شحرورة لبنان من المهد إلى المهد
ضحى عبدالرؤوف المل – بيروت - لبنان
وضعت جدتي الراديو الأسود الصغير المغلف بالجلد والمزين بحبات من الخرز الأزرق على حضنها بعد أن جلست متربعة على كنبة عتيقة قرب شجرة الدفلة الكبيرة. كنت أدرك أن جدتي الآن في حالة سمعية لا يمكن لأحد أن يحاكي وحدتها الطربية هذه، لأن عصاها ستكون بالمرصاد لمن يثرثر أو يشاغب أو يحاول إزعاجها في فترة ذهبية تأتي بموعدها لتستمع إلى الأغاني الطربية. تأففت من هذه الحالة كثيرًا فيما مضى، لأنها كانت تمنعني من الكلام وتسبب لي في بعض الأحيان لطشة عصا لا تصيبني، ولكن تسبب لي الفزع من ضربة تكاد تتسبب لي بوجع أشعر به في مخيلتي عند الهرب منها لاختبئ خلف كومة الحطب قريبًا من شجرتها هذه لأستمع معها إلى الأغاني الصادرة من علبتها السوداء الغريبة بالنسبة لي. كان الصوت الذي يخرج من الراديو أشبه بسنابل القمح الذهبية التي تتأرجح مع الهواء الصيفي الحاد المحمل بلفحة ساخنة كلفحة الصوت الذي أسمعه، وهو بين "الأوف والعتابا" و"هويدا هويدا لك". كانت جدتي تترنم ودخان سيجارتها يتراقص راسمًا أشكالًا متعددة مع الهواء الساخن ثم يتلاشى، كما يتلاشى صوت المطربة في حواسي كلها، وبذوبان استقر في سمع لم ينم، إنما استفاق بقوة الآن.
صرخت أمي بصوت أفزعني من غفلة المراقبة هذه ونشوة الأغنية تأخذني مع جمال الطبيعة في رحلة صوت مجدته سنابل القمح المتراقصة أمامي. لكنني لم أحرك ساكنًا، بل انبطحت على التراب كي لا تراني أمي، لأنه حان وقت الغذاء، وأنا أردت البقاء مع هذا الصوت المشبع بالطبيعة وجمالها، ويتردد صداه بين أغصان شجرة الدفلة والسنابل وحتى العصافير التي تحط وتطير كأنها جوقة موسيقية، إلا أن الصوت الذي يخرج من علبة جدتي السوداء وأحس معه بحاجة للتأمل حينا وللرقص أحيانًا توقف عن الغناء بعد أن برمت جدتي الزر المعلق في علبتها الغامضة. كنت يومها لا أعرف من صاحبة هذا الصوت الذي تسمعه جدتي في جلستها الانعزالية تحت شجرة الدفلة. حينها اقتربت من جدتي لأتحسس ثوبها محاولة لمس علبتها السوداء. إلا أنها أمسكتني بيدي وقالت لي: "هذا الراديو، ما تلمسيه بتكسريه يا ستي، خلينا منه نسمع صوت صباح بكل صبحية وعصرونية". كانت المرة الأولى التي أسمع فيها باسمها "صباح". سألتها بصوت مشاكس: "مين صباح يا ستي، زلمي أو مرا؟" نظرت جدتي نظرة غاضبة وفي عينيها شرارة تعني أني أغضبتها، وقالت: "هيدي ملكة الصوت يا بنت. (هيدي) "هويدا هويدا لك يا هويدا هويدا لي". أحسست أن جوابها سؤال يثير الحيرة أكثر.
تتابعت الأيام وكانت مواعيد جدتي النظامية مع علبتها السوداء مواعيد ثابتة. فيروز صباحًا وخلال النهار والليل صباح، وعند العاشرة أم كلثوم، ثلاثية راديو جدتي الشهيرة. توالت الأيام واشترى أبي التلفاز بصندوقه الخشبي وقوائمه الأربعة. فصرت أنتظر أطلالتها المشرقة وشلال شعرها الطويل بزینته وتسريحته الأنثوية، وخامة صوتها السابحة مع الحياة، وثوبها المتمايل مع حركاتها التعبيرية حين تطل من على شاشة تلفزيون لبنان بالأبيض والأسود. كنت يومها أتحرق شوقًا لمعرفة ألوان ثوبها الجميل المزركش بألوان غامضة، لأن التلفزيون الأبيض والأسود لا يمنح الألوان لفستان أحلم به كالأميرات، وصوت يستحق أن تكون الدبكة عامرة معه. وعندما كبرت بدأت أدرك من هي المطربة "صباح" ومن تكون، من صوت في راديو وصورة متحركة على تلفزيون أبيض وأسود، وصورها في المجلات التي كنت أقصص منها صور الصيوحة لأحتفظ بأثوابها الألقَة مع ما كنت أحتفظ به من مجلات قديمة لما تحمله من معلومات عنها، وعن قصص الحب التي كانت تُروى عنها. إلا أن صوتها بالنسبة لي كان أقوى من صورتها، لأنني عرفته من راديو جدتي القديم منذ طفولة عرفتها فيها كصوت ذهبي يشبه حفيف سنابل القمح في فصل الصيف.
لا أعرف ما هي أحاسيسي ولماذا تذكرت راديو جدتي، وأنا أتابع وقائع اليوم الطويل لرحيل مطربة حملت معها للإنسانية قيمة المحبة والسلام بمفهومها الغني بالاحترام للإنسان نفسه والمحبة لذاتها وللآخرين. كل هذه الذكريات التي مرت على ذهني، أو بالأحرى تلك التي خرجت من صندوق الذاكرة الذي جمع بين جدتي وأبي وأنا مع مطربة تناغمنا مع أحاسيسها وأناقتها وعطاءاتها لوطنها وللعالم الذي منحته إرثها الفني ليحيا كتراث إبداعي زاخر بالتنوع الغنائي والتمثيل السينمائي والمسرحي، وبالتعبير الجمالي الذي يخرج من وجه صبوح تألقت معه أرزة لبنان. إن تولد في يوم الموت هو قمة المجد الذي يبنى ثانية ثانية، فمن يمنح ذاته للحياة تمنحه هباتها وساعاتها. بل! وحتى تاريخها ومستقبلها، فمن يأسف لرحيل شحرورة لبنان المولودة في يوم رحيلها؟ من يأسف لأغانٍ عابقة بمجد لبنان وجيشه الذي غنت له "تسلم يا عسكر لبنان" فعزف لها يوم عرسها؟ إرث فني يضيء جبهة الشمس بإنجازات فنية ترسم لبنان في ذاكرة جيل تلو جيل، بل! في صوت شجي تراثي شعبي فلكلوري جعل من أعمدة بعلبك وأرز لبنان في كل مكان ثابتة ممجدة بكل فخر واعتزاز. هي امرأة عاشت كما أرادت أن تحيا بنجاح تلو نجاح، متناسية الألم والحزن والمعاناة، وفي رصيدها كنز فني دخلت به كتاب غينيس، كما دخلت به قلوب الملايين ممن بكوا وضحكوا في عرسها الأخير، فالابداع الفني لا يوارى الثرى، لأنه يتعاقب عبر الأزمنة بما يحمله من صدق في العطاء وجودة في البناء وازدهار في معانيه.
ماذا أقول لجدتي عن "صباح" التي عاشت مع صوتها ولم تستمتع برؤيتها، وكانت أمنيتها أن ترى الوجه الصبوح الذي كان يصفه لها البعض بالجمال، فتكتئب وتقول بكبرياء: "أنا حين أسمع صوتها أراها". ماذا أقول لنفسي وقد جعلتني أشعر بأننا في لبنان جعلتنا في موتها نحاسب أنفسنا على أخطاء نرتكبها بحق الفنانين الحقيقيين المتأصلين من جذور أرزة ديمومة اخضرارها من ديمومة أبناء خدموها ورفعوها عاليًا، وجعلوها منارة تضيء لبنان في كل مكان. ماذا أقول لجيل أنا منه، وهي عاشت فيه ورافقناها معه بكل تفاصيل حياتها وأغنياتها ومسرحياتها وأفلامها، وضحكتها التي تشبه الشمس؟ ماذا أقول لجيل عرفها غنى معها "عاشقة وغلبانة والنبي" و"ساعات ساعات" و"يا دلع يا دلع" التي كانت تلتقطها سمعي حين يهدأ الرصاص وصوت القذائف في الأسواق يصمت ليقول البعض (أي والله يا صباح خلينا نفرح بصوتك شوي وننسى الموت)، فهل جعلتنا في يوم وداعها أن ننسى الموت؟
ذكريات تولد فجأة، وفي الحواس نكهة الأصوات التي ترتبط بتفاصيل لا تُنسى. رحلت جدتي وتركت لي علبتها السوداء المرصعة بالخرز الأزرق، وهو صامت منذ رحيلها، لأننا في انشغالاتنا الحياتية تنام الذاكرة وتصبح الأشياء مجرد خيالات بعيدة تحتاج لوعي يوقظها، واليوم في عرس لبناني استيقظ وعي ذاكرتي على أول يوم سمعتها فيه من راديو، وضعته على طاولة معتبرًا إياه من تراث الزمن الجميل، والذكريات مع جدتي التي لم تر مطربة لبنان "صباح" لكن سمعت صوتها. اليوم أحسست أن الراديو عاد له الصوت الذهبي مجددًا، ودبت فيه الروح التي غادرته مذ غادرت جدتي الحياة، برمت زره القديم الذي كان يزعجني لأنه يتسبب بإسكاته، وبعد عدة محاولات متكررة في تصليحه عاد للكلام وللغناء، ولكن هذه المرة سمعت أغنياتها والعين تكفكف دمعها، لترتسم الفرحة على القلب الحزين في عرس الصبوحة شحرورة لبنان وأرزتها الفنية.
Doha El Mol
dohamol67@gmail.com