جمالية تصويرية ترتكز على المشهد والمنظر ووحدوية الإنسان

يربط الفنان "ميمو يوديتشي" بين القديم والجديد، والأبيض والأسود، في أعماله الفوتوغرافية ذات النزعة الضوئية التي تميل إلى خلق مقارنات مفتوحة على تأويلات فكرية ذات جمالية تصويرية ترتكز على المشهد والمنظر، ووحدوية الإنسان بمختلف العصور التي ينتمي إليها. وبميتافيزيقية تنتمي إلى حضارات توحي بها تصويراته ذات الأبعاد الضوئية، والانعكاسات المتأثرة بالأسلوب الوصفي لعدسة تسجل إيقاع الزمن ببساطة وتقنية، وفيزيائية حركية ذات سكون يميل إلى حدة النظرة المدروسة ضوئيًا من عدة جوانب.

يلتقط من الواقع التشابه الزمني والمكاني، وبالتعددية النمطية ذات الرؤية التي يوحدها عبر عدسته الدقيقة والمتوازنة في معاييرها الداخلية والخارجية، أي ما بين المشهد وإخراجه، والتفنن في التقاط الجزئيات والتفاصيل المهمة، لتظهر ضمن بوتقة الصورة المحبوكة برمزية واقعية هادئة في تطلعاتها الطبيعية والمرنة نحو الحياة التي يسجل وقائعها "ميمو يوديتشي" عبر عدسة تضع العين أمام عدة احتمالات فوتوغرافية لا ارتباك فيها. إذ تبدو استقرائيًا واضحة في تصاعدياتها وأفقياتها، بل! وبتسطيح الضوء عند انتظار لحظة انعكاساته في فترة ما من النهار أو الليل، ليسجل في ذاكرة الصورة اللحظة المناسبة للالتقاط الفوتوغرافي وأهميتها.

عدسة لم تنف نظرة البحر الأبيض المتوسط عنها. إذ اهتم "ميمو يوديتشي" بثقافة الصورة لتحتوي على مفاهيمه الفوتوغرافية الذاتية، وبأبعاد بصرية معاصرة احتفظت بالخطوط الأساسية لبناء الصورة المثيرة حسياً للرائي، وبسكون تتميز به صوره الحركية في تفاوتها اللوني بين الأبيض والأسود، والرمادية الفاتحة والداكنة، وتلاعب الضوء والظل، وبقدرة رياضية محكومة بقوة اللحظة التي تنتظرها العدسة والعين.

لتوازن بين المشهد وتطلعاته في الإخراج الفوتوغرافي الباحث عن حضارة متوسطية ملتزمة بتسجيل الفروقات المستوحاة من القديم والجديد، ورمزية الأبيض والأسود وقوته في جمالية الصورة، محاولاً بذلك استكشاف الأماكن واللحظة الواقعية في حياة الناس أو القياسات الزمنية التي تؤرشف الزمن في مكان يزول ويبقى في صورة إبداعية درامية لا تخلو من نظرة غرائبية في بعض منها، حين يعتمد على إيحاء الزمن في وجه إيطالي احتفظ به ما بين القناع والحقيقة، أو ما بين زمن وزمن، والحقيقة والخيال، وبثنائية أحيانًا في الأبعاد للعتمة والنور وامتزاجهما في لحظة تتكون ضمن طبيعة يراها تتشكل أمامه بثلاثية الأبعاد الكونية غير المرتبطة بالعدسة، إنما مرتبطة بالمنظر أو المشهد المتجسد أمامه بعيدًا عن العدسة. ليعيد انتظار لحظة أخرى يستطيع من خلالها التقاطه برؤية أخرى.

إنصهار ضوئي متمكن من الأبعاد البناءة لحساسية الصورة من حيث قوتها وضعفها، والتوازن في رؤاها الهندسية، أي تكوين الخطوط الأساسية لبناء المشهد عبر عيارات العدسة المتناسبة والمتناغمة مع اللحظة الليلية أو النهارية، وبتوقيت يتناسب مع الحدود الفاصلة بين العدسة واليد، والمشهد والمكان المتلاشي ضوئيًا بين الأبيض والأسود، ودقتها في تحديد الخطوط المسائية أو النهارية. وهذا ما تتميز به صور الفنان الفوتوغرافي "ميمو يوديتشي" من تقنية وديناميكية وحركية تسجل لحظات مختلفة، لتعبيرات الطبيعة والمكان، وبتعبير فوتوغرافي ملتزم بلحظة الذروة في الالتقاط أو ملاحقة لحظة الاكتمال في التوافق بين اللحظة والعدسة.

لتبرز من خلالها مفاهيم التناسق والتماثل والتناظر، وبصدق بصري ذي انفعالات حميمية مع شاعرية الرؤية، وماهية القيمة المعنوية للصورة الموضوعية التي تتناقض مع ذاتية العدسة ومعاييرها الغنية جمالياً بالاتساع والشمولية والحدود اللامتناهية للضوء المثير للظل ووجوده، والامتزاج الساحر بين الضوء ومادية المكان، وبين العين والعدسة، وبين اليد والفكر الرياضي الذي يسعى إلى بناء صورة مثالية تحاكي ثقافة البحر الأبيض المتوسط.

تعتبر الفنون البصرية، وخاصة التصوير الفوتوغرافي، وسيلة قوية لنقل الأفكار والمشاعر. يبرز العمل الفني كعكس للواقع ويستكشف الزمن والمكان بطريقة فريدة. يعتمد التصوير على تفاعل الضوء مع العناصر المرئية، مما يخلق تجربة جمالية تتجاوز مجرد العرض البصري.

يُعد التركيب من العناصر الأساسية في الفوتوغرافيا. يتطلب تصميم الصورة توازنًا بين العناصر المختلفة، مثل الخطوط، والأشكال، والظلال. يمكن للفنان استخدام قواعد التركيب مثل قاعدة الأثلاث لتوجيه نظر المشاهد وتوجيه الانتباه إلى العناصر المهمة في الصورة.

تعتبر العلاقة بين الضوء والظل جوهرًا لنجاح العمل الفني. يتيح التحكم في الإضاءة للفنان إبراز التفاصيل الدقيقة وإضافة عمق للصورة. يمكن أن يكون الضوء قاسيًا أو ناعمًا، مما يؤثر على المزاج العام للصورة. على سبيل المثال، يمكن للضوء القاسي أن يبرز القوام والملمس، بينما يخلق الضوء الناعم جوًا رومانسيًا أو حالمًا.

يُعد موضوع الصورة عنصرًا محوريًا في التعبير الفني. يمكن أن يكون الموضوع إنسانًا، منظرًا طبيعيًا، أو حتى كائنات غير حية. يعكس اختيار الموضوع رؤى الفنان وأفكاره حول العالم. فكل صورة تحمل في طياتها قصة، والقدرة على سرد هذه القصة من خلال العناصر البصرية تُظهر براعة الفنان.

الجمالية في التصوير تتعلق بالأسلوب والتقنيات المستخدمة. قد يتبنى الفنان أساليب متعددة، مثل الأسود والأبيض أو الألوان الزاهية، لخلق تأثيرات بصرية محددة. كما أن التباين في الألوان يمكن أن يُستخدم لتوجيه التركيز وإحداث انطباعات عاطفية قوية.

غالبًا ما تحتوي الصور على أبعاد رمزية تعكس الثقافة والتاريخ. يمكن أن يكون للألوان والأشكال معاني مختلفة في سياقات ثقافية معينة، مما يضيف عمقًا إضافيًا للتجربة البصرية. على سبيل المثال، قد يرتبط اللون الأحمر بالعاطفة أو الحب في بعض الثقافات، بينما قد يدل في أخرى على الخطر أو التحذير.

تجمع الفوتوغرافيا بين الفن والتقنية، مما يسمح للفنان بالتعبير عن رؤيته بطريقة مميزة. تساهم العناصر البصرية المختلفة، مثل الضوء، والظل، والتركيب، في خلق تجربة بصرية متكاملة. من خلال تصوير اللحظات والقصص، يمكن للفن الفوتوغرافي أن يترك أثرًا عميقًا في نفس المشاهد، مما يجعله وسيلة فعالة للتواصل والتفاعل مع العالم من حولنا.

Doha El Mol

dohamol67@gmail.com