور غسان الخالد

بلورت الحضارة الإسلامية العديد من المفاهيم المغلوطة وصححتها، بل وصقلت حضارتها بالتطور والبناء والعمران، والاهتمام بالفكر الحضاري، للارتقاء بالإسلام نحو الانتشار ليكون نقطة تحول جذرية في تاريخ الأمم. فشمس الحضارة الإسلامية لم تعرف المجازر ولا التمثيل في الجثث، ولا ذبح الأسرى، أو الاعتداء غير المبرر على النساء والأطفال والشيوخ، كما يحدث اليوم عند الداعشية من انتهاكات لحرمات الناس وتجاوز لمفهوم الأسر والقتل والتنكيل بالجثث. فما الفرق بين العنف والإجرام والتكفير وبين الإرهاب كمصطلح "لا زال غير متفق عليه عالمياً ولا تعريف موحد له"؟ إذ يترك الدكتور غسان الخالد في المقدمة المفاتيح للقارئ ليستطيع فتح أبواب الفكر المغلقة في العقول التي من شأنها رفض تحليلاته التي يعتبر بداياتها "هو تاريخ البداية للتركيز على داعش"، أي تاريخ إعلان "أبو بكر البغدادي" أمير التنظيم "دولة الخلافة". وهذا ما شكل تحولاً خطيراً على المستويين العربي والعالمي.

تنطق الألسن بلغات جهادية فتستفز من تستفز وتحفز من يتهور، ثم يحمل معجم المصطلحات التكفيرية ويبدأ بمزاولة مهنة تبث المفاهيم الخاطئة في عقول لا طاقة لها على التفكير. إننا أمام مواجهات غامضة لا نراها لكنها موجودة في كل مكان نسمع فيه عن ملاحدة أو كفرة، أو انتفاضات جهادية تنطق باسم الدين، متناسية الفرع الأهم وهو الأساس الممحي من عقول أفراد تعمى قلوبهم والأبصار لتغطية كل ما من شأنه أن يتخفى بأسماء مختلفة ما أنزل الله بها من سلطان، مستغلين بذلك ضعاف العقول ليحملوا الألوية التي تعيدنا إلى أزمنة تختزل كل جزء من حضارة ازدهرت ورفعت اسمها بين الحضارات. حتى ليشعر الفرد أننا كركاب طائرة نهبط بدرجة حادة نحو الحضيض. فلا نستطيع اللحاق بركب الدول الكبرى، ولا نستطيع النمو السياسي على الأقل للدفاع عن أنفسنا أمام هذه الهجمات الفيروسية التي تصيب العقول المجرمة بحق نفسها قبل حق الآخرين. فهل من يعقل أو من يتفكر؟ أم كما يقول الدكتور غسان الخالد في كتابه هذا: "ثم سرعان ما تحول إلى دولة، ثم إلى خلافة، أي انتقل عملياً من مرحلة التنظيم، إلى وراثة الدولة، ثم إلى إعلان الخلافة في سياق ممنهج أقرب ما يكون إلى التطور الطبيعي والتاريخي".

يتحدث الدكتور غسان الخالد في كتابه "داعش" عن الظاهرة الشعبوية والفكر الرسمي، تاركاً التساؤل "لمعظم المفكرين العرب السؤال ذاته، والمتمثل في: مع من يقف الغرب؟" ولكن تبقى مسائل التحرير والانتصار من رموزهم، يقودون آلاف الجماعات نحو التهلكة، يتحدثون بلغة الدين ويذبحون بلا رحمة الرقاب الآمنة. فهل من عودة إلى الوعي واليقين؟ أم ما نُعتت به "الحركات الإسلامية وغير الإسلامية بالحركات التمامية" تعني الموقف العقائدي الصلب الذي يقضي بالتطبيق الكامل والصرف للمبادئ، أكانت هذه المبادئ دينية أم سياسية أم غير ذلك؟ فهل هذه الصلابة هي التي جعلت من انتهاكات داعش وجعلتها آلة قتل كبرى تنفذ برنامج السقاية بتأنٍ لتبقى الأرض المذلولة والمحتلة ضمن رعاية الأشقياء، ولتبقى المدن العربية في العراق وسوريا وفلسطين وحتى لبنان ومصر مغلولة مقيدة بما يسمى داعش، أو حتى بفوضويات الفكر المذهبي التدميري الذي يؤكد كل يوم أننا ذاهبون نحو الهاوية؟ ولو جمعنا الأزمنة وقارنها ببعض لاستطعنا اكتشاف الهوة بين الماضي والحاضر. فالعولمة لم تستطع محو أفكار الجاهلية المنتشرة هنا وهناك، التي يذهب ضحيتها الأبرياء من أطفال وأرامل وشيوخ وشباب تم التغرير بهم وقتلهم بأسلوب إجرامي يبشر بما هو أعظم. لأننا نواجه فكرًا تكفيريًا يبث السموم في النفوس لتقوى على التنفيذ دون التفكير أو الرجوع إلى العقل والمنطق. لأن الوعي خسارة كبرى والرجوع عن التنظيمات الإرهابية كفر بحد ذاته يرعب من بدأ. أ فلا يستطيع الرجوع إلى حيث البداية الملوثة بفكر تمامي صلب في إتمام عقائده؟

مخاطر فيروسية موبوءة هي من استحضار الماضي، حيث انخفض مستوى الدفاع في الجهاز المناعي عند من لا يرون أن الانتصار يحتاج لحنكة دفاعية مرصوصة بترابطهم المنتمي للإنسان واللامنتمي إلى سياسات التهويل وزرع الخوف في النفوس. لأنه حينها ستكون صراعات بين العنف والخوف، حيث لا نتيجة ولا نهاية متوخاة، بل بداية مفتوحة نحو بدايات لا تقودنا إلى ربح ولا إلى خسارة ما لم نعي أننا نواجه معضلة هي لأفراد معصوري الأذهان ومعمية قلوبهم لأنهم صم بكم عن حقيقة لا يرونها، بل يختبئون خلف الأوهام المكدسة في عقول تم برمجتها لتكون منصاعة لأوامر لا نقاش فيها. بل وأكثر تجعله الكافر المرتد عن دينه وعن الجماعة. فهل من إعادة برمجة لعقول توفرت لها البيئة الحاضنة "بشكل تعبوي وتجييشي، بغية التوسع والتمدد داخل الديموغرافيا الخاصة بكل طائفة أو مذهب، وفي إطار استغلال بعض الأحداث السياسية"؟

مشكلة تبدأ بالثورات والمواقف منها، وبالألسن الجهادية التي لا تنتهي ما لم يتم رؤية الزوايا بدائرية تتجدد فيها المعالم السياسية والاقتتال الدائر في أكثر من بقعة على الأرض منذ "الشرارة التي أفاضت إلى إزاحة أو إقالة الرئيس التونسي زين العابدين بن علي". فتناقضات المشهد التونسي في الكتاب والخوف من تفاقم الجدل السياسي بين القوى السياسية المتمثلة في السلطة أو تلك التي خارجها "لأن خلاصة المشهد التونسي تستدعي القلق، خصوصاً وأن تونس محاطة بدول لا تعرف الاستقرار الأمني أو السياسي"، منتقلاً بعد ذلك إلى المشهد المصري ومفارقاته، والمشهد الليبي واليمني والسوري، وكلام عمر لارجان عن اغتراب الثورات العربية. لم يمنع الدكتور غسان الخالد من استكمال تحليلاته عن "التلكؤ الثوري في تونس، والفوضى الثورية في مصر، والتفكك السياسي في ليبيا والعراق وسوريا واليمن، الناتج عن التدخل الخارجي، في إطار البراغماتية السياسية وازدواجية المعايير للدول المتدخلة".

من السلفية إلى التنظيم، وراثة الثورات وقطف "الحركات الإسلامية الحركية" ثمار الحراك الاجتماعي في الدول التي شهدت هذا الحراك. لا بل وربما الأصح القول أن تكون البديل للأنظمة المتهاوية بعد فشل هذه الأنظمة في تحقيق بعض الضروريات للأفراد، كالأمن الاجتماعي، والأمن الغذائي، والحد من الفساد والهدر، وغيره الكثير. فماذا في المذكرة الاستراتيجية وإدارة التوحش؟ ظهور تنظيم داعش ومن هو أبو بكر البغدادي والعناصر الستة التي نضجت خلال استعادة تنظيم داعش لبناء نفسه بعد تجربة الصحوات، نقرأ عنها ضمن نقاط يبني عليها التنظيم سياسته، معتمداً الدكتور غسان الخالد على أهمية كتاب "إدارة التوحش". فماذا في الفصل الخامس تحت عنوان "داعش الصنيع والصنيعة"؟

قوة وشدة وغلظة أو لغة تكفيرية تصيب الأنفس بالذل والانصياع، وتغطي الفكر عن حقائق جمة، وتضعنا أمام أنفسنا كعالم نمطي يعيد زمنه، واضعًا نفسه في آلة قتل لا مناص منها، تؤخر التقدم وتسحبنا إلى الوراء لنكون في الحضيض، فما من نهوض بعد كارثة تطيح برقاب آمنة وبألسن تلهج يا رب العالمين. لأن داعش في كتاب الدكتور غسان الخالد وُلدت من رحم الإعلام المؤدلج، فماذا بعد؟ وهي صراع الدول الكبرى المتمثل بروسيا وأميركا على أرض عربية.

أتوقف هنا لأترك للقارئ اكتشاف ما تبقى من الكتاب، لأنه يعتمد على التصنيف والتحليل والتسلسل الفكري في الاستنتاج والتفكر بكل صغيرة وكبيرة، وبكل كلمة قالها كاتب ومحلل سياسي أو حتى الرأي المبني على المشاهد المتعددة، منها ما يفتقد إلى الموضوعية، ومنها ما يتركه للقارئ ليصل إلى فكره مباشرة، فيستنتج ما يريد إيصاله الدكتور غسان الخالد دون الحكم على داعش ومدن الصفيح التي تثير أكثر من موضوع يمكن النظر إليه من نقطة المدن هذه وصولاً إلى الدول الكبرى، لأن الكلمة الجذر في هذا الكتاب ناتجة من الشكل والمضمون لما يسمى داعش.

برؤية أخرى تحديثية في قراءة هذا الكتاب أقول يتناول الدكتور غسان الخالد في كتابه "داعش من خلافة الدولة إلى دولة الخلافة" الظاهرة الداعشية من منظور اجتماعي وسياسي متعمق، حيث يسعى إلى تحليل العوامل التي أدت إلى نشوء هذا التنظيم وما يترتب على ذلك من تداعيات على المستويات المحلية والدولية. يُعد الكتاب بمثابة نافذة لفهم كيفية تطور الفكر المتطرف في سياق الجغرافيا السياسية المعقدة في العالم العربي.

في البداية، يشير الخالد إلى أن داعش ليست مجرد ظاهرة عابرة، بل هي نتيجة لسنوات من الإخفاقات السياسية والاجتماعية في العديد من الدول العربية. يتناول فشل الأنظمة في تحقيق العدالة الاجتماعية، مما أدى إلى تفشي الفقر والبطالة والفساد. هذه العوامل، بجانب الاستبداد السياسي، جعلت العديد من الشباب ينظرون إلى الجماعات المتطرفة كبديل يعبر عن تطلعاتهم للكرامة والحرية.

يغوص الكتاب في نفسية الأفراد المنضمين إلى داعش، مشيراً إلى أن العديد منهم لم يكونوا مجرد إرهابيين بالمعنى التقليدي، بل كانوا ضحايا لنظام اجتماعي قاسٍ. تتشكل الرغبة في الانتماء لدى هؤلاء الأفراد من فراغات عاطفية واجتماعية، ما يجعلهم عرضة للأفكار المتطرفة. هذه التحليل النفسي يضع القارئ في مواجهة مع الحقائق المرة عن الكيفية التي يمكن أن تستغل بها الجماعات المتطرفة مشاعر العزلة والضعف.

يدرس الخالد كيف أن الدين، الذي يُفترض أن يكون مصدراً للسلام، استُغل كأداة سياسية من قبل داعش لتبرير أفعالها. يشدد على أن المفاهيم الدينية تم تحريفها لخدمة الأجندات السياسية، مما يجعل من الضروري تفكيك هذه المقولات لكشف الزيف الذي يغلف العنف باسم الدين.

عبر السياق الدولي يطرح الخالد تساؤلات حول دور القوى الكبرى في تعزيز هذه الظواهر، حيث يستعرض كيف أن التدخلات العسكرية والسياسات الخارجية ساهمت في تفاقم الأزمات. يعكس ذلك الفوضى في بعض الدول، حيث يستغل التنظيمات الإرهابية هذه الفوضى لتحقيق أهدافها.

في نهاية الكتاب، يطرح الدكتور غسان الخالد رؤية مستقبلية تتعلق بكيفية مواجهة الفكر المتطرف. يدعو إلى ضرورة العمل على تعزيز التعليم وتثقيف الأجيال القادمة، بما يمكنها من مقاومة الأفكار المتطرفة. كما يشدد على أهمية الحوار بين الأديان والثقافات كسبيل لتعزيز التفاهم والتسامح.

بأسلوب سردي موضوعي، يقدم الدكتور غسان الخالد رؤية شاملة عن الظاهرة الداعشية، متناولاً العوامل الاجتماعية والسياسية التي أدت إلى نشوء هذا التنظيم. الكتاب ليس مجرد دراسة أكاديمية، بل هو دعوة للتفكير والتأمل في كيفية بناء مجتمع أكثر سلاماً وعدالة، بعيداً عن العنف والتطرف.

Doha El Mol

dohamol67@gmail.com