وهم السلام القادم بين حرمتين
ضحى عبدالرؤوف المل
مارس صبحي الفحماوي النقد الذاتي، وهو يطرح على نفسه تساؤلات كنا نبحث عن أجوبة لها حين وضع الشخصيات أمامه في حوار مباشر، وكأنه يضع أمامنا حقيقة هندسية حياتية محاولا إعادة الشخوص إلى الواقع، و إعادة تطوير فن الكتابة وارتقائها من الخاص إلى العام من خلال فكر متحرر من كل استعمار أو استيطان، أو حتى سلطة ذهنية متبوعة برؤية ثابتة، فالأحداث الحياتية تختلف مع كل منا، وكأننا فعلا على ورق أبيض نرسم خطواتنا الكبرى التاريخية "وهذا يجعلني أؤكد أن شخصياتي صارت هي الحقيقية، وأنا الوهم، ذلك أنها ستحيا بعدي، وأنا سأموت، فكل فرعون جاء، مسح اسم الفرعون الذي سبقه ببناء الهرم، ووضع اسمه مكانه، فصارت أسماء خوفو وخفرع ومنقرع، وما هي إلا أسماء سميتموها، والحقيقة غير ذلك"
"حرمتان ومحرم" عمل إبداعي هندسي مفتوح للقارئ، ليصنع نهايات متعددة كما يشاء، أو ليعيد ترتيب الأحداث كما يحب في ظل الازدواجية السياسية التي يعاني منها الشعب الفلسطيني بين فتح وحماس، وعملية السلام، أو بين ماجدة وتغريد وأبو مهيوب والقضية الفلسطينية، فهل ما يصنعه الروائي وهم أم حقيقة؟ أم هو رؤية بناءة لمجتمع يعاني من الاستبداد العربي قبل الصهيوني تحت وطء تجاهل حقوق الشعب الفلسطيني في العودة، والعيش في سلام.
بدأت الرواية في حي الشجعان، وحملت وصفا شعبيا نموذجيا "شرر متطاير من جسد حديدي يتم تقطيعه من الوريد إلى الوريد" وكأن الحدادة عمل إرهابي، ليجبّر الخيال على قيادة الواقع نحو انتهاك حقوق الإنسان، فالجملة الآتية بعدها هي أصابع ريتشل كوري التي تتقطع تحت ثقل الجرافة "وامتزج لحم وعظم ساقيها الورديتين مع التراب والطوب المتهاوي، وامتزج اللحم بالتراب، بالدم، بالعظم، بالإسمنت المسلح، بالحديد، بينما شرر النار يتطاير من جراء انسحاق أسنان الجرافة بحديد تسليح العمارة بلحم الفتاة الطري الندي الطاهر".
ضعف وقوة في أسلوب روائي ذكي، وكأنه يمارس لعبة الخيال اللغوي، والربط بين المفردات بقوة الخيال، مع فسحة استراحة لغوية في مفردات يستعملها أهل المعسكرات والأحياء المنكوبة، لتعيش معهم الواقع المضحك المبكي الذي يظهر قوة الفرد الفلسطيني، وتماسكه وإرادته في التمسك بقضيته، وكأن الفلسطيني يعيش السجن خارج إسرائيل المحتلة، ويعيش الحرية داخل سجنها، لأنه يشعر بانتمائه للأرض الفلسطينية " أو القذائف (الخارئة الحارئة) آسف الخارقة الحارقة، وكل أنواع القذائف المحرمة دوليا، لكن كل ونصيبه، وكل وجه وما يصلح له، وكل واحد يأكل نسيبه.. آسف.. يأكل نصيبه"
يقول ماريوس بارغاس يوسا: " في اللحظة التي يجلس فيها الكاتب ليكتب، فإنه يقرر إن كان سيصبح كاتباً جيدا أم كاتبا رديئا"
إن الثقة بالنفس برزت في شخصية أبو مهيوب في تحديات نفسية استطاع أن يتخطاها كما تخطى صبحي الفحماوي الخوف من صراع شخصياته داخل المخيم "لا أدري لماذا أخطئ في كتابة روايتي هذه؟ قد يكون الخوف سبب ذلك، ورهبة المواقف، فأنا لم أتعود أن أكون مخبرا صحفيا أو تلفازيا يبث أخباره من أرض المعركة، ولكن للضرورات أحكام، أجدني مضطرا لمراقبة ساحات الإعدامات، لأصور معالم روايتي"
فهل يقصد التصوير الروائي الذي يستنفر كل عناصر الدراما الحكائية، ليظهر الصراع العربي عربيا من خلال الحوارات بين المعلمتين والتلميذات من جهة، وبين ماجدة وأم التلميذة؟.
إن انفتاح رواية "حرمتان ومحرم" نحو الواقعية الموضوعية للمعسكرات الفلسطينية، وأيديولوجيات فرضت نفسها في رمزيات استخدمها الفحماوي للدلالة على التغيير النفسي الذي يحدث بفعل الزمن من خلال تلميح ذكي في تحويل العلاقة الضدية إلى علاقة مقبولة، منشؤها الألفة والقناعة والتعايش المرضي، فأبو مهيوب مرفوض فعليا كزوج للبنتين، ومقبول كمحرم، لكن مع الوقت أصبح مقبولا للبنتين وللأهل من خلال قوتين: قوة المال، وقوة الأولاد، وهي القوة الصهيونية التي يبني عليها مفهوم البقاء.
إن الصورة الذاتية لأبي مهيوب تتوافق وصورة الشعب الفلسطيني، لأن جزءا كبيرا من الصورة الاجتماعية اعتمدها في تعامله المجتهد مع الوضع الاجتماعي الذي فرض نفسه عليه قدريا، فيقبل بأن يكون محرما، ثم زوجا فاعلا، ليساعد من يستطيع مساعدته بعد أن فقد الابن والزوجة، ويصبح صورة مثالية يتوجها كفرد فلسطيني ناشط وفاعل حياتيا.
تسليط ضوئي على مفارقات اجتماعية نحياها في الوطن العربي، فواحة الرمال جعلتهم محاصرين فكريا و روحيا وجسديا، والنص مفتوح على كل التغيرات التاريخية بدءا من الناشطة ريتشل كوري حتى الفنان الفلسطيني فتحي الغبن في ترميز لا يخلو من فطنة، فيقول لنا: " إن شخصياتي صارت هي الحقيقية، وأنا الوهم، ذلك لأنها ستحيا بعدي، وأنا سأموت.. ألا تشاهد وهم السلام القادم مع المحتلين لأوطاننا" فهل نحتاج رسما روائيا سياسيا يشبه رسم الفحماوي على الورق، ليسعى العرب لتحقيق مخططات استراتيجية قابلة للبقاء بعد فناء النفوس الضعيفة؟.
يقول بول ريكور:"إذا صح أن الخيال لا يكتمل إلا بالحياة، وأن الحياة لا تُفهم إلا من خلال القصص التي نرويها عنها، فالحياة" المبتلاة بالعناء" بمعنى الكلمة الذي استعرناه من سقراط هي حياة تُروى"
لكن الفحماوي لم يترك نهاية في الرواية، بل جهل النهاية لكل بداية يختارها القارئ بعد أن وضع بين يديه تصوراته الشخصية عن أبو مهيوب، ليحاور أشخاصه حوارا جذابا، ويترك لنا لذة الحوار مع الشخصيات، فهل سنستطيع يوما ما الإمساك بفن روائي متجدد في الفكر العربي؟.
Doha El Mol