الفتى الصغير (Little Boy) وثائقي تاريخي لا يُنسى عن هيروشيما
"قنبلة واحدة فقط غيرت كل شيء"
نظرت "شيكيغو سوساموري" إلى السماء ورأت الطائرة الفضية الجميلة وذيلها الأبيض الطويل، وكانت السماء الزرقاء جميلة، وفي الوقت ذاته رأت شيئًا ما يسقط. لم تدرك شيكيغو أن هذه الطائرة تحمل الموت بفظاعة لمدينتها هيروشيما الجميلة، ولشعب عاش فيه من تبقى من الأحياء كالأموات. بل وربما أسوأ، لأنهم حملوا جراحهم كل سنين عمرهم. فهل من مصداقية كاملة لفيلم وثائقي استطاع فك أسرار الانفجار النووي، وبتوثيقٍ استطاع تغيير مسار التاريخ؟ إذ أطلق فريق "أنولوغاي" القنبلة الذرية بدم بارد دون التأثر بمساوئ اللحظة وهولها، والمؤرخة تاريخيًا في ذاكرة من تبقى، وبالملفات السرية التي ما زال بعضها طي الكتمان.
يجسد الشكل الفني في الفيلم الوثائقي "الفتى الصغير" ما تعنيه الكتلة الحرجة للطاقة المدمرة أو القنبلة الذرية التي عصفت بهيروشيما، بربط تاريخي يروي قصة الحرب والسلام المتواترة عبر مسيرة الحياة، محاولًا طرح القضايا المؤدية إلى إبادة الإنسان والنفس الطاغية المتحكمة بلغة القتل. فتجسيد الواقع عبر حقائق جمعها الفيلم بموضوعية مستقاة من أرشيف تصويري، واهتمام بملفات سرية انكشفت ضمن حدود الفيلم الوثائقي، الذي تطرأ إليه بتقنية وثائقية لعلم أول قنبلة نووية في العالم، وبحس انجذابي غير متحيز لفكرة الحرب التي لا تؤدي إلا للغة الموت والدمار والإبادة الجماعية للإنسان. أغدق الفيلم في الصور والمعلومات مع التركيز على تحليلات منطقية عميقة في طروحاتها السياسية والنفسية والطبية وحتى الحياتية ضمن الاختبارات المؤذية للنفس، ولكنه أيضًا الملتزم بالحياد نوعًا ما، إذ يترك الفيلم انطباعًا أن السلام هو الحياة، وهو بداية لتطلع الإنسان نحو التخلص من الحروب الإرهابية أو الإبادية من حيث خطورتها وانتهاكاتها لحقوق الإنسان.
يقول الناقد البارز "داي فون" عن الفيلم الوثائقي: "الإحساس الداخلي بأنه قابل للتدقيق والتقييم، وأنه على القدر نفسه من المطاوعة والمرونة التي يتسم فيها الفيلم." إن الإحساس بالاسم الذي أطلقه الأمريكيون على القنبلة الذرية التي أبادت تقريبًا "هيروشيما" يوحي بالتلاعب، كما يوحي بالابن الذري القادر على خلق تحديات بدأت بطفل صغير نتعلم منه القدرة التدميرية الهائلة التي يحملها هذا الطفل المليء بالنيوترونات الحارقة والمهلكة للذرع والنسل، أو القنبلة النووية، حيث يبرز الوعي السينمائي الجاد في وثائقي يهدف إلى إلقاء الضوء على حرب اليابان مع الأمريكيين، والتي تسببت بمقتل الكثيرين من الدولتين المتحاربتين بتفكير علمي هدف إلى تدمير بنية الإنسان في بلد تهشمت معالمه بالكامل. بل! وحمل من بقي على قيد الحياة جروحه حتى بعد أن أصبح مادة للبحث العلمي، حيث تتم مراقبة متغيرات كل مصاب تلوثت جيناته بالإشعاع النووي.
قدم "ثيودور باستول" معهد ماساتشوستس التقني عرضًا سينمائيًا وثائقيًا يروي من خلاله ما حدث في السادس من أغسطس عام 1945 بأسلوب عالج فيه القصة الواقعية للقنبلة الذرية على هيروشيما، بصياغة كل معنى بالصوت والصورة والمعلومة المتكاملة سمعًا وبصرًا، وفكرًا تحليليًا يؤدي إلى اكتشاف قوة الذرة أو الحرب النووية، وفاعليتها من حيث الشدة الحرارية للإنسان الذي عصفت فيه بحرارة شديدة الانصهار جراء اختراع فيزيائي لم يقدم إلا الموت للعالم. فعشرات الجثث والمحروقين هي ضمن تدمير البنية الأساسية للإنسان الممزوجة بالأسى. إن الفيلم وضع المتلقي أمام مصداقية واقعية مروية من قبل شهود أحياء استطاع وضعهم المخرج كممثلين نقلوا الصورة بحس اشترك به المشاهد، وبحزن لعبت فيه الصورة دورًا ذهنيًا لتوضيح المعاني، لحرب استسلمت فيها اليابان بعد القنبلة الثانية لا الأولى، معلنة السلام.
تشكيل سينمائي لوقائع دمار فهمنا أهدافه المعرفية الهادفة إلى دفع المشاهد لرؤية بوم تاريخي يلخص ما جرى في السادس من أغسطس عام 1954، وبإخراج اهتم بالحبكة العامة من صورة، وصوت، وموسيقى، وتحليل بصري مؤثر ذهنيًا من حيث المعلومة عن رؤية الانفجار، وكيفية تنفيذ الهجوم على "هيروشيما"، مع التوازن في جمالية التصوير بكافة أبعاده التوضيحية مع الاهتمام بالنسق السمعي، وبتأطير درامي مروي بأسلوب دراماتيكي مثير حسيًا من حيث التجسيد المنطقي والمقنع، ليوم حافل بالموت وبقنبلة عرفنا أسرارها وتركيبتها، وقدرتها على بث الموت في ثوانٍ. فهو بالإضافة إلى السرد المحمل بلغة متقنة بمخارج حروفها، استطاعت الموسيقى أيضًا إكمال دورها الإيقاعي للتأثير أكثر على المشاهد.
صور فوتوغرافية تؤلف رسومًا لحركة الانفجار الفطري في ارتفاعه وعاموديته مع حركة الكاميرا التصويرية ومؤثراتها الخاصة، بما في ذلك رسومات الفن التشكيلي، حيث تشكل عنصرًا من ردود الفعل لأشخاص عاشوا معاناة الانفجار، فكتبوا ورسموا واستطاعوا نقل المشهد بصدق فني يرافق تاريخية الحدث، ومعانيه لشعب قاوم الدمار وأعاد بناء المدينة تاركًا فيها المبنى الذي تصادف وجوده تحت القنبلة تمامًا في حديقة ما زالت تشهد بتلة مليئة بالجثث على فظاعة الإبادات الجماعية في العالم بكافة أجناسها البشرية أو بالأحرى تنوعهم الوطني أو المذهبي أو الديني وما إلى ذلك.
"ليس هناك حجة من أجل السلام أقوى من مشهد الدمار" جملة عبرت تهدف إلى بث استنتاج بمفاهيم تكتيكية تفيد أن الأسلحة النووية هي للإبادة الجماعية المؤدية إلى خراب العالم. فهل نتعلم التسامح من قنبلة هيروشيما؟ أم إن الوثائقي هو كالتاريخ، بمثابة باب مفتوح لكافة الأجيال كي ترى صناع الإرهاب في العالم؟
برؤية أخرى فيلم "الفتى الصغير" (Little Boy) هو وثائقي تاريخي يقدم رؤية شاملة لأحداث هيروشيما وتأثيرها على البشرية. يتميز الفيلم بأسلوبه الفني الذي يجمع بين السرد الواقعي والتحليل العميق، مما يخلق تجربة غنية تنقل المشاهد إلى أجواء مأساوية وتحفز على التفكير.
يتجلى في الفيلم قدرة المخرج على استخدام تقنيات الإخراج الوثائقي بمهارة. الاعتماد على شهادات حية من الناجين، والمقابلات مع الخبراء، والأرشيفات التاريخية، يُشكل إطارًا واقعيًا يُعزز مصداقية الرواية. كما تُستخدم التقنيات الحديثة في التصوير والتحرير لإبراز التباين بين الجمال الطبيعي للمدينة قبل الكارثة، ودمارها بعد القنبلة.
يمتلك الفيلم بنية درامية متينة تتمثل في تصاعد الأحداث من لحظة السكون إلى الفاجعة. يُقدم الفيلم مشاهد متباينة تبدأ بوصف الحياة الهادئة في هيروشيما، ثم تنتقل بسلاسة إلى اللحظة الحرجة التي تغير كل شيء. يتجلى الصراع بين الأمل واليأس من خلال تصوير مشاعر الشخصيات، مما يخلق تجربة درامية مُحكمة.
استخدم المخرج مجموعة من الأساليب الفنية، مثل التلاعب بالإضاءة والموسيقى التصويرية، لتعزيز الأثر العاطفي. الموسيقى، التي تتراوح بين النغمات الحزينة والإيقاعات السريعة، تُعبر عن التوتر والسكينة في آن واحد. إضافة إلى ذلك، تُعزز اللقطات المقربة من تعابير الوجه وأحاسيس الناجين من هول الكارثة الشعور بالواقع الأليم.
تسهم الصور الفوتوغرافية والرسومات الفنية في التعبير عن معاناة الشعوب والأفراد. تعكس هذه العناصر الجمالية قدرة الإنسان على الإبداع حتى في أحلك الظروف، مما يبرز فكرة المقاومة والأمل. الفيلم ينجح في تقديم مشهد فني يوازن بين الجمال والفظاعة، حيث يُظهر كيف يمكن للجمال أن يتواجد حتى في قلب الدمار.
يتناول الفيلم قضايا عميقة تتعلق بالحرب والسلام، وحقوق الإنسان، وأهمية الذاكرة التاريخية. يطرح تساؤلات فلسفية حول طبيعة الإنسانية وكيفية التعلم من الماضي. ينقل الفيلم رسائل قوية حول ضرورة التسامح وبناء السلام، مما يجعله تجربة تعليمية للمشاهدين من جميع الأعمار.
"الفتى الصغير" هو عمل فني مُتأمل يُسهم في فهم أبعاد الكارثة النووية وتأثيرها على الإنسانية. بأسلوبه الإخراجي المتقن، وبنيته الدرامية المعقدة، واستخدامه للجماليات التعبيرية، يُعتبر الفيلم تجربة سينمائية فريدة تدعو إلى التفكير العميق وتقدير قيمة الحياة والسلام.
فيلم "الفتى الصغير" (Little Boy) هو من إخراج ألفونسو غوميز-ريجون، ويعتمد على الأحداث التاريخية المتعلقة بقنبلة هيروشيما.
Doha El Mol