مساحة في ظاهرها حرّة لكنها مقيدة بشكل هندسي ونِسَبي مع الإنسان.
ضحى عبدالرؤوف المل
تستعفف ريشة الفنان "شفيق عبود" في رسوماته التجريدية، وتبتعد عن إظهار الشكل الخارجي بكامل تفاصيله الواقعية. إذ تغطي الألوان بخيالاتها وظلالها مواضيعه المبتكرة المرتبطة بالإنسان وقدراته على بناء نفسه من الداخل، حيث تنضج المشاعر التشكيلية عبر اللون وسماكته المتناقضة مع شفافية المرأة التي يتركها ضمن متاهات خربشاته، وجماليتها التي تطغى على الأطر الفراغية المفتوحة في دلالاتها وتعبيراتها الداخلية، وكأنّه يدمج الفكرة في كينونة المرأة المخفية بتفاصيلها ضمن انحناءات وامتدادات قاسية على الريشة برغم ليونة اللون، وكأنها في تبدلاتها اللونية تتقمص مشاعر المرأة، لترسم الريشة بتجريد تعبيري مع وجدان "شفيق عبود" ذاتية الإنسان واحتياجاته إلى الآخر.
يتشابك الضوء مع الألوان ضمن صراعات داخلية ينتج عنها رؤية تتجلى بغموض خارجي ووضوح داخلي، كلما أمعن البصر في التغلغل داخل أعماق لوحات "شفيق عبود" ومربعاته ذات المعالم المصقولة بأبعاد الألوان التجريدية والزوايا الضائعة بصريًا. إذ تبرز مواضيع المرأة بشكل أساسي ضمن الإنسان المشحون بانفعالات حياتية تتغير مع لحظته الخاصة، وهي محور واقعي يُعالج بتجريدية لا تخفي الهندسة العميقة الواعية في تشكيل أركان اللوحة، وخربشاتها الموضوعية التي يعالج من خلالها الذات المتحررة من الرغبة المتمسكة في تعبيرات غير مفهومة تجعل الإنسان يختلف في إظهارها أو التحدث عنها بجرأة، وبالأخص المرأة أو اللون عند "شفيق عبود"، والذي يتمسك به كرمز ينفتح وينكمش أمام انفعالات وجدانية يترجمها داخل المربع الذي يتقيد به في رسوماته وهو الحياة.
تتناغم ريشة "شفيق عبود" مع وجدانيته وتصويراته المجهولة في تجريداته المهدمة والمينية ضمن تعدد في الرؤى الفنية، والتي تتجدد ذاتيًا كلما زادت تأملات تفاصيل الحركة الساكنة ضمن اللون نفسه، وبعيدًا عن الخطوط الزمنية المتشابكة في مساراتها واتجاهاتها، والمتوائمة مع رؤيته الخاصة عن المرأة أولًا، ومن ثم الإنسان المتأثر بها. كما الريشة المتأثرة باللون، وهي الواعية والمدركة لكل شكل أو حجم أو هندسة داخلية ضمنية، أو تضاد وتناغم، أو ضوء وظل، أو عتمة يبدأ بها قبل انبلاج الضوء في ألوانه التعبيرية الخاصة بالالتواءات، وبالإيقاعات التكرارية وفق نظم يستجليها من تغيرات الأزمنة في الحياة نفسها، والتي تتمثل في رمزية المرأة في أعماله النابعة من رؤية غنية بثقافات داخلية وخارجية يتوافق معها ويتضاد مع تفاصيلها. إذ لا يتخطى الفنان "شفيق عبود" حدود زواياه الانعكاسية أو بالمعنى الإحساس الوجداني لطفولته المتمسك بها في لوحات غارقة بالمعاني الإنسانية بشكل عام.
ألوان غنية بالحياة التي يبنيها الفنان "شفيق عبود" في أسس اللوحة ذات الأركان الشاعرية المتغنية بأحاسيس ترتبط بالطبيعة الطفولية أو العودة إلى السلام الداخلي، حيث الفراغ المكون لبدايات يعود إليها أو ينطلق منها، لتتبلور تفاصيل أخرى في معنى آخر عبر طبقات اللوحة، والإصرار على إيجاد ذكريات يبحث عنها، وينفيها ضمن اللون وتناقضاته، حرارته وبرودته، وأيضًا وفق درجات يمزج من خلالها ألوانه التي تضع المتلقي أمام دهشة يستكشف من خلالها كنه الحياة التي نحياها بكل التغيرات والتحولات، لنخرج من غربته إلى الحنين للأم أو الوطن مع المنحنيات العاطفية في لوحاته المتناغمة بمضمونها وأسلوبها مع الأشكال والأحجام، والاتساع ضمن مساحة في ظاهرها حرّة لكنها مقيدة بشكل هندسي ونِسَبي مع الإنسان، وبالأخص المربع الذي لو أمعنا النظر لامسكنا أطرافه المتلاشية مع اللون.
ينضج اللون في لوحات الفنان "شفيق عبود" كلما امتزج مع الألوان الأخرى. إلا أن للون الأبيض الحائر في تأملاته وقفات تفصل بين الواقع والخيال والتجريد والتعبير، حيث يستسلم مع ريشته، لخلق تجريد يضج بصمت يكتفي من خلاله بصرخات اللون، والمعادلات المبنية على اختبارات متعددة مع الضوء، وفي مختلف الوضعيات النهارية والليلية حيث يسترجع من خلال ذلك الصراعات النفسية النابضة بتناقضات جبرانية جمعها في الألوان المتماسكة والمتلاشية، المتمثلة بكينونة المرأة التي لا يبتعد عنها حتى ضمن انحناءات الشكل اللوني أو المرسوم بخطوط يمسك بها البصر، ويبتعد عنها الوجدان عند المتلقي، وعند الفنان "شفيق عبود"، وكأنه محاور مستمر للإنسان الذي يتساءل عن الزمن والحياة، والطبيعة والوجود بمنطق الفنان التشكيلي ومساحاته المضيئة بالحيرة واليقين، وبتذبذبات الشك الوجودي المدرك النهاية والبداية والمنفصل عنها باستنكارات يباغت فيها الخط باللون، فهو يعبر بذلك عن المباغتة القدرية البارزة برمزيتها في لوحاته، حيث يترجم ذلك من خلال مقدرة اليد في بلوغ أقصى درجات الترجمة التعبيرية عن اللحظات الحميمة مع الذات أولًا ومن ثم المرأة. إلا أنه كلما تخلى عن المربع بزواياه يعود إلى تلاشي نقاطه الأساسية، لينفتح مع اللون نحو اللانهاية أو الخط المتناهي في مساراته، حيث لا أزمنة تربطه مع وجوده الخفي في لوحاته التي تحكي قصته مع الحياة، وضمن وجدانية غنية بالارهاصات الفنية وعقلانية واعية بالأشكال الهندسية التي هي أسس بناء اللوحة عند "شفيق عبود" الجبراني في نزعاته الحميمية، الممزوجة بالتناقض الفني وتعقيداته المنسجمة مع الشكل والمضمون والأسلوب المشبع بالجمال.
برؤية أخرى تُظهر أعمال "شفيق عبود" انسجامًا بين الإنسان والطبيعة، حيث تبرز المرأة كرمز يتكرر في معظم لوحاته. تُعبر الألوان عن التجارب الإنسانية، موحيةً بالتوتر والانسيابية في آن واحد. فالألوان المتداخلة والمزج بينها يشبه الحركة المتدفقة التي تعكس التغيرات في المشاعر والأفكار.
تمثل أعمال الفنان استكشافًا عميقًا للذات الإنسانية. تظهر الأشكال والظلال كتعابير عن المشاعر الداخلية، مما يُعزز الشعور بالتجربة الفردية. يُشعر المتلقي أن العمل يروي قصة شخصية، تعكس الصراع والبحث عن الهوية. هناك إحساس بالحنين والترقب، حيث تتداخل الألوان لتجسد المشاعر المتناقضة.
تعتمد اللوحات على أسلوب التجريد، مما يسمح بإعادة تفسير الأشكال والمعاني. تبرز الألوان في تناغم جميل، يخلق إيقاعًا بصريًا يجذب الانتباه. يتلاعب "شفيق عبود" بالضوء والظل بشكل يبرز الأبعاد المختلفة للأعمال، حيث يُستخدم اللون لإضفاء عمق إضافي على التكوين.
تجسد اللوحات توازنًا بين الجمال البصري والمعنى العميق. الألوان الزاهية تتناغم مع الأشكال المنحنية، مما يخلق إحساسًا بالحركة. الجمالية هنا ليست مجرد عنصر بصري، بل تعبير عن التجربة الإنسانية المعقدة، حيث تُعتبر الألوان بمثابة لغة تواصل بين الفنان والمتلقي.
يستخدم الفنان الألوان كوسيلة للتعبير عن مشاعر معينة، مستفيدًا من قوتها البصرية لإيصال أفكاره. فكل لون يحمل معاني مختلفة، ويؤدي دورًا في خلق جو تعبيري متنوع. يُظهر العمل تفاعلاً دائمًا بين الأشكال والألوان، مما يُعطي المتلقي إحساسًا بالاستمرارية والديناميكية.
يمثل الإيقاع البصري في أعمال "شفيق عبود" تفاعلًا متوازنًا بين العناصر المختلفة. تنقل الألوان المتغيرة والمشاهد المتنوعة إحساسًا بالحركة المستمرة. يساعد التكرار والتباين في الألوان على خلق نغمة مرئية تُشبه الإيقاع الموسيقي، حيث يُدرك المتلقي في كل مرة تفاصيل جديدة تعزز من تجربة المشاهدة.هذه الرؤية التحديثية تجسد تفاعل العناصر الفنية والنفسية في أعمال "شفيق عبود"، مع التركيز على الإيقاع البصري كوسيلة لفهم عمق التجربة الإنسانية.
Doha El Mol
dohamol67@gmail.com