المستقبل لا يعني العودة إلى نقطة البداية، بل يعني قراءة الماضي قراءة موضوعية.
حوار خاص مع الدكتور غسان الخالد
حاورته: ضحى عبدالرؤوف المل - لبنان
يتميز أسلوب المؤلف ودكتور علم الاجتماع "غسان الخالد" بالسهل الممتنع من حيث البساطة في التحليل والتسلسل في الأفكار بشكل تصاعدي. إذ يبدأ مع القارئ من الصفر وصولاً إلى الفهم الذي يثير قوة في البحث أكثر عن إجابات تمنح القارئ رؤية يريدها الدكتور "غسان الخالد" ليصل مع القارئ إلى المفهوم الذي يطرحه في كتبه. وهذا الحوار معه إنما كي يضيء على كتابه الجديد بعنوان “داعش: من خلافة الدولة إلى دولة الخلافة”.
- وتبقى المجازر المرتكبة بحق الشعب الفلسطيني من أكبر المجازر وأخطرها، هل توحي بأن إسرائيل هي داعش الأولى؟ أم إن بعض الدول أيضاً كداعش بالنسبة لفلسطين؟
استخدم المحللون لفظة "داعش" بشكلين: الأول على صيغة الاسم الذي يشير إلى تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام، والثاني على صيغة الصفة نظراً للممارسات التي وُصفت بها. وقد تحول الاسم الجامد "داعش"، وفق الأوزان اللغوية، كالدعشنة مثلاً، وهي على وزن "فعلنة". فإذا أخذنا المصطلح بصيغة الصفة، ويقصد بذلك الأعمال التي مارستها داعش، فالملاحظة السوسيولوجية تقتضي القول إن كل شعوب العالم قد مارست بحق بعضها البعض هذه التصرفات المتمثلة بالقتل والذبح والتهجير. أما بالنسبة للكيان الصهيوني، فهو لا يزال يمارس إرهاب الدولة المنظم بحق الشعب الفلسطيني. ولا تقل الولايات المتحدة دعشنة عنها، خصوصاً لجهة ما قامت به في العراق. والكثير بل كل الدول مارست هذه الدعشنة عن طريق الإلغاء والإقصاء والابعاد والنفي أو التخويف وتهم العمالة.
- ما هو سبب وجود ما يسمى داعش؟ ألا تظن أن الربيع العربي أصابه فيروس سقوط رؤساء دوله؟
داعش هي اختصار لمصطلح "تنظيم الدولة الإسلامية في العراق وبلاد الشام". وقد نشأ هذا التنظيم في العراق بدايةً تحت مسمى آخر، وقد أشرت إلى ذلك في كتابي. أما بالنسبة للربيع العربي، فالحقيقة يمكننا القول إن الذهنية العربية لا تزال غير منفتحة على مسألة التوارث بالمعنى العربي للكلمة، أي بما تنتجه من تغيير في البنى الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية. ولذلك فإن الحراك اكتفى بإسقاط الأنظمة فقط، ونتيجة لتقارب مصالح القوى المشاركة في هذه الثورات، بالإضافة إلى ما يسمى في السوسيولوجيا بالثورات المضادة، فقد دخلت بلدانها في فوضى عمل الإسلام الحركي على الاستفادة منها وتوظيفها لصالحه. وقد نجح في الكثير من الدول التي تعاني من حروب كالعراق وسوريا واليمن وليبيا، وبتنظيم القاعدة بشكل عام وتنظيم داعش المنفصل عنه بشكل خاص. قد خطط لوراثة هذه الثورات وفرض نفسه كقوة كبرى بين القوى المتصارعة على السلطة في بلاد الثورات، تمهيداً لتمدده إلى أبعد من ذلك. وقد أشرت في كتابي إلى تصارع القوة المشاركة في الحراك وإلى التدخل الأجنبي في محاولة خطف الثورات أو اختطافها تحت عنوان "شيطنة الثورة".
- لماذا الكتاب بعنوان داعش وما سمعناه عنها الكثير في حين إنها ما زالت مجهولة الهوية؟ ألا تظن ذلك؟
أود القول إن داعش ليست مجهولة الهوية. فهي انتقلت من مرحلة التنظيم إلى مرحلة إعلان الخلافة، مع ما يعنيه هذا المصطلح وما يحمله من أبعاد جيوسياسية. ولذلك قلت إن داعش وإعلانها الخلافة قد ألغت الحدود وتخطت الخطوط. وفي الفصل السادس من كتابي المعنون ب "داعش: المسار والمصير" قلت إن داعش قد حددت مسارها، أما مصيرها فهو مرتبط بالأحداث الميدانية.
- دكتور غسان الخالد، مدير معهد العلوم الاجتماعية، ما هي أهم مؤلفاتك وماذا تحدثنا عنها؟
لقد صدر لي عدة كتب، أبرزها كتاب "البدوقراطية" و"الإسلاموقراطية"، وكلاهما صدر عن منتدى المعارف في بيروت، وقد لاقى الكتابان رواجاً في لبنان والوطن العربي وكتب عنهما الكثير من الصحف العربية. هناك أيضاً كتابان صدرا عن مكتبة السائح في طرابلس، الأول بعنوان "قيم شباب الريف الجامعي: اندماج أم اغتراب"، والثاني "القيم الثقافية لشباب الريف الجامعي". وسيصدر لي قريباً كتاب "الهابينوس العربي: قراءة سوسيولوجية في القيم والمفاهيم"، وأيضاً عن منتدى المعارف في بيروت، والكتاب الذي نحن بصدد مناقشته والصادر عن دار الفرات في بيروت تحت عنوان "داعش: من خلافة الدولة إلى دولة الخلافة".
أعالج في معظم هذه المؤلفات مسألة الفكر العربي الإسلامي الموروث ومحاولات إسقاط المفاهيم الغربية المستوردة على هذا الفكر وإمكانية تقبل هذه المفاهيم المسقطة كالديمقراطية وحقوق الإنسان وغيرها الكثير.
- ما هي تحليلاتك الاجتماعية والسياسية لما نراه في طرابلس تحديداً؟
ما رأيناه في طرابلس في معظم أحواله كان مفبركاً، وجرى توظيفه من بعض القوى السياسية المحلية، ومحاولات إثبات عكس ما رأيناه من خلال بعض المظاهر الشعبوية، لكنها متزنة هي أيضاً للتوظيف السياسي. أما واقع الحال فهو أنه ينبغي علينا الإدراك أن الجماهير لا تتحرك وفق "الريموت كنترول" على ساعة نشاء وكيفما نشاء. زرع الأفكار وبثها على مدى سنين لا يمكن أن ينتهي بكبسة زر كما يقال، ولذلك أنا قلق مما قد يحصل لاحقاً، خصوصاً عند دخول لبنان في مرحلة "الشوكة والنكاية" كما يسميها منظرو الدولة الإسلامية.
- متى يكتب دكتور غسان الخالد وماذا يقرأ؟
يأخذ مني العمل الإداري وقتاً لا بأس به. مع ذلك، فأنا أقرأ باستمرار وأحاول الاستفادة من أوقات فراغي. أما الكتابة فتلك شأن آخر. أفضلها في الساعات الأولى من الصباح والمتأخرة من الليل، لأن الكتابة تحتاج إلى ذهن صافٍ.
- ماذا تقول للجيل القادم كي يتحاشى أخطاء الماضي؟
لقد عاش الشعب العربي على نظرية المؤامرة والفعلية التآمرية منذ زمن، ومن الصعوبة بمكان إلغاء هذه الفعلية. فهي تتطلب جهداً من الجهات الفاعلة، وعلى رأسها السلطة، إضافة إلى النخب الثقافية والسياسية والتربوية. ويفترض أن هذا يحتاج إلى مفاهيم جديدة مخالفة أو مغايرة. والطريق الأفضل هو أن يتم ذلك عبر الانسياب الاجتماعي، أي عبر التنشئة الاجتماعية بالتضامن والتكافل مع مناهج تربوية سليمة تؤدي إلى الغرض المنشود، وهو ما أستبعده حالياً، وأعتقد أنه من الصعوبة بمكان تحقيق ذلك في ظل سيادة الفكر الموروث.
- برأيك متى يتحرر الشعب العربي من سموم الفكر التكفيري؟
عندما نقول "ظاهرة اجتماعية" فهذا يعني حكماً ارتباطها بالأبعاد الاقتصادية والسياسية والتربوية والثقافية وغير ذلك. ووفقاً لنظرية المجال والعقول لعالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو، فإن العقول تتأثر ببعضها البعض وينتج عنها مجموعة بنى معرفية. ولذلك المسألة الاقتصادية (التمويل) والتربوية (مناهج تعليم) في المناطق الخاضعة لسيطرتها.
-ة كيف يكون الإسلام الحركي، وقد بات المسلم يخاف الكلام خوفاً من تكفيره؟ أنت تجزم أن الإسلام الحركي سيرث الثورات العربية؟ هل هذا تفاؤل فقط أم مبني على تحليلات كثيرة؟
مسألة التكفير مرتبطة بالعقلية التآمرية. وقد مورست سياسياً بطريقة التخوين والاتهام بالعمالة من قبل السلطات الحاكمة في الوطن العربي ومن قبل الأحزاب السياسية والمعارضات. حتى بعد أحداث 11 أيلول، ظهر الرئيس الأميركي جورج بوش الابن في إطار الحملة على ما أسماه الإرهاب، "أن المسألة لا تحتمل خيارات: إما مع أو ضد، والقاعدة تفترض في السياسة أنه إن لم تكن معي فأنت ضدي حتماً"، وهذا إلغاء لفكرة الحياد الإيجابي. وأنا لا أجزم بالوراثة على المدى البعيد، لكن على الأقل وبالمنظور القريب، هذا ما يبدو عليه. فالاسلام الحركي الذي أبعد عن المشاركة في الدولة القومية، عاد في ظل الحراكات الاجتماعية وفرض نفسه في مصر وتونس، رغم تراجعه قليلاً، مع الأخذ بعين الاعتبار أن تونس هي نموذج فريد في الدول العربية. أما الإسلام الحركي فقد فرض نفسه في العراق واليمن وسوريا وليبيا. ونحن سننتظر الكثير من الوقت لمعرفة إن كان بالإمكان القضاء على التنظيمات الجهادية في هذه الدول، رغم التحالف الدولي الموجود والضربات الموجعة. ومع ذلك، فإن هذه التنظيمات موجودة بقوة في هذه الدول. وبالنسبة لمسألة التفاؤل والتشاؤم، وهذا إحساس خاص، لكني مع ذلك أميل إلى التشاؤم أكثر.
- المستقبل يجب أن يكون عودة إلى نقطة البداية، ألا تظن أن هذا يستحيل تنفيذه، فنقطة البداية تحتاج لإزالة كل ما قبلها؟
هذا خطأ. المستقبل لا يعني العودة إلى نقطة البداية، بل يعني قراءة الماضي قراءة موضوعية وبتجرد والاستفادة من الأخطاء وتجاوزها والبناء عليها وفق المعطيات والمتغيرات الجديدة. وهذا ما يدفعني أكثر إلى التشاؤم لأنه، وبعد فشل الدولة القومية والأحزاب السياسية في استيعاب المتغيرات الجديدة وفي إيجاد خطط تنموية هادفة، ثم استحضار الماضي في الحاضر. وهذا يعني أن نعيش حاضرنا وفق ماضينا، فكيف سيكون المستقبل إذن؟ إذا أردنا التغيير، فهو يتطلب إعادة قراءة الفكر الموروث في فرعيه القبلي والديني قراءة نقدية وموضوعية، على أن تأخذ بعين الاعتبار مختلف التطورات والتغيرات. ولا أقول هنا بأسلمة الحداثة أو ما بعد الحداثة، إنما من الضروري بلورة فكر غير متعارض مع المفاهيم التي فرضتها العولمة والثورة المعلوماتية وثورة الاتصالات، أي باختصار البحث عن فكر إنساني في الفكر الديني الإسلامي أو ما يسمى اصطلاحاً "إنسنة الإسلام". والدين الإسلامي هو بطبيعته إنساني.
- كلمة أخيرة للقراء عن كتابك الجديد داعش؟
أعتذر من القراء عن تشاؤمي حيال المستجدات، وأتمنى إضافة جرعة من التفاؤل، لكن مع الأسف وليس على طريقة التوقعات التي تشغل الناس بأسماء من هنا وهناك. مع احترامي للجميع، فإن المستقبل لن يكون وفق طموحاتنا وأحلامنا، أقلّه في المدى المنظور. وهذا ما عبّرت عنه في كتابي "داعش: من خلافة الدولة إلى دولة الخلافة"، إذ إن إعلان الخلافة قد شكل مفصلاً تاريخياً مختلفاً. فالخلافة التي تشكل حلم المسلمين على اختلاف مذاهبهم (سنة وشيعة) وبصرف النظر عن طريقة وآلية وشرعية إعلانها، إلا أنها أوجدت الخوف عند الكثير من الأنظمة العربية أو كلها، والتي سارعت إلى الضغط من أجل تشكيل تحالف دولي اجتمع فيه الأضداد. وإذا ما أخذنا بعين الاعتبار مجريات الأمور في العراق وسوريا واليمن تحديداً، فإنه يمكننا القول إن الأمور لن تسير وفق ما يشتهي التحالف، لأن استحضار العصبية المذهبية واستخدامها هو السائد، وهو سلاح ذو حدين.
من خلال الحوار مع دكتور غسان الخالد الذي اجريته معه عام 2015 لمجلة الهدى نكتشف
1. السياق الاجتماعي: النص يتناول موضوعات معقدة مثل العنف، السياسة، الدين، والهوية. تتجلى التأثيرات الاجتماعية والسياسية بشكل واضح، مما يشير إلى أن المجتمع العربي يعيش حالة من التوتر والصراع، تتجلى في التحولات الناتجة عن أحداث الربيع العربي. يعتبر هذا التحليل دليلاً على كيف أن العوامل الاجتماعية تلعب دوراً أساسياً في تشكيل الاتجاهات الفكرية والسياسية.
2. الهوية والذاكرة: يبرز الحوار أهمية القراءة النقدية للذاكرة الجماعية. كيف يُعيد المجتمع تشكيل هويته بناءً على تجاربه السابقة؟ يتمثل ذلك في مفهوم "العودة إلى نقطة البداية" الذي يتناقض مع فكرة البناء على الأخطاء. تطرح هذه الإشكالية سؤالاً عن كيفية تأثير الذاكرة التاريخية على الحاضر، وكيف يُمكن أن تُشكل تصورات المجتمع عن المستقبل.
3. العنف والتطرف: يعكس النص مشاعر القلق من العنف والتطرف، حيث تُعتبر داعش نموذجاً لتجليات العنف المنظم. التحليل يُظهر كيف يمكن أن تؤدي الظروف الاجتماعية والسياسية إلى تطور أفكار متطرفة. مما يعني أن الوضع الاقتصادي والاجتماعي يمكن أن يكون بيئة خصبة لانتشار مثل هذه الأفكار، مما يستدعي نظرة أعمق لكيفية معالجة الجذور الاجتماعية لهذه الظواهر.
4. الدين والسياسة: يتطرق النص إلى العلاقة بين الدين والسياسة، وكيف يمكن أن تساهم الأيديولوجيات الدينية في تشكيل الهويات السياسية. يبرز هنا سؤال حول دور الدين في تشكيل القيم الاجتماعية، وكيف يمكن أن تُستخدم هذه القيم في الصراعات السياسية.
5. الجمال والتعبير: أسلوب الكاتب يتسم بالوضوح والجمالية، مما يعكس قدرة اللغة على نقل مشاعر وأفكار معقدة بطريقة سلسة. يُعتبر التعبير عن الأفكار بأسلوب فني وجمالي جزءاً مهماً من السوسيولوجيا، حيث أن اللغة ليست فقط وسيلة للتواصل، بل أداة لفهم وتحليل الواقع الاجتماعي.
6. الطموح والتغيير: النص يعكس شعورًا بالتشاؤم حيال المستقبل، وهو شعور يمكن تفسيره في سياق التحديات الاجتماعية والاقتصادية التي يواجهها المجتمع. ومع ذلك، يحمل أيضاً دعوة للتغيير وإعادة التفكير في الأساليب المعتمدة في التعليم والتنمية الاجتماعية، مما يفتح المجال أمام نقاشات حول كيفية بناء مجتمع أكثر شمولية وتفاؤلاً.
هذا الحوار يقدم تحليلاً عميقًا للمسائل الاجتماعية والسياسية المعقدة من منظور سوسيولوجي. يعكس التوترات الاجتماعية والبحث عن الهوية، ويُبرز أهمية السياق التاريخي في فهم الحاضر. الأسلوب الجمالي والتعبيري يساهم في إثراء النقاشات حول هذه القضايا، مما يجعله حوارًا غنيًا بالمعلومات والأفكار التي يمكن أن تؤثر في القراء بشكل عميق.
Doha El Mol
dohamol67@gmail.com