خربشة مبنية على قواعد فنية
ضحى عبدالرؤوف المل
تقترن خربشات الفنان "رفيق مجذوب" (Rafik Majzoub) بالتعابير الحكائية التي يسرد من خلالها بؤس الإنسان، محفزًا العاطفة على إيجاد الدلالات الإيحائية لخربشة مبنية على قواعد فنية هي جزء من المعنى الجوهري للشكل الذي يتركه في حالات مختلفة، تتوافق في معظمها مع الخطوط الانسيابية أو المتلاشية في الرؤية البصرية، حيث يمنحها الأبعاد التشكيلية، وفق المساحة والشكل، وبمقاربات كاريكاتورية أو بالأحرى شكلانية، تُضيء الذهن بزمنية الحدث الإنساني المؤدي إلى الحزن والبؤس والمعاناة، أو لحالة ساخرة بمنطق قلم يرسم تعابيره على ملامح وجوه تتماشى مع الأزمنة وترتكز على تحفيز الحواس البصرية لتنجذب إلى المعنى الداخلي تبعًا لمفاهيمها الخاصة.
مقاربات سوسيولوجية تشكيلية
تندفع رسومات الفنان "رفيق مجذوب" من المخزون النفسي. إذ تتحرر الخطوط من القيود الفنية بمقاربات سوسيولوجية تشكيلية تمثل البيئة المحيطة بكل إنسان دون استثناء، وبفن حركي بصري يثير متعة التذوق عند المتلقي. فالحالات الاجتماعية أو السياسية أو الفنية ذات المعنى الإنساني هي جزء من رسوماته ومستوياتها التراجيدية والتعبيرية، القادرة على خلق معاني لنظريات فنتازية صاغها بسرد تشكيلي خفيف بصريًا على المتلقي. إذ يحاكي بؤس الإنسان بأقل حركة وعبر فراغات ومساحات تضيق بسذاجة خطوطه وخربشاته المتماهية مع الأشكال المختلفة، المولودة من واقع متخيل بأسلوب مرن، وبماهية فنية تشكيلية مندمجة مع الواقع الإنساني المتغلغل في النفس، وعبر أنفاس الحبر المتحرر على القماش أو الورق أو غير وسائله المستخدمة في إخراج المكنون الذاتي بموضوعية جمالية متأثرة بشكلانية تصويرية تحاكي المعنى بتنافر وتضاد، وبسخرية بسيطة أحيانًا. إلا أنه يبحث عن جوهر الإنسان متخطياً حدود الشكل الخارجي نحو الداخل المضىء بمكنونه الإنساني.
نمطية تتغاير اتجاهاتها كلما تجدد النظر
تفاصيل فنية ديناميكية تلازم العمل الفني، كلما اتضح المعنى إيحائيًا عبر دلالات يرسمها على ملامح الوجوه، لشخوص تنصهر مع الخطوط غير الثابتة في نمطية تتغاير اتجاهاتها كلما تجدد النظر إلى اللوحة من حيث المعنى والمبنى. إذ يبدو التفسير الحركي للخطوط كرؤية تترجم حركة الإنسان عبر الأزمنة المختلفة، محافظة على المعاني الثابتة عند الإنسان، كالحزن، والألم، والمعاناة، والبؤس، دون تغيرات تضفي على المعاني جدلية تساعد على التغيير الإنساني، وعلى الحياة نفسها بازدواجية انتقادية أحيانًا تؤدي إلى دمج الماضي والحاضر والمستقبل عبر حكاية الإنسان القديم والمعاصر، والصراعات الرمزية التي يبطنها بخربشاته المتعاكسة، والانعكاسية في فراغاته المدروسة التي تمثل حقيقة المشاعر المتعاطفة مع الأحداث المؤدية إلى خلق المزيد من الحزن والألم للإنسان، وفق متغيراته الزمنية عبر الواقع والخيال المتمثل في تصويرات مقروءة بصريًا كفن بصري ذي معاني سوسيولوجية.
التخيل الفني المبني على الاتساع والتطور في الرؤية الفنية
تخضع رسومات الفنان "رفيق مجذوب" لمتغيرات إيحائية يقرأها كل فرد تبعًا لرؤيته الخاصة وبمحاكاة واقعية نشأت من التخيل الفني المبني على الاتساع والتطور في الرؤية الفنية المتجهة نحو الإنسان ومجتمعه أولًا. فالمنطق الإدراكي لاتجاهات الخطوط وانعكاساتها يسرد طبيعة الإنسان وبحثه السرمدي عن السعادة عبر الأشكال الخطوطية العشوائية التي تميل إلى النفس وخباياها، والتذبذب ما بين الفراغ والأبعاد والرؤية، ليؤكد على عفوية الفن التشكيلي في تجسيد الحالات التي تنطبع في النفس، وتترك آثارها بصريًا على الخيال الذي يترجم الواقع برسومات هي بطبيعتها محاكاة درامية لما يشعر به الإنسان في المجتمعات كافة. فهو يمزج بين الذهن والعاطفة، وبين البصر والعقل، ليخرج بمعادلة مقنعة بتعبيراتها الممزوجة شكليًا ومعنويًا، وبرمزية تتناقض بين الغموض الساخر والواقع الانتقادي للإنسان الذي يرسمه بعشوائية قلم يبحث عن ذاتية فنية، يتميز بها من خلال صياغة مشهدية تروي بصريًا تفاصيل قصة مبنية على خربشات إيحائية يتركها لذهن تحليلي يؤلف منها حكاية ذات وحدات تشكيلية تميل جماليًا نحو المعنى المشهدي المحاكي بصريًا فكرة المنطق المتخيل عبر الخط والحركة والفراغ، وبأسلوب تشكيلي حكائي.
عبقرية قلم يجسد الصراعات الداخلية والخارجية
يمحو الفنان "رفيق مجذوب" الوعي الفني من لوحاته ليمنح اللاوعي لقلمه الذي يستنبش دواخله الفنية بعيثبة وجودية تستنكر النظم الحياتية المؤدية إلى العقم العلاجي لصراعات الإنسان اللامتناهية، بمعنى تلك التي لا شفاء منها إلا بالرسم، حتى بينه وبين ذاته أو بين الوعي واللاوعي وجمالية الخروج الطبيعي، وبعفوية تلامس بجنونها عبقرية قلم يجسد الصراعات الداخلية والخارجية بدءًا من النفس وصولًا إلى الآخرين، وبخربشة كاريكاتورية تثير الفكر وتحفزه للاستطلاع على ما يشحن النفس، ويتركها ضمن حركة خطوط متخيلة، وعبر جوانب رؤيوية مختلفة وبشفافية تحاكي البعد النفسي والهروب بالوعي نحو رسومات باطنية موجودة في داخل كل منا. إلا أنها تحتاج لجرأة كي تنتفض تعبيراتها، لتخرج بانورامية برؤية فنية ذات خطوط مجردة من الارتباطات التشكيلية بمعناها الواعي، وكأن أعماله الفنية هي فن نفسي يعالج الذات من الهواجس والمخاوف ويحررها من الوعي الإنساني ليعيدها إلى مرحلة الطفولة البكر.
برؤية تحديثية أخرى تتجلى أعمال الفنان "رفيق مجذوب" في سياق إبداعي يمزج بين التعبير النفسي والتشكيلي، مستخدمًا أدوات فنية تعكس عمق التجربة الإنسانية. من خلال خربشاته وأشكاله، يعكس مشاعر معقدة، تنبض بالحياة، وتدعو المشاهد للتفاعل مع عناصر العمل الفني.
يمكننا أن نرى أن إيقاع أعمال "رفيق مجذوب" يتجلى في تنقلات الخطوط والأشكال، حيث يخلق تباينًا بين الحركة والسكون، ما يضيف بُعدًا ديناميكيًا لأعماله. الخطوط غير الثابتة تعكس حالة من الاضطراب النفسي والبحث عن الهوية، مما يجعل المشاهد يشعر بتدفق المشاعر وتذبذبها.
تتكون الأعمال من طبقات متعددة من الألوان والخطوط التي تُكوّن معًا تكوينات بصرية مُعقدة. هذا التركيب يساعد في تشكيل إيقاع بصري يُشبه النغمات الموسيقية، حيث يتناغم الفوضى مع النظام، مما يُبرز الجانب التعبيري للفنان. إذ تعكس أعمال مجذوب تجارب إنسانية عميقة، حيث تتناول موضوعات الحزن، المعاناة، والأمل. الإيقاع البصري هنا يشكل عاطفة قوية، حيث يمزج بين العناصر المرئية والمعاني المجردة. يمكن للمشاهد أن يشعر بتوتر اللحظات المعقدة التي عاشها الفنان، مما يُضفي بعدًا نفسيًا عميقًا على العمل.
الخطوط والخربشات ليست مجرد عناصر جمالية، بل تحمل دلالات عاطفية. التكرار والاختلاف في الحركة يخلق تجربة بصرية متجددة، حيث تتأمل العين وتتفاعل مع كل جزء من العمل، مما يزيد من قوة الإحساس الفني. تُعبر هذه الأشكال عن تناقضات الوجود، مما يجعل المشاهد يتساءل حول معاني الحياة والعواطف.
تتجاوز أعمال "رفيق مجذوب" حدود الفنون التشكيلية التقليدية لتصبح تجارب بصرية ونفسية شاملة. من خلال إيقاعه البصري الفريد، يقدم لنا نظرة عميقة إلى الوجود الإنساني، مما يُثري الحوار بين العمل والفنان والمشاهد. إن تأمل هذه الأعمال يُحفز على استكشاف المشاعر والدلالات المختلفة، مما يجعلها تجربة فنية متكاملة تعبر عن جوهر الإنسانية.
Doha El Mol
dohamol67@gmail.com