منادة تشكيلية تئن بوجع الإنسانية...

ضحى عبدالرؤوف المل

تحتشد المشاعر الإنسانية في لوحات الفنان "عمر مالفا" (Omar Malva) الباحث عن قضاياه المرتبطة بالظلم والاستبداد، وبإصابة الإنسان بنكسات حياتية تقيده وهو المخلوق حرًا. كما الألوان التي تشتعل إيحائيًا بثورة نفسية تتأثر بها ريشته في لوحاته الأخرى. إلا أن الخطوط المحفورة بوجع في لوحاته تحاكي الحس الوجداني عبر تفاصيل صغيرة نراها أحيانًا كخربشات دقيقة، وأحيانًا كخطوط عريضة واضحة وما بين هذا وذاك! نلمس مناداة تشكيلية تئن بوجع الإنسانية وتعبيراتها الدلالية في الصراعات المؤدية إلى اختفاء اللون، وأحيانًا أخرى إلى اشتعاله سينوغرافيًا. إلا أن المرارة الإنسانية هي ميزة لوحاته التي ترسم الإنسان جسدًا مقيدًا خاليًا من الألوان، وتجريدي النزعة التعبيرية الفاقدة لروح الحياة والنابضة بالمعاني الفنية.

نظرة فنية تشكيلية ذاتية ينطلق منها الفنان "عمر مالفا" للتعبير عن جماعات تتعرض حقوقها الإنسانية لانتهاكات تجعلها معلقة كخفافيش ليل أو شاحبة كأموات تبحث عن الحياة التي تعيد لها لونها الإنساني، وضمن معايير فنية نسبية يراعي فيها الظل والضوء، والعتمة المخففة. لتبدو كلوحة تنازع في احتضار شعب محاصر بصمت الألوان الأخرى أو برمزية المعنى لشعوب صامتة عما تراه من ظلم موجه لفئة رازحة تحت هدر حقوقي يشكل تحفيزًا لها للبقاء، والسعي لإبراز قيمة الإنسان القادر على تحقيق ذاتية تنطلق من داخله، وبشحنة تعبيرية تخترق حواس المتلقي، وتؤثر في معاني البؤس الإنساني الصادر من خطوط وألوان قوية، ومكثفة في بعضها ومتوازنة مع الفراغ المشحون دراميًا. لخلق تأثيرات حسية وفضاءات تراجيدية تخفق بالمعاناة النفسية، المستغربة من ريشة واثقة بحركاتها وإيقاعاتها، وتضادها وانسجامها، وصراعاتها اللونية ذات المستوى الوجودي الرافض للعدم ولتحديد مصير الإنسان، والتلاعب المصيري الذي يزيد من ملامح الوجه والبصمات قوة في تعبيرات ذات جمالية نفسية تؤدي إلى دمج المضمون والأسلوب في لوحة هي الإنسان نفسه.

تنتمي الخطوط المتعرجة والخربشات الدقيقة جدًا في أعمال الفنان "عمر مالفا" إلى الذاكرة، وتكوين بصمة فنية أسسها قوة الإنسان في الدفاع عن ذاته أو بالأحرى وجوده المقاوم للصراعات النفسية التي يتعرض لها، ولانتهاكات مجتمعه البائس، من منظور رسم احترافي مرتبط بالمجتمع الإنساني، ومتناقض معه في آن. إذ يهتم بالخطوط واتجاهاتها ومساراتها تاركًا لوجودها معاني جمالية، كأنها تحدد مصير الإنسان المعذب اجتماعيًا والمعنف من قهر متعلق بوضعه الحياتي، فالانتماءات الأساسية للون هي فقدان حيويته في وجه الإنسان الذي يرسمه ممزوجًا بالتعاسة والحزن، وبانفعالات ذات ملامح يمدها تجريديًا وتعبيريًا. لتصبح كتلة متناقضات ذات معاني محبوكة بالنسيج الإنساني ووجوده المظلم أو المشتعل بالثورات، فهو إما مشتعل بالرفض أو خافت بالتعبير المدافع عن حق الإنسان في الحرية.

أبعاد فنية يتخذ منها الفنان "عمر مالفا" تعبيرات بصرية هي محور لوحاته المتوافقة مع المضمون، وبأسلوب ذي قيم إنسانية تتخذ من الألوان الباردة عدة معاني، وخصائص تعتني بجمالية الموضوع، وذاتية الشكل وتوحيده مع هدر بمشاعره المكبوتة، الخاضعة والاتباعية، الرافضة للذل، ولتحقير الإنسان مهما كانت مستوياته، الاجتماعية أو المذهبية أو الدينية، حيث يتخذ الجسد بعدًا محوريًا في أهدافه التشكيلية، ومساراته الإنسانية المرسومة بتنوع نفسي يشدد من خلاله على سيكولوجية المجتمعات الراضخة للقيود المؤثرة على الإنسان، وألوانه الاجتماعية الباردة أو الباهتة، والخالية من معاني الحياة، ولكنها تتصف بجمالية المعايير البصرية المدركة للمقاييس واتجاهاتها الفنية، والأمن النفسي الحافظ للإنسان من الخوف والقهر ومن سياسات قمع الحريات والقيود المفروضة عليه.

تتكاثر الخطوط وتتضح التفاصيل، وكأنه ينحت الإنسان على قماش أشبه بحجر بركاني أو ترابي اللون، حيث تظهر الملامح وفق أبعاد جمالية ينفرد بها الإنسان في لوحاته. إن تلك التي يسبغها بسينوغرافيا تجريدية أو تلك الخالية من خلفيات هي جزء من لغته الصامتة، والمتروكة تعبيريًا بخطوطها الفراغية ذات تباين منسجم مع الكتلة المرسومة بمختلف أوجهها ومعانيها، وديناميكيتها المؤثرة من حيث التفاوت في الخطوط ومداها المحصور بين قيمة الإنسان ومعاناته في المجتمعات الفقيرة والتي يرمز لها بالألوان الباهتة أو الدخانية في تشكلاتها الفاقدة لقدرة السيطرة على الوجود الإنساني بكل معانيه الحياتية.

تتربص ريشة الفنان "عمر مالفا" بحركة أنامله المرتبطة نفسيًا بذاتيته المتوجعة، والمتصفة تراجيديا بعد ملحمي يجسد إيقاعات النفس الفاقدة للسيطرة على وجودها الإنساني بكل معانيه. إذ تبدو لوحاته مترجمة للظلم بأبعادها السيكولوجية فنيًا، وبحرفيتها في رسم نحتي يصقله بصريًا بتوازن لا اضطراب فيه، وثقة لا خوف فيها حاملة رسالة للإنسانية، ولشعب مقيد بمادية وحسية صارخة بثقل اجتماعي وحياتي. إذ تتضمن العين وبصمة الجسد الكثير من المحاكاة الفنية والتحليلات النفسية، وبإصرار ملحمي يتجرأ من خلاله إظهار واقع الإنسان بكل تجلياته المضمونية والأسلوبية وبجمالية تشكيلية يسلط الضوء من خلالها على الذات أو بمعنى آخر على الإنسان المقهور.

برؤية أخرى تتناول أعمال الفنان "عمر مالفا" قضايا إنسانية عميقة تتمحور حول الظلم والاستبداد والمعاناة. تتجلى هذه المواضيع من خلال تجسيد شخصيات مقيدة، تعكس الصراع الداخلي والخارجي الذي يعيشه الإنسان. يُظهر الفنان كيف أن الظلم الاجتماعي والنفسي يمكن أن يحول الأفراد إلى كائنات بلا لون، مما يعكس فقدان الهوية الإنسانية.

تعكس اللوحات حالة نفسية متأزمة، حيث تظهر الألوان والأشكال تعبيرات من الألم والمعاناة. يُشعر المتلقي بعمق الشعور بالعزلة والخوف، حيث أن التفاصيل الدقيقة والخطوط المتعرجة تشير إلى توتر نفسي وصراع داخلي. تعبر اللوحات عن إحساس بالاحتباس، مما يخلق تواصلًا حميميًا مع المتلقي الذي يمكن أن يتعاطف مع هذه المشاعر.

تُظهر الألوان المستخدمة، سواء كانت باهتة أو قوية، تنوعًا في العواطف. الألوان الباردة تعكس مشاعر القلق والحزن، بينما الألوان الأكثر حيوية تشير إلى الأمل أو المقاومة. التباين بين الألوان والخطوط يخلق حالة من الاضطراب البصري، مما يعكس تناقضات الحياة البشرية.

يتميز العمل بتنوع إيقاعه البصري، حيث تتداخل الخطوط بشكل يخلق حركة وديناميكية في اللوحة. كل خط يتبع الآخر بشكل ينم عن التوتر، مما يعكس صراعات الوجود. استخدام الخطوط المتعرجة والخربشات الدقيقة يعطي انطباعًا بوجود حياة مستمرة، حتى في أكثر اللحظات ألمًا. هذا الإيقاع يساهم في تحريك المشاعر لدى المتلقي، مما يجعله يشعر بالاندماج في التجربة الفنية.

تُحفز الأعمال تفاعل المتلقي بشكل عميق، حيث يجبره التوتر والاضطراب البصري على التفكير في قضايا الظلم والمعاناة. تتجاوز الرسالة الجمالية مجرد العرض الفني، لتصبح دعوة للتأمل والتفكير في الإنسانية ومكانها في عالم مليء بالتحديات.

تجمع أعمال "عمر مالفا" بين الإبداع الفني والعمق النفسي، حيث تتيح للمتلقي فرصة للتفاعل مع قضايا إنسانية معقدة من خلال منظور بصري متجدد. تعكس الألوان والخطوط في لوحاته رحلة النفس الإنسانية في مواجهة الظلم، مما يخلق تأثيرًا جماليًا وتعبيريًا عميقًا.

Doha El Mol

dohamol67@gmail.com