جشع تنغمس النفس في خطاياه
في الفيلم القصير "الثقب الأسود" (The Black Hole)
بيروت - ضحى عبدالرؤوف المل
يتخطى مخرج وكاتب فيلم "الثقب الأسود" (The Black Hole) حدود الواقع، إذ يبلغ التحايل الإخراجي أقصاه من خلال الصورة التي تخدم الموضوع من حيث جمالية تنفيذ الفكرة سينمائيًا. فالمرور داخل الثقب الأسود الذي ارتسم على الورقة في مشهد درامي مؤثر في النفس، يظهر النزعة المادية للإنسان التي بدأت بالطعام حين وضع الثقب الأسود على براد الشوكولا أو العصائر، ليأخذ ما يستهويه ولم يشتريه سابقًا، ليأكله وهو الذي بقي حتى ساعات متأخرة في العمل. إذ يكتشف فجأة هذا الثقب الذي يسمح له بالمرور عبر الجدران أو عبر أي شيء مغلق، ليأخذ منه ما يشاء دون حواجز تذكر. خصوصًا أنه ما زال يعمل وهو تحت تأثير التعب الذهني والجسدي. فهل يحاول المخرج وكاتب القصة في هذا الفيلم القصير إظهار جشع الإنسان والطمع المادي الذي لا يظهر عند الإنسان إلا عندما يوجد ما يحفزه للظهور؟
في المشاهد الدراماتيكية، يظهر الإنسان المتعب من روتين يومه العملي، والبقاء حتى ساعات متأخرة من الليل في مكتب لم يغادره بطل الفيلم إلا ليدخل الخزنة التي دخل إليها في نفق نفسه الجشعة، ولم يخرج منها لأن "الثقب الأسود" المرسوم على الورقة الأسطورية قد وقع على الأرض، وبالتالي فقدان أمل خروجه من الخزنة التي لم يأخذ منها ما يكفيه، بل! حاول الدخول ليأخذ كل شيء منها دون التفكير بعواقب الأمور وهو المتعب، بل المنهك. فالمخرج يعتمد على الشكل للتعبير عن التفاصيل الدرامية في الفيلم، لأن الفيلم صامت، والمحاكاة فيه للموسيقى التي استطاعت وضع المشاهد ضمن المشهد، والبؤرة الحركية السمعية، لتحفيز الحواس والقدرة على استنفار استعداداتها الخاصة القادرة التي جعلته يبدأ بشيء يأكله. وهذا منطقي للاستعداد في الدخول إلى المشهد بمتابعة دقيقة، بل! وبدهشة تضعنا أمام أنفسنا التي تسعى إلى التخلص من التعب والعمل من خلال الوصول إلى المادة. ربما! بلحظة حلم أو تمني لا تقودنا إلى شيء، إنما ترهق الإنسان الساعي إلى الرفاهية أكثر.
تصوير ضوئي ضمن معايير معتمة، يوحي بالوقت المتأخر أو الليل. إلا أن الألوان القاتمة بين الأبيض والأسود والرمادي منحت الفيلم درامية تزيد من قوة الانتباه والملاحظة، برغم أنها زادت قليلاً عن معايير المدة الزمنية. إذ رافقت الإضاءة الليلية المعتمة الفيلم بكامله من حيث أهمية الوقت المتأخر فيه، وبقاء الرجل في المكتب لوحده. لكن من المثير للذهن أنه لم يأخذ إلا قطعة واحدة من الشوكولا حين استكشف أهمية الثقب الأسود، بينما عندما بدأ بأخذ المال من الخزنة لم يتوقف، بل! دخل ليأخذ ما تبقى، وهنا وقعت الكارثة حيث بقي داخل الخزنة لأن الورقة المرسوم عليها الثقب الأسود وقعت، ولن يستطيع الخروج، وفي هذا كابوس ليلي، ربما! يصحو منه صباحًا عندما ينطلق بروتين عمل جديد. لأن الموسيقى المرافقة للمشاهد تقترب من التأثيرات السمعية الموسيقية المؤثرة على الذهن عند المتلقي، كما أنها تدفعه إلى الاهتمام بمجريات الأحداث التي يتيقظ لها حسياً وعقليًا. لأنها تلامس النفس الإنسانية وتطلعاتها المادية بحثًا عن الراحة في الحياة دون النظر إلى عواقب الأمور التي تؤدي بصاحبها إلى كارثة فعلية، وهذا ما أراده مخرج الفيلم في مدة لا تزيد عن ثلاث دقائق.
طمع أو جشع تنغمس النفس في خطاياه، فتعقيداته تترك الكثير من التساؤلات الاجتماعية والنفسية التي ما زالت حتى يومنا هذا مدار بحث لمواضيع تناقش هذه السلوكيات التي يظهرها فيلم "الثقب الأسود" سينمائيًا بوسائل لا تحتاج للكثير من ديكور ولباس وتصوير وموسيقى وما إلى ذلك. فالمعالجة الدرامية في الفيلم هي تصويرية بالدرجة الأولى، وترتكز على الليل وضمن مكتب واحد مع صوت الأوراق وآلة ضوئية لسحب الصور التي تتسبب برسم بقعة حبر سوداء دائرية، هي بمثابة الثقب أو المدخل إلى سوداوية النفس الميالة إلى خلق مادية نسعى إليها باللاوعي في كل منا حين نمارس ساعات عمل متواصلة ونصاب بالإرهاق، فلا نستطيع التفكير بتوازن يمنعنا من ارتكاب الحماقات واستباحة المال الموجود ضمن مكان العمل، وفي خزنة حديدية تتسع لما تطمح له النفس الأمارة بالسوء.
أسس تعبيرية صامتة انطلق منها مخرج "فيلم الثقب الأسود"، ليترجم القصة ضمن محاكاة بصرية وسمعية جمع خيوطها اللغوية بصريًا. إلا أن بعض الرتابة طرأت على المشاهد جراء الوضع الليلي للفيلم، وفقدان الألوان المنشطة للحس الزمني، وأهميته من حيث مدة الفيلم ومحاكاته المشاهد بتعبيرات قصصية ضمن مدة لا تتخطى الدقائق الثلاث، وفي أقل مساحة تصويرية هي غرفة داخلية تم التصوير فيها، ولكن ببراعة المصور في التوسيع وإسقاط الرؤية في غالبها على ملامح الرجل. وهذا كان له دوره البارز في استكمال المشهد الداخلي ضمن فنتازيا تسلك مداخل النفس الإنسانية وأمنياتها التائهة في دائرية الحياة.
قصة سينمائية صامتة تركزت على فريق عمل حبك الفكرة مع العناصر السينمائية المؤدية دورها في تكوين الفيلم بناءً موضوعيًا، مع تركيز في عدد المشاهد، واختزالها كي لا تصيب المشاهد بالتكرار الهزيل، مع الحفاظ على عامل الوقت الزمني المناسب، ومع الحركة في كل مشهد دون غموض غير مبرر يتسبب به العامل الزمني، لفيلم اعتمد على التصوير والموسيقى كأساس للقصة التعبيرية أو غير المحكية. وهذا ما منح الفكرة في خلق إيحاءات سيميائية تختلف في ترجمتها من مشاهد إلى مشاهد مع الحفاظ على الفكرة العامة، وهي إدخال اليد ضمن الثقب الأسود أو البقعة الحبرية السوداء لأخذ كل ما يرغب به الموظف المتعب من ساعات عمل متواصلة، وفي هذا مزج بين الواقعية والخيال والفنتازيا السينمائية الخفيفة بمدتها الزمنية.
برؤية أخرى يقدم الفيلم "الثقب الأسود" رؤية عميقة لجشع الإنسان وطمعه من خلال استخدام عنصر الفانتازيا. يبرز الصراع الداخلي للبطل الذي يسعى لتحقيق رغباته دون مراعاة العواقب. من خلال الثقب الأسود، يجسد الفيلم الفكرة عن كيفية اندفاع النفس البشرية نحو المادة وكيف يمكن أن يؤدي ذلك إلى الهلاك.
تتجلى الدراما في التصاعد التدريجي للصراع، حيث يبدأ البطل بتصرفات بسيطة في البداية، لكنه سرعان ما يتورط في جشع مفرط. هذا التصاعد يخلق توترًا يجذب المشاهد، حيث يتحول من الاستمتاع بلحظات بسيطة إلى الانغماس في خزي وعواقب لا مفر منها. المشهد الذي يتوقف فيه البطل عن أخذ الشوكولا ليبدأ في سرقة المال يعكس التغير المفاجئ في النفس البشرية.
يتميز الفيلم بأسلوب تصويري جميل يعكس الظلام والغموض. الألوان القاتمة بين الأبيض والأسود تعزز الإحساس بالقلق وتعكس الحالة النفسية للبطل. الإضاءة المعتمة تضفي طابعًا دراميًّا يتيح للمشاهد الانغماس في تجربة البطل، مما يبرز عمق المعاني وراء الأحداث.
يتمثل الأداء التمثيلي للبطل في تجسيد معاناته الداخلية بشكل متميز، حيث يعبّر تعابير وجهه ولغة جسده عن الصراع النفسي. الفيلم صامت، مما يجعل تعبيرات الوجه وحركات الجسم أكثر أهمية. يعتمد المخرج على هذه العناصر لنقل مشاعر القلق والتوتر، مما يجعل المشاهد يشعر بالارتباط الوثيق بالشخصية.
المخرج يستغل كل عنصر بذكاء لنقل الرسالة. استخدام الموسيقى في خلفية الفيلم يخلق حالة من التأمل والتركيز، مما يضيف عمقًا إضافيًا للتجربة. تحريك الكاميرا بشكل متقن يعزز من الإحساس بالحركة داخل عالم الثقب الأسود.
Doha El Mol
dohamol67@gmail.com