رؤية فنية ديناميكية تتميز تجريدياً بالباطن الإنساني...
ضحى عبدالرؤوف المل
تلاعبت "سيمي كاديز" (SIMY YNDIRA CÁDIZ TORREALBA) بالظل اللوني بتقنية تشكيلية ذات تجريد سريالي معاصر، تختلط فيه التعابير الغامضة والمخيّلة الغنية بالخطوط التعبيرية اللينة، وفق هندسة طبيعية للإنسان تلتقط من خلالها الضوء ومعايير اللون، لتمزجهما عبر رؤية فنية ديناميكية تتميز تجريدياً بالباطن الإنساني وهواجسه النفسية، أو بالأحرى العقل اللاوعي وسمات الإنسان الباطنية والخارجية، المتحرّر من القيود المادية والملجأ إلى الألوان الداخلية التي تمنحه القدرة على استنباط سريالية التفكير العميق، المندمج مع السرد اللوني الذي تمنحه "سيمي كاديز" العفوية والبساطة والرؤية المعاصرة فنياً، وبحس تعبيري يميل بصرياً نحو الإنسان، وبنسبية تعادلها مع مفهومها الهندسي المرتبط بمعادلات الألوان الباردة والحارة، وبمزج درامي يثير الحس الوجداني عند المتلقي، وكأنها تكتب قصيدة بلون بارد يتناقض مع ذاته بموضوعية تراجيدية متعلقة بالعقل الباطن للإنسان ورؤاه الطبيعية والفنية.
تثري الفنانة "سيمي كاديز" جوانب لوحاتها بالضوء وأبعاده المتناقضة مع الظل المتداخل في رسوماتها الحركية ضوئياً، للإبقاء على جوهر المعنى داخل الشكل والمضمون، وبإلهام تعبيري متحرر من قيود ريشة هندسية تميل نحو المشاعر الإنسانية ومفاهيمها ذات الومضات الإنسانية الغارقة بطبقات شفافة وكثيفة، وبرودة وحرارة أحادية أحياناً، وثلاثية أحياناً أخرى، إلى أن في أبعاد اللون نغمة موسيقية معاصرة تؤلّف منها روحانية اللون وتجلياته المنطقية، معتمدة على الحوار الداخلي لبناء الشكل، وضمن حوارات قصيرة المدى ترتقي مع الظل وتنفصل عنه، لتمارس من خلال اللون والشكل روحانية تشكيلية تتذبذب فيها تعاريج الخطوط، واحتكاكاتها المصحوبة بحيوية الضوء والظل، وبالألوان الداكنة والفاتحة، والباردة والحارة المنسجمة مع معايير الشكل الإنساني، وقواه الظاهرة والباطنة، عاكسة انفعالاتها على الحركة والضوء معاً، ومحتفظة بمقاييس هندسية حسية تستكشف من خلالها قوة التجريد، والسينوغرافية في التعبير الفجائي مع السريالية الفارضة نفسها على أسلوب مخضب بمفاهيم جمالية معاصرة.
عوالم ذاتية تمتزج مع الصياغة اللونية التي تحبكها "سيمي كاديز" عبر ثنايا الشكل وانعكاساته المتنوعة مع الإيقاعات الحركية المتشابهة، والمتوازنة مع خصوصية التعبير وسيمترية الخطوط المتوارية خيالياً، والحالمة بضوابط جمالية تنقلها إلى الواقع المستحيل المبني على رموز لاواعية في انحناءاتها وارتجالاتها الحسية المرتبطة بالعاطفة والعقل، واللون والخط، والظل والضوء، والشكل والمضمون، وبتأملات تستجيب لها الألوان اللاشكلية المتأثرة بالمشاعر والعواطف والانفعالات، وفق مؤثرات بصرية وتماثل وتناظر لفكرة جمالية منحتها سيمي الخيال التأملي والملامح الرياضية المنعكسة بين الاتجاهات والأطر الفراغية المشحونة بفواصل وموتيفات، جسدتها بأنطولوجيا اللون الأبيض ومفاهيمه، وانعكاساته على الأسود متناسية الألوان الأخرى المتقاطعة مع شحنات اللونين السلبية والإيجابية والضوئية المندفعة حركياً نحو فوراق اللون وطوله الموجي، وبتوافق جمالي مبني على التكوينات الهندسية الإيحائية الممتعة وجدانياً للمتلقي، وبتخيلات تترجم واقع الإنسان الهارب من ذاته إلى ظله، مؤكدة على قوة الحياة وجمالها وتمسكها بها من خلال قوة الظل في رسوماتها ولغتها الجمالية الخاصة تشكيلياً.
تفتح "سيمي كاديز" مساحات لوحاتها للفراغ، لتطلق العنان لخيال الرائي كي يجسد انفعالاته الإيحائية مع حركة اللون النابض باللاوعي، وبعبثية ذات منظومة تأملية عميقة في مضامينها المعاصرة اللامتناهية بصرياً، والهائمة مع الإنسان والألوان، وبمزاجية اللحظة الانفعالية التي تكونت منها اللوحة العابقة بموضوعيتها ونزعتها السريالية، الملامسة حسياً لطبيعة التجريد التلقائي في ديناميكية الألوان وتموجاتها، وتناقضاتها وعناصرها الضوئية المتباينة، وبعفوية تنتزع منها النظم الجامدة في الهندسة الفنية، لتضفي على تعابيرها خاصية ذات معالجات توحي من خلالها بتماسك المضمون والشكل، وبنفس تتحرر مع الأشكال داخل الألوان وخطوطها المستقلة والمتقاطعة، بتواترات تستقيم وتتعرج وتنحني وتتماوج بتراقص حركي يغوص البصر في أغواره وعمق معانيه المتفاعلة مع الشفافية الغارقة برومانسية تتباين ظلالها النفسية من خلال الألوان والفراغات التي تتسع مع الضوء.
تغرق لوحات الفنانة "سيمي كاديز" بمسطحات تتفاوت فيها الانعكاسات اللونية الساكنة والمتحركة، وبحس معنوي ذي انطباعات فنية متعددة عارمة بجزئيات تتيح للخيال خلق رسوماته ذات الطابع النفسي، المتوافق مع أشكالها وألوانها المتآلفة والمتنافرة في موسيقاها وتكويناتها، وعلاقاتها السريالية المتجردة من الواقع، وبتجريد يتميز بالبساطة والجوانب العميقة ذات المستويات البصرية التي تساير وعي اللون الأسود وإشراقة الأزرق المفاجئ، والأبيض المسيطر على توزيع الضوء مع الألوان الأخرى. إذ تؤكد على العقل والعاطفة في تكوين لحظة جمالية تختلط مع المساحات وقوة الحضور للألوان فيها، حيث الفضاءات الممتلئة بشحنات رؤية إيجابية حركية ثلاثية للألوان، يوقظها الأسود بوعيه وبارتباطه بامتصاص الضوء وفيزيائية الرؤية التخيلية الناجمة من كينونة الطبيعة الإنسانية التي تستحوذ على الفكر التحليلي، وبمنطق الجمال ونسبيته المختلفة بين الأشياء، أو بالأحرى بين الخطوط والألوان والضوء والظل، فهذه المفاهيم الفنية تتمسك بها "سيمي كاديز" بتسامي هندسي هربت منه نحو المعاني الأخرى في الفن. إلا أنه ملموس في لوحاتها رغم بعدها عنه، حيث تستحوذ كل لوحة على مسارات بصرية خاصة.
برؤية أخرى تتألق الأعمال الفنية، خاصة تلك التي تعكس رؤى مثل رؤية "سيمي كاديز"، من خلال إيقاع بصري يربط بين الألوان والأشكال والمشاعر. يمثل هذا الإيقاع تجسيدًا لعواطف الإنسان، حيث تتداخل الفكرة الفنية مع التجربة النفسية لتعكس الحالة الإنسانية في تجلياتها المختلفة.
الإيقاع البصري يُشبه نبض الحياة، حيث تتناغم الألوان والظلال لتعكس تفاعلات داخلية وخارجية. في لوحات "سيمي كاديز"، نجد أن الإيقاع يبرز من خلال:
تنوع الألوان: الألوان الحارة والباردة تتداخل بشكل يثير التوتر والهدوء في آن واحد. يُستخدم اللون الأحمر للدلالة على العاطفة، بينما الأزرق يضفي إحساسًا بالسلام والهدوء.
التباين والامتزاج: هناك تباين واضح بين الأشكال الهندسية الحرة والخطوط العضوية، مما يخلق حوارًا بصريًا، وينعكس في التوتر النفسي والانسجام. تعبر أعمال "سيمي كاديز" عن عمق التجربة الإنسانية، حيث تتداخل الهواجس النفسية مع المعاني الجمالي
الشعور بالتحرر: تعكس الألوان المشرقة والشكلان العضويان شعورًا بالتحرر من القيود الاجتماعية. كما أن عدم التوازن في التركيب يُظهر الصراع الداخلي.
السريالية: تمزج بين الوعي واللاوعي، مما يجعل المتلقي ينغمس في حالة من التأمل والخيال، مما يعكس الأبعاد النفسية للفنانة وتجاربها.
تتميز الأعمال بمزيج من العناصر الجمالية التي تخلق تجربة بصرية فريدة:
التكرار والتنوع: تكرار الأشكال والألوان يُسهم في خلق إيقاع مُتناسب، مما يمنح المتلقي فرصة للاستغراق في التفاصيل.
الخطوط والتعابير: الخطوط اللينة تعكس مشاعر إنسانية متناقضة، حيث تُعبّر عن الرغبة، الألم، والأمل.
في النهاية، تمثل أعمال "سيمي كاديز" دراسة في النفس البشرية من خلال إيقاع بصري ينقل المشاعر والأفكار بعمق. تدمج الفنانة بين الجوانب الجمالية والفنية لتُخلق تجربة فريدة تجمع بين التأمل والاستجابة الانفعالية. إن هذا الحوار بين الشكل والمضمون، بين الإيقاع والتعبير، يجسد حالة إنسانية تنبض بالحياة، مما يجعل أعمالها تتجاوز حدود الفن لتصل إلى أعماق النفس البشرية.
Doha El Mol
dohamol67@gmail.com