إشكالية درامية في رؤية إنسانية عميقة سينمائياً

ضحى عبدالرؤوف المل - لبنان

فيلم "انفصال"

يطرح الفيلم الإيراني "انفصال" موضوع الهجرة وقرارها الصعب الذي يؤدي إلى الانفصال بين الزوجين بسبب الارتباط العائلي الواسع، أو بالأحرى القيم العربية في إجلال الأم أو الأب، واحترامهما مهما كانت الظروف. وهذا ما يناقشه الفيلم، إضافة إلى اجتماعات ثانوية هي من بديهيات الحياة المغلفة بالمعاناة، وبموضوعية الإنسان وصراعه مع الذات والآخر ضمن منطق التعايش الأسري. وهذا يشكل نوعاً من التكامل الدرامي بموازاة عائلة أخرى تعاني من الفقر وسوء أخلاق الزوج. لامرأة يضعها القدر أمام نادر الذي دفعها بقوة لتقع على الدرج بعد أن أخطأت بحق والده المصاب بالزهايمر. لتتعقد الأحداث بتشابك يصيب المتفرج بحيرة كبرى. إذ يجعل "أصغر فرهادي" من حركة الكاميرا بما يشبه العين الثالثة المشتركة بين المتلقي والفيلم، وكأنها تتنقل ضمن ما يريد الجمهور حتى في الأحياء والمحكمة، واظهار واقعها المأزوم اجتماعياً، وكما يجب أن تكون عين العدسة في تصويرها الحركي المتقن في الاتساع وضمن كادر الصورة الذي لا ينسى أدق تفاصيل النص الدرامي المحبوك بدقة متناهية.

ما بين الإخراج والسيناريو فروقات تكاد لا تختلف فيما بينها، وهذا ما جمعه المخرج "أصغر فرهادي" في رؤيته الكلية للفيلم حيث أتقن الحوارات. كما أتقن البداية والنهاية معتمداً على الكاميرا في إظهار الحكم على الزوجين، وفي قرار يضع المتلقي في وسط المشكلة، والتقييم الفكري للحكم الذي بدأ به الفيلم، ويقضي بعدم سفر البنت دون إذن والدها إلى أمريكا، وهذا يشكل انعكاساً مؤثراً على البنت بحيث تكون النقطة الجامعة والفاصلة كما هي حال الأب المتمسك بنادر أو الفنان "بيمان معادي" والخائف عليه. كما يخاف على ابنته، وهو المحب لزوجته التي لا يمتلك فن محاكاتها بقلب شغوف، ليداعب عاطفتها الأنثوية بجفاف لم تتقبله، وهي التي تريد الهجرة بعد أن تمت الموافقة عليها. إلا أن "سيمين" أو الفنانة "ليلى حاتمي" تقف بجانبه وتساعده في محنته التي وقع فيها عن دون قصد معتبرة أنه من حقها وحق ابنتها الرحيل إلى أن يقضي الله أمراً كان مفعولاً.

تدقيق ضوئي من عدسة تصويرية تهتم بتفاصيل المشهد طبيعي، كأن الأسلوب السلس والمنساب ضوئياً بتباينات لامست الواقع وهو العنصر التفاعلي الذي استطاع من خلاله المصور السينمائي "محمود كالاري" محاكاة البصر. لفهم عمق المشكلة بقوة العين الثالثة المفتوحة على علامات تعجب تثير المتفرج، وتتركه في دهشة ذهنية يسترجع من خلالها لقطات الكاميرا، محاولاً إعادة ربط الأحداث بحادثة المرأة التي تصاب بالإجهاض، والخائفة على مشاعر زوجها العاطل عن العمل من اكتشافه أنها كانت تقوم برعاية رجل مسن في بيت يجمعها معه فقط، وفي هذا نوع من مشكلة دينية جعلتها تستشير هاتفياً مختصاً تشريعياً، لتتطمئن أن خدمة هذا الرجل المصاب بالزهايمر تجوز شرعاً أو مقبولة دينياً.

موسيقى تصويرية أكملت دورها في التعبير الإيقاعي عن قوة المشهد ومعانيه للموسيقي "ستار أوركي" ذات الصياغة المتناسقة التي لعبت دوراً مهماً في التأثير على الانفعالات المشتركة، والمترجمة للحدث، والغموض، والانفراج، والغضب، في مهمة إخراجية صوتية اهتمت بالشكل التصويري المتوائم مع الموسيقى، لتكتمل أدوات الإخراج، وبانصهار فني ذي ملامح متلاحمة يثبات سهل ممتنع ومعزز سيكولوجياً، بما يؤثر وتؤثر به المشاعر الإنسانية المتابعة لأحداث الفيلم عبر المشهد وموسيقاه. الهروب من المشكلات بإخفاء الحقائق، وبتشابه يجمع الخادمة ونادر. هي خوفاً من فقدان زوجها وابنتها بعد أن فقدت جنينها، وهو من فقدان ابنته بعد أن فقد زوجته، وبحس تراجيدي يؤلم كليهما ليرضخا للواقع في نهاية الأمر ويستسلما للقدر الذي لم نفهم كيف جمع بين هؤلاء وبسرد دراماتيكي متعدد الآراء ومختلف باتجاهاته المفاهيمية والنفسية، إن في اليأس والإحباط أو بالفرح والأمل، وبمأساة سببها الالتزامات العائلية التي لا يمكن الفكاك أو الهروب منها والنابعة من قلب الإنسانية.

توترات متلاحقة ومشكلات تتعارض مع الحلول المختلفة والمطروحة ضمن تعقيدات تتوالى بين الأطراف الاجتماعية المتنازعة في الفيلم، بعضها في تحقيق العدل وبعضها في انتزاعه بدون مبرر ودون خوف من عذاب الضمير التي تصاب به "ماريلا زارعي"، الخادمة المحتارة بين قول الحقيقة وبين الخوف من نتائجها، فالتعاطف بين الشخصيات من قبل المشاهد يخلق تناقضات تستفزه. ليجمع الخيوط من خلال التصوير وملاحقة الكاميرا بصرياً محاولاً فهم أين البدايات وأين النهايات للمشاكل التي تتابعت، وكيف ستكون الحلول مرضية للجميع. إذ لا بد في النهاية من رابح وخاسر، فهذا قانون الحياة المتميز بالمشاهد اليائسة من الحلول المستحيلة، خصوصاً في إظهار هوة التفاوت في المفاهيم الاجتماعية والإنسانية، فمن يستطيع التخلي عن والده وهو المصاب بخرف شيخوخة الكبر؟

سؤال يطرحه المشاهد على نفسه: ماذا سيفعل نادر؟ وكيف ستصرف بعد أن أحست ابنته أنه كان يدرك أن الخادمة حامل، ومع هذا حاول دفعها لتخرج من المنزل بقوة بعد أن غضب بشدة لما تسببت به لوالده. فما بين الأب والبنت، من هما الأقوى عاطفياً، ومن الذي يحتاج أن يتنازل عنه نادر لتحل مشكلاته الأسرية؟ وهل نحن نتوافق اجتماعياً وأسرياً في قراراتنا وأولوياتنا في الدرجة الأولى بما يخص الأسرة بشكل عام؟ إلا أن الزوجة لا تنسى برغم كل هذه المشكلات التي تعرض لها والد ابنتها من قرار الهجرة لأمريكا ونتائجها المؤثرة عليه وعلى والده وابنته. ومع ذلك يشعر المشاهد بالتعاطف معها حين نرى صعوبة الموقف وتعقيداته وسلبياته وإيجابياته، وقدرة المخرج على الإمساك بالخيوط التأليفية والإخراجية، وببراعة واقعية تنقلنا إلى قلب الحياة الذي يئن بالعديد من الهموم التي حملها "أصغر فرهادي" ووضعها أمام الجمهور بحبكة واقعية، وكما هي، ليتشارك معه المشاهد وبمنطق التحاور السينمائي المرن تصويرياً وموسيقياً وإخراجياً، والبارع تمثيلياً.

فيلم من بطولة "ليلى حاتمي"، بيمان معادي، شهاب حسيني، سارة بيات، سارينا فرهادي، تأليف وإخراج أصغر فرهادي، وبمدة كانت كافية لتشابك التفاصيل الحياتية غير المتوقعة في نسيجها الاجتماعي المحير مع بعضها البعض، بحيث جمع المؤلف بين عائلتين متناقضتين في التضحيات ما بين الرجل الخائف على أبيه وابنته، وبين المرأة الخائفة على زوجها ومصير ابنتها وجنينها، وتعدد وجهات النظر بين الجمهور ما بين مؤيد ومعارض وبمدة تخدم الفيلم دون إسفاف أو زيادات، بحيث لا يمكننا اختزال مشهد أو إضافة مشهد آخر.

برؤية أخرى فيلم "انفصال" للمخرج الإيراني أصغر فرهادي يعد تجربة سينمائية غنية تتناول قضايا إنسانية معقدة تتعلق بالهوية، الأسرة، والالتزامات الاجتماعية. ينطلق الفيلم من فكرة الهجرة وتأثيرها على العلاقات الأسرية، مستعرضاً صراعات داخلية وخارجية تتجلى من خلال شخصياته المتنوعة.

يتميز الفيلم ببناء درامي متين يعتمد على التوترات النفسية والعاطفية التي تواجه الشخصيات. تبدأ القصة بتصاعد التوتر بين الزوجين نادر وسيمين، وتستمر الأحداث في تعقيد العلاقات نتيجة لظروفهما الأسرية والاجتماعية. استخدام الحوار المباشر والحوارات المتعددة بين الشخصيات يساهم في تطوير الأحداث بشكل متقن، مما يعكس تنوع وجهات النظر ويجعل المشاهد متعاطفاً مع كل شخصية.

أصغر فرهادي يثبت مهارته كإخراجي في استخدام الكاميرا، حيث تتنقل بلطف بين المشاهد، مما يعكس مشاعر الشخصيات ويتعمق في حالاتهم النفسية. تتسم الحركة في الفيلم بالبساطة، لكنها فعالة، مع التركيز على التفاصيل الدقيقة، مما يعزز شعور القرب من الشخصيات. كما أن استخدام الزوايا المتعددة والإضاءة المناسبة يعكس التوترات الموجودة داخل المشهد، ويساعد في بناء أجواء من الدراما.

تتضمن العناصر الفنية الأخرى في الفيلم استخدام الموسيقى التصويرية التي تضيف عمقاً للمشاعر، مما يعزز التجربة الانفعالية للمشاهد. الموسيقى المستخدمة تتناغم مع الإيقاع الدرامي وتساهم في تشكيل أجواء مشحونة أو هادئة حسب الموقف. كما أن الديكور والتصميم الداخلي يعكسان الواقع الاجتماعي للشخصيات، مما يجعل الأحداث أكثر مصداقية.

الجماليات في "انفصال" لا تقتصر على التصوير السينمائي فحسب، بل تتعداها إلى اللغة البصرية التي تبرز الصراعات الإنسانية. الضوء والظل يلعبان دوراً هاماً في تشكيل الصورة، حيث يُستخدمان لتسليط الضوء على المشاعر المخفية. اللحظات الصامتة تحمل دلالات عميقة، مما يمنح المشاهد فرصة للتفكير والتأمل في الموضوعات المعقدة التي يتناولها الفيلم.

في قلب الفيلم، توجد قضايا إنسانية ملحة تتعلق بالالتزامات الأسرية، الهوية، وحقوق المرأة. تصوّر الشخصيات المختلفة تعقيدات الحياة اليومية، مما يعكس الواقع الاجتماعي والسياسي الذي تعيشه العائلات في السياق الإيراني. قدرة فرهادي على تقديم هذه القضايا بشكل متوازن وموضوعي تمنح الفيلم عمقاً وقوة، مما يجعله تجربة غنية تتجاوز حدود الثقافات.

فيلم "انفصال" هو عمل فني يتجاوز البعد الترفيهي، ليصبح دراسة عميقة للإنسان وتجربته. من خلال البناء الدرامي المتقن والرؤية الإخراجية الفريدة، يتمكن فرهادي من تقديم قصة تتحدث عن الصراعات الإنسانية بطريقة مؤثرة وملهمة. إن قدرتها على إثارة التساؤلات حول الأسرة، الهوية، والواجبات الاجتماعية يجعلها تجربة سينمائية لا تُنسى، تترك أثراً عميقاً في نفوس المشاهدين.

Doha El Mol

dohamol67@gmail.com