يوم المومياء في فيلم "Day of the Mummy"

ضحى عبدالرؤوف المل – بيروت - لبنان

تبدأ رحلة البحث عن حجر الكوديك بمهابة استكشافية حيث "مدخل للقبر ما يسمونه العبريون القدماء الملك الملعون، ذكر اسمه مخيف للمصريين القدماء، حتى رمز اسمه القط لا يمكن كتابته أو لفظه من قبل أحد" من نيفيرو ابن هاركوبتس، كان الوريث للملك حين أمسك به أخوه الأصغر سيتاه وقام بتحنيطه وهو لا يزال حيًا. وفي هذه الأنفاق حيث دُفن، نعتقد أننا سنجده. لحظات من الترقب والتعمق والتصوير ضمن عتمة مخيفة تلازمها أصوات تبدو غامضة. لينتهي المشهد على غموض يثير الاستكشاف عند المشاهد، لمعرفة ماذا جرى مع المستكشف أو الدكتور بهار الذي اختفى دون معرفة ما الذي حدث له في هذا الكهف المثير للخوف.

جوهرة ثمينة محفوفة بالمخاطر، لأنها لغز من حيث فقدانها ومعرفتها، لأنها ملك فرعوني يُدعى نيفيرو. مهمة الأستاذ والباحث بعلم الآثار قد اختلطت مع أهداف الأمن القومي المهتم بالبحث عن الرجل المفقود، أو دكتور الآثار بهار، مع توثيق الفترة المصاحبة للاطاحة بحسني مبارك. لتبدو زمنية الفيلم متناقضة مع أسطورة يهتم لها الأمن القومي مع فريقه المرسل إلى صحراء مصر، مع رؤية البدو العرب والدليل السياحي العربي الذي يقودهم إلى المغارة حيث اختفى الدكتور بهار في الأرض الملعونة التي مشى عليها الفريق الباحث عن حجر الكوديك. والدكتور بهار لنرى العربي بشكل أعرابي قديم ينتعل ما هو بدائي، رغم أنه عربي معاصر لم يتم تحديثه في الفيلم، برغم أنه يتحدث اللغة الإنجليزية بطلاقة، بل وحتى الخوف من نسيم أبو بكر، وهو الاسم الذي ترك لقطاع الصحراء، منحهم حق العبور إلى القبر الملعون.

يباغتك الفيلم في بدايته لتدرك بعدها أنك تابعت فيلمًا سهلًا ممتنعًا لموضوع تمت معالجته في كثير من الأفلام. إلا أنه هنا تم إظهار الأساليب البحثية الحديثة من أقمار اصطناعية ونظارات تجعل من يتابعك يرى كل شيء كما ترى أنت، وسماعة أذن لا يمكن اكتشافها تسمع بواسطة كل صوت حسي يمكن التقاطه بتقنية معاصرة، مع تصوير في غالبه ضمن الكهف، أي تصوير داخلي مع خدع بسيطة هي لعبة العتمة والظل، والسرعة في التنقل. فتكتيك التصوير لم يحمل معجزة، برغم جمالية التصوير في بداية الفيلم حيث الكاميرا المفتوحة على لقطات ذات جمال ساحر وفاتن للبصر. ولكن للمعاني جمالية ترابط تقني يتعلق بالمعنى والبناء والأسلوب الإخراجي المترابط مع النص والرؤية المعقدة في بدايتها والبسيطة في النهاية، السذاجة التي يشعر المشاهد فيها أنه تابع فيلمًا لنهاية لم تحمل ما هو متوقع من فيلم بدأ بإثارة الغموض والرعب وانتهى ببساطة تراجيدية يبدو فيها الأصول الفرعونية تحتاج للانتقال الرجولي بإزالة حجرة الكوديك من داخلها، حيث يمد البطل يده بكل سهولة إلى داخل المومياء لينتشل الحجر قبل تفجيره وإنهاء المهمة.

لم يحتاج المخرج "جوني تايلور" إلى الكثير من إظهار التصوير الخارجي، بل الهروب منه بجعل اللقطات المعقدة تحت تأثير العتمة في الداخل. وفي هذا سهولة في خداع المشاهد بصريًا. إذ يكتفي بمشاهد تعيد نفسها، وبمنطقية الخيانة العربية وإظهار البدو الرحل كمجرمين حرب دون الغوص في معنى سرقة آثار لبلاد عربية هي مصر أو الحجاز كما كانت تُسمى قديمًا. إذ لم تنطبق الرموز الأسطورية لا على شكل المومياء ولا على شكل المرشد السياحي أو مرشد الآثار الذي رافقهم إلى قبر الملك الملعون، إضافة إلى صورة التحرش بالفتاة المرافقة لهم، والتي ضربته بقوة وبتناقض مع ضربة أخرى لمرافقها من مواطنها في أمريكا، حيث تتم المهمة ببقاء الاثنين معًا، ونصر إنهزامي بسيط مع حجر الكوديك الثمين.

حبكة معقدة بدأها المؤلف "غاري شارليز" بأسلوب روائي لأدب الرعب والإثارة، ولكن باستخفاف درامي، إذ لم تبلغ الأحداث التراجيدية ذروتها في فيلم كان من المعتقد أنه وصل إلى حبكة تراخت عند النهاية، بل فقدت منطقيتها التراجيدية برغم فقدان بعض عناصر المرافقة الذين قُتلوا دون غموض يثير قوة الدهشة عند المتلقي. بل بحلول إخراجية لم تكن منطقية، فهي تركت ثغراتها عند المشاهد، وكان المؤلف والمخرج استدرجا المشاهد حتى النهاية، وكأن الأسطورة الفرعونية تعيد نفسها ولكن بأسلوب زمني يصور الحداثة التكنولوجية التي وصل إليها الغرب لاستكشاف الآثار العربية والحصول عليها ببساطة تثير الاستخفاف. كما أنها تحاول استعراض البطولات القادرة على تحقيق الهدف مهما كانت الأساليب الهادفة إلى سرقة آثار الأوطان. فهل صحراء مصر هي فقط كحجر الكوديك بالنسبة للغرب أم أنها أرض الكنوز والخيرات والرسالات السماوية، وهي مطمع سياحي ما زال يجذب إليه آلاف السياح؟ إذ تحمل معجزات الأهرامات رؤية عمرانية يصعب فك الغازها المتعلقة بالمومياء والكنوز الأثرية التي ما زالت مدفونة.

الفيلم من بطولة: داني جلوفر (Danny Glover) وليام ماكنامارا (William McNamara) أندريا مونييه (Andrea Monier) نيمي (Nimi) أنطوني فانيللي (Anthony Fanelli). تأليف: غاري شارليز (Garry Charles) إخراج: جوني تابور (Johnny Tabor).

برؤية أخرى يقدم الفيلم تجربة درامية مثيرة تمتزج فيها عناصر الرعب والغموض، مما يجعل المشاهد في حالة ترقب دائم. تبدأ القصة برحلة بحث عن حجر الكوديك، الذي يرتبط بأسطورة فرعونية تحمل الكثير من المخاطر. تتميز الحبكة بتشابك العلاقات بين الشخصيات، حيث يُظهر الفيلم كيف يمكن أن تتداخل الطموحات الشخصية مع المخاطر الكبيرة التي تكتنف التاريخ. من خلال شخصيات مثل الدكتور بهار ورفاقه، يتمكن الفيلم من تصوير الصراع بين الاستكشاف العلمي والقوى الغامضة التي تحيط بالآثار.

يتجلى الجانب الفني في استخدام أساليب تصوير حديثة، مثل الأقمار الاصطناعية والنظارات المتطورة. يساهم هذا الاستخدام في بناء أجواء الفيلم المشوقة، مما يجعل المشاهد يشعر بأنه جزء من التجربة الاستكشافية. كذلك، يتم توظيف الإضاءة بشكل ذكي لخلق تأثيرات درامية، حيث تُستخدم العتمة والظل لتصوير الكهف، مما يزيد من الشعور بالغموض والخوف.

يتجلى الجمال البصري في التصوير السينمائي، حيث تنجح الكاميرا في التقاط لقطات ساحرة تجسد جمال الصحراء المصرية. بالإضافة إلى ذلك، هناك استخدام ذكي للزوايا والكادرات لتعزيز الانغماس في القصة. يتميز الفيلم بالقدرة على دمج الجمال الطبيعي مع التوتر الدرامي، مما يُحدث تأثيرًا بصريًا قويًا. تتباين الألوان بين الفاتحة والغامقة، مما يعكس الصراع بين الخير والشر، وبين المعرفة والخوف.

يقدم الممثلون أداءً متنوعًا، حيث يُبرزون مشاعر الخوف والقلق بشكل واقعي. تتجلى قوة التمثيل في التفاعلات بين الشخصيات، والتي تعكس التوتر الناتج عن المواقف الحرجة. يمثل أداء داني جلوفر ورفاقه تجربة تمثيلية تجعل المشاهد يتعاطف معهم، خاصة في لحظات الخطر. يتمتع الممثلون بالقدرة على نقل مشاعرهم ببراعة، مما يضفي بعدًا إنسانيًا على الشخصيات رغم سياقها الخيالي.

تحت قيادة المخرج "جوني تايلور"، يظهر الفيلم بمستوى عالٍ من الاحترافية في الإخراج. يُظهر توازنًا بين العناصر الدرامية والفنية، مما يخلق تجربة مشوقة ومؤثرة. يتقن تايلور استخدام تقنية "اللقطات القريبة" و"الزوايا الديناميكية" لزيادة الإحساس بالتوتر، وهو ما ينجح فيه بشكل كبير. كما يُظهر المخرج فهمًا عميقًا للزمان والمكان، مما يساهم في بناء عالم الفيلم بطريقة مقنعة.

الخلاصة

فيلم "Day of the Mummy" يمثل تجربة سينمائية تجمع بين الغموض والرعب، مصحوبة بأداء تمثيلي قوي ورؤية إخراجية متميزة. ينجح في جذب الانتباه من خلال أسلوبه الفني المبتكر وتقديمه لقصص معقدة تتناول موضوعات الاستكشاف والتاريخ. تظل الأبعاد الجمالية والدرامية حاضرة، مما يجعله فيلمًا يستحق المشاهدة والدراسة.

Doha El Mol

dohamol67@gmail.com