فلسطينية تتمسك بالجذور وتنطلق نحو رؤية فنية تشكيلية تنبع من صميم تراب فلسطين.

ضحى عبدالرؤوف المل

الشجرة الموجوعة في فلسطين

لا تموت شجرة مباركة، ولا تندثر أصولها، مهما حاول من حاول اقتلاع شجرة الزيتون من أرض فلسطين. فزيتها المبارك جعلت منه الفنانة الفلسطينية "أريج لاون" لونًا مميزًا للرسم برص الزيتون على القماش. لتمارس بإصرار وبقوة رسوماتها التي تمجّد هذه الشجرة الموجوعة في فلسطين، برسم وجوه فلسطينية بحتة، ومعالم شجرتها الموحية بفن انطلق من أحاسيس فلسطينية تتمسك بالجذور وتنطلق نحو رؤية فنية تشكيلية تنبع من صميم تراب فلسطين المجبول بدماء شعب ما زال يحمل شعلة فلسطين في وجوه صهاينة يغتالون كل أثر وكل غصن زيتون. فالرؤية عند "أريج لاون" متشابكة مع لون الزيت وتفاعله مع القماش، والقدرة على مسايرة الحبة ضمن الفراغات التي ترتسم مع نقاط زيتية، وضمن الخطوط العامودية أو الأفقية أو النقاط المتناثرة بأبعاد عشوائية. وبمرونة أشكالها المختلفة، من صورة القدس المحاطة بشجرة العطايا، وصولًا إلى بذر حبة الزيتون الذي جمعته بفن مفاهيمي إبداعي يختلف في تنوعه ما بين تشكيل ورسم بورق الذهب. لتترك هذه اللوحة عنوانًا تهديه لفلسطين التي تحتضن هذه الشجرة المباركة رغم كل التحديات والصعوبات.

فلسطين الصابرة على المحن عبر الزمن والمكان

مرئية بصرية ذات انعكاسات تخط حدودها بفن ممهور بالصبر والأناء، وبمقاومة تتيح للصورة إبراز كينونتها الفلسطينية ذات الرموز الوطنية، كوجه المرأة العجوز وخطوط وجهها البارزة، مشيرةً إلى فلسطين الصابرة على المحن عبر الزمن والمكان. بأسلوب يد تمسك بالحجر، وتدق حبات الزيتون ليتحرر الزيت المخنوق على القماش تاركًا تعبيرات إيقاعية تنقشها "أريج لاون" بتناغم ما بين حبة الزيتون والحجر والقماش. كما أنها تنسج لوحاتها كأثواب فلسطين الفلكلورية لتمنح لوحاتها ميزة حبة مباركة انتهكها الصهاينة واقتلعوا شجرتها أكثر من مرة. إلا أنها تنمو دائمًا بتجدد ألوانها وعطائها المتنوعة، وتصارع الوجود بشتى الطرق التي تجعلها رمز وطن أحبه الأبناء والأحفاد والأجداد، والغصن الذي حملته حمامة السلام بمحبة وجمال وبرمزية الأمن والطمأنينة. فهل استطاعت الفنانة التشكيلية "أريج لاون" أن تتحدى الصهاينة برسوماتها المحملة بزيت الأرض التي تضم في جيناتها جذور شجرة الزيتون؟ أم إن الذهب الأخضر في لوحاتها أضاء العالم بصريًا لتراه كل عين تعشق فلسطين؟

بث تعبيرات ذات دلالات وإيحاءات وطنية

فن مفاهيمي زينته أريج بحبة الزيتون الحاملة لكوفية فلسطينية تشبه أرجوحة طفل مولود، وهي ترمز أيضًا إلى الشجرة من حيث جمالياتها واتزانها البصري الممزوج بتقنية فلكلورية لم تنف فلسطين، ولم تبتعد عن رمزية شجرتها التي انطلقت منها "أريج لاون" في الرسم والتشكيل، والفن المفاهيمي الذي يعتمد على التركيب الإبداعي البسيط بأدواته، وبرؤيته الفنية القادرة على بث تعبيرات ذات دلالات وإيحاءات وطنية. هي هوية فلسطينية تحملها "أريج لاون" في لوحاتها التشكيلية المتميزة بيسمة زيت استخرجته من حبة زيتون، ومن بقايا الحبة المرصوفة ضمن رسومات تلاعبت بتدرجاتها اللونية. كما تلاعبت بالشكل والمضمون والأسلوب. لتترك صياغة اللوحة لحبة تحمل الخير في طياتها للعالم.

المقاومة القادرة على التصدي بالإبداع والفن

حرفية فنية تجمع بين الريشة والإبرة والخيط، ورص الزيتون والفن المفاهيمي، لتنتج أشكالًا وتصويرات واقعية ورمزية هي لفلسطين فقط، وبعيون تتشارك الحزن والألم والمعاناة، والفرح والانتصار والمقاومة القادرة على التصدي بالإبداع والفن، وبنهم تلونه بشتى طرق الإبداع الفني المتمثل بنقطة زيت ترسم معالم القدس فيه. لتحفظ لوحتها بأطر الشجرة التي تقطف منها حبتها المباركة، وتشعل زيتها بصريًا ليرتسم كحدود وطنها في لوحة لا محدودة، وذات قياسات تختلف في معناها ومبناها وأسلوبها العربي المتميز في خلق محاكاة بصرية وفنية تحاور الفكر التحليلي للوحاتها التخاطبية، وبشكل جمالي إيحائي ظاهر ومبطن، ومن خلال شيفرة القوة الإبداعية المتمثلة برص يحتاج لعزم وإصرار، ولمفاهيم جمالية ترمز لجمال فلسطين. كوطن يتزيا بتراث يحاكي العالم برغم الظلم والمعاناة المحاط به من الصهاينة. إذ تحررت رسومات "أريج لاون" من القيود لتنفلت بشفافية الزيت وقيمته المادية المتآخية مع الخامة، والمتعشقة للأنسجة التي تتمسك بها بتعطش ازدواجي، تتناغم معه القماشة والزيوت بعيدًا عن حبة الزيتون المتلاشية بين أصابع "أريج لاون" بتراخٍ وقساوة وطاعة لفنانة تعشق فلسطين وأرضها، وتمنح لوحاتها قيمة الذهب الأخضر الغامر فلسطين.

إيقاعات حسية وطنية خاصة بفلسطين

تمنحنا الفنانة الفلسطينية "أريج لاون" من خلال لوحاتها الأمل المشع من ألوان شفافة تتمازج عبر إيقاعات حسية وطنية خاصة بفلسطين، وأنطولوجيتها التشكيلية المتعددة الرسومات، والمؤدية إلى التمسك بفلسطين وتراثها وحقوقها وكنوزها التي أنعم الله بها على فنانة بعمر الورد. فما من زيت تنطفئ شعلته مهما حاول المغتصب. لأن من استخدمه في تشكيلات تحاكي العالم استطاع تخطي الحواجز المغلقة، ومنح فلسطين صورة تقاوم بتحدياتها كل الممنوعات والانتهاكات التي مارسها عليها الصهاينة، برص يشيه الإصرار على تحقيق النصر لفلسطين، وإبراز جمالها للعالم كافة، وبرسومات بسيطة في رؤاها وخاماتها ووسائلها اللونية. لأنها تشكل التبر الحقيقي للوطن الذي استطاعت "أريج لاون" منحه محاكاتها البصرية، وبفن فلسطيني بدأ بحبة زيتون أخرجت زيتها على القماش. لتجمع تفاصيل المسجد الأقصى، وبتكثيف حركي ذي فراغات ترتبط بذهنية الصورة الفلسطينية المرتسمة بوعي عصري، أدرك قيمة الفن التشكيلي في المقاومة الجمالية الأكثر تأثيرًا على البصر، وعلى التفكير بحال وطن يعيش مقاومة الاحتلال بكافة الطرق والوسائل.

الأبعاد الفنية المزودة بالمعرفة التراثية لكنوز وطن يقاوم المحتل

تستولي "أريج لاون" على ذهنية لوحاتها بأسلوبها السهل الممتنع من خلال التباعد والتقارب بين الخطوط، وفتح المساحات الفراغية أمام النقاط المتلاشية والمجتمعة حول تفاصيل رسوماتها التعبيرية ذات المقدرة البصرية والأبعاد الفنية، المزودة بالمعرفة التراثية لكنوز وطن يقاوم المحتل، بالحاضر المبني على قوة التخاطب البصري الذي تمنحه لوحة فنية لكل متلقٍ يرى، يحلل، يفكر بالمعنى والمبنى في لوحات "أريج لاون" المكونة من القماش وزيت الزيتون أو من كوفية وحبات الزيتون، مثيرة دهشة عند المتلقي، ولمن يحتفظ بلوحاتها أو لمعارض مفتوحة للوحاتها. لتترك بصمة زمنية استطاعت من خلالها "أريج لاون" صنع مقاومة فنية تصرخ: أنا فلسطين، وبمهارة تشكيلية عبرت إلى العالم.

كنوز فلسطين وتراثياتها من شجرة الزيتون وصولًا إلى المسجد الأقصى

تميز جوهري بالمعنى والمبنى والواقعية الرمزية في فن تشكيلي فلسطيني، مكوناته حبة زيتون تقود الذهن نحو كنوز فلسطين وتراثياتها من شجرة الزيتون وصولًا إلى المسجد الأقصى، والمرأة التي ترمز إلى الوطن المحتضن الأبناء بقوة المحبة والعطاء. فاللوحة ذات تأثير وتأثير على المتلقي المتأمل تفاصيل خيوط الزيت المتناثر هنا وهناك، وفق أبعاد تتناقض وتتناغم مع بعضها البعض. لتؤلف الشكل المبني على مفاهيم وطنية بحتة تبحث عن تحقيق الرؤية، لتترسخ في أذهان العالم بجمال يقاوم الصهاينة بأسلوب منحته الفنانة "أريج لاون" ميزة لونية خاصة تتأثر شكلًا ومضمونًا بالرسومات وفراغاتها المحاكية للإنسان، ولطبيعة وطن زاخر بشجرة مباركة باقية في أرض فلسطين مهما حاول المحتل إزالتها. لأنها جزء من أرض طيبة ووطن رسمته "أريج لاون" بحبة زيت نثرت زيتها.

برؤية أخرى العمل الفني للفنانة "أريج لاون" يُشعر الناظر بقوة الهوية الفلسطينية من خلال استخدام عناصر بصرية غنية، تتنوع بين الألوان والتراكيب، مما يعكس التوتر بين الجمال والمعاناة. اللوحات ليست مجرد تصوير، بل هي تعبير عن عمق التجربة الإنسانية والموروث الثقافي.

النفس البشرية تتأثر بشدة بالمحتوى العاطفي للأعمال. يُظهر استخدام "لاون" لزيت الزيتون كوسيلة تعبيرية ارتباطًا عميقًا بجذور الهوية الفلسطينية. يشعر المتلقي بتعاطف قوي مع الموضوعات المطروحة، خاصة عندما تُبرز صور الوجوه والمعالم الفلسطينية، مما يخلق حالة من الارتباط النفسي مع التراث والمقاومة.

تقنيات "لاون" في استخدام الألوان والتراكيب تُظهر مهارة فنية متقدمة. الألوان الهادئة والمشرقة تعكس الطبيعة الفلسطينية، بينما الألوان الداكنة تعبر عن المعاناة. استخدام زيت الزيتون كوسيلة فنية يُعتبر ابتكارًا، حيث يمنح العمل طابعًا مميزًا ويجعل المشاهد يشعر بملمس الزيت، مما يعزز التجربة الحسية.

الجمال في أعمال "لاون" لا يقتصر على الأشكال أو الألوان، بل يتجاوز ذلك ليشمل العمق الرمزي. الشجرة، على سبيل المثال، تُستخدم كرمز للصمود والخصوبة، مما يضفي على اللوحات بعدًا جماليًا يتجاوز الشكل الظاهر. الإيقاع البصري هنا يتكون من تداخل الأشكال والألوان، مما يجعل العين تكتشف تفاصيل جديدة في كل مرة تُشاهد فيها العمل. كما أن توزيع العناصر داخل اللوحات يُظهر إيقاعًا بصريًا متوازنًا. الخطوط والأشكال تُستخدم لتنظيم الفضاء بطريقة تُشعر المتلقي بالحركة والتفاعل. استخدام النقاط والزوايا يُضفي ديناميكية على العمل، مما يجعل المشاهد يشعر وكأنه جزء من القصة التي ترويها اللوحات.

تعكس أعمال "أريج لاون" تفاعلًا عميقًا بين الهوية، الثقافة، والفن. من خلال الإيقاع البصري والتعبير الجمالي، تنجح الفنانة في نقل مشاعر قوية وعميقة تتعلق بالقضية الفلسطينية، مما يجعل كل لوحة ليست مجرد عمل فني، بل تجربة إنسانية متكاملة.

Doha El Mol

dohamol67@gmail.com