الأنماط الديناميكية وتغيراتها اللونية بين جزء وجزء
ضحى عبدالرؤوف المل
يعتمد الفنان "فريدريك حسيني" (Frédéric Husseini) على تنسيق حركة الألوان، لينتج الأشكال المنسجمة مع محاكاته للطبيعة، ولفن بنائي جرده من المطابقة الشكلانية، ليبني مدنه وفق مخيلته اللونية التي تعتمد على طراز بنائي تجريدي بوصفه ذو دلالة تعبر عن رؤية تشكيلية صياغية تحتضن من خلالها اللوحة الحديثة، بمستويات تعبيرية توحي بقوة اللون، ومؤثراته الجمالية ذات المكنون الحار والبارد، والمتناقض بخطوط العمودية والأفقية، والضربات الخفيفة والقوية، حيث الأنغام الموسيقية لكل لون، والتي تلعب دورها في توازنات الضوء والفراغ عبر محاكاة ظاهرة وباطنة محسوسة ومرئية، ليخلق في ذهن المتلقي مقارنات يهدف منها إيجاد لغة حركية تعنى بتوحيد فني تجريدي الطابع يجمع بين الفلسفة والجمال، كما يجمع الواقع والخيال، والهندسة ذات الأشكال المتنوعة مع الانفعالات العاطفية الغنية بالدلالات التي نستشف منها الأنماط الديناميكية، وتغيراتها اللونية بين جزء وجزء، ليجرد كل الأشياء من حوله ويتركها ضمن مخيلة بنائية نستكشفها من خلال لوحة فنية تشكيلية.
تكرار حسي إيقاعي متسق مع الرؤية البصرية المنسجمة مع المساحة، وانعكاسات مختلفة تندمج مع التجريد الموضوعي، والواعي شعوريًا لمقدرات الخط اللوني، ومساراته المتصارعة بهدوء يتسم بذبذبات الألوان الحارة والباردة المتناسبة مع الرؤية البنائية، وواقعية الطبيعة الإيحائية التي يمزجها "فريدريك حسيني" بمخيلة التجريد، وما خفي من نظرة معمارية طمسها بشفافية مشدودة جماليًا. يتناول من خلالها الفضاءات المتحررة من المقاييس والمعايير، ولكن ملتزمة بجمالية التفاعل مع الألوان، وأبعادها البصرية المتناسقة ضمن خضوع مع الضوء أو الألوان الفاتحة التي يتركها ضمن موجات طولية تحيط بالأشكال التصاعدية، والمترائية بجمالياتها الصغيرة والكبيرة، التي يتلاعب فيها بين فوق وتحت، لتبدو حقائق الأشياء ضمن تجريدات دقيقة الملاحظة، وبظلال متقاربة تتناسب وتتضاد فيما بينها، ليرتقي بالخيالات البصرية وجمالياتها المتصلة بكينونة اللون وماهيته الحيوية، والمختلطة مع الضوء ضمن نسب يحددها بمزاجية حسية، ونظرة بنائية سيمترية، وتجريدية نستمتع من خلالها بمعاني الألوان وجوانبها المتماثلة المرتبطة بألوان الطبيعة.
مستطيلات ومربعات وفراغات يتركها الفنان "فريدريك حسيني"، لتترسم الأشكال ضمن هندسة لونية تجريدية بعفويتها، ولونيتها الحديثة في ارتسامها بمزج عبثي يلامس بثيماته إيقاعات تتكرر، وهي نوع من الحبك المكثف لونيًا. كما أنها تحدد تفاصيل حركة الفرشاة بين النسب والأحجام، وبتفاعلات تعتمد بشكل كبير على أخاديد تلعب دورها في امتصاص الضوء، ليبرز الشكل كنقوش إسفنجية شبيهة ببصمة متشابكة وسلسة بخطابها الحقيقي للحواس، فهو يسعى من خلال اللوحة الحديثة كفن يندمج مع الحياة ضمن معادلة الفن والحياة، واللوحة المعاصرة الجريئة بحواراتها الداخلية المفتوحة الأفق، والقادرة على خلق مستويات إيحائية مختلفة في الحركة والضوء، والظل، والخط، والكثافة، والشفافية، والتكرار المستوحى من التغيرات الحياتية المغطات تجريديًا برؤية رياضية ذات جمالية تزيينية قادرة على إثارة الحواس.
تأثيرات لونية مختلفة ذات خصوصية مزاجية، وضربات ريشة معاصرة تكشف عن زخارف تصميمية تتآلف العين معها، حيث تنخفض سطوع الألوان وترتفع تبعًا لموسيقاها الداخلية، ولتقنيات تحقق بتآلفها وتنافرها الحركي نظمًا نُظمت بتصنيفات نثرتها، بما يوائم مرتكزات الخط الذي يخفيه بمكونات لونية دلالية لطبيعتين لونيّتين أو رياضيّتين مختلفتين من حيث البعيد والقريب، والصغير والكبير، وضمن مساحة معقدة كالحياة التي تتجسد بمتناقضاتها في لوحاته المعاصرة بفنها اللوني التجريدي.
تصور ذهني أو إدراك حسي يسهم في بناء الشكل اللوني الذي يحبكه الفنان "فريدريك حسيني" كتصميم يحاكي به الأبعاد الفنية التي يضعها بتشكيل زماني مكاني يعكس المعنى التجريدي، لحركة ريشة ديناميكية تتميز بطابعها الحواري، وبمقارنات تشبيهية مألوفة من حيث المربعات والمستطيلات التي يمدها عبر طبقات اللون الشديدة التماسك مع بعضها، وذات الصبغة التأملية الموحية بتقلبات وتغيرات ضمن أنماط الحياة الواقعية، ونسقها المنطقي في اللوحة الفنية المعاصرة المسبوكة بتعقيدات يشد أواصرها عبر سلسلة ألوان تسمو ببنيتها مع الطبيعة، بوصفها تمثل البنية التشكيلية وتغيراتها اللونية عبر الليل والنهار، والأزمنة المتعاقبة على الكون وغموضه الإنساني والطبيعي، وبمراحله المتجددة، وبتقنيات معاصرة تقاوم نمط الحياة الكلاسيكية التي يتمرد عليها الفنان "فريدريك حسيني"، وبطابع تراكمي تتجلى من خلاله الأساليب التجريدية، وعلاقاتها النموذجية التي تشير إلى الحياة.
تترابط المعاني الفنية في لوحات الفنان "فريدريك حسيني" بالشكل والمضمون، وتداخلت ميكانيكية ثابتة ومتحركة بخصائصها التراتيبية مع طبقات الألوان في اللوحة. إذ تبدو عبثية في ظاهرها، وهي عقلانية مغلفة بعاطفة لون متيقظ، ويخضع لجوانب حسية، وانعكاسات ضوئية متوازية تزيد من تعقيدات اللوحة وبساطتها في آن، وكأنه يرسم الحياة بكل حروبها وإنسانيتها وآثارها وحضارتها، وبخصوصية فنان يدرك قيمة الجمال المنبعث من الشكل وكنه اللون، ومعناه ضمن تواجده في الألوان الأخرى. لإثراء الذهن بتخيلات انعكاسية مماثلة لواقعية يتم من خلالها رسم التصورات البنائية التي يحتفظ بها ضمن مفردات بيئية تتوافق مع الرؤية التشكيلية، ومع معطيات الحياة المقاومة بوجودها للزمن وأمكنتها المنفية في لوحات فريدريك حسيني المتماهية تجريديًا مع الطبيعة وألوانها.
برؤية أخرى يترك العمل الفني للفنان "فريدريك حسيني" انطباعًا قويًا يدعو المشاهد للتأمل في التفاعلات اللونية. تنسجم الألوان المتنوعة، حيث تشكل تباينات دافئة وباردة تعكس مشاعر متناقضة. هذا الإيقاع اللوني يولد شعورًا بالانسجام والتوتر في آن واحد، مما يخلق تجربة بصرية تتفاعل مع الحواس.
تتجلى في الأعمال مواضيع تتعلق بالواقع والخيال، والتفاعل بين الطبيعة والإنسان. من خلال استخدام الأشكال الهندسية والتجريد، يتجاوز الفنان التفاصيل الشكلانية ليغوص في عمق التجربة الإنسانية. يمثل العمل رحلة داخلية تعكس الانفعالات العاطفية التي تتفاعل مع البيئة المحيطة.
يتجلى تأثير العمل على نفسية المتلقي من خلال تفاعلات الألوان والأشكال. الألوان الحارة قد تثير الحماس والطاقة، بينما الألوان الباردة تمنح شعورًا بالهدوء والتأمل. هذا التفاعل النفسي يخلق بيئة تعزز من التفكير والتأمل، مما يساعد المشاهد على استكشاف مشاعره الداخلية.
يستمد العمل جماله من القدرة على التعبير عن المشاعر الإنسانية من خلال الألوان والأشكال. الإيقاعات البصرية التي يقدمها حسيني تتجاوز الفهم السطحي، لتدخل في عمق التجربة الجمالية، حيث يشعر المتلقي بجمال اللحظة والتجربة نفسها، مما يمنح العمل قيمة فنية جمالية عالية.
الإيقاع البصري هو عنصر أساسي في عمل حسيني، حيث تتناغم الخطوط والألوان لتخلق حركة بصرية تشد انتباه المشاهد. الاستخدام المدروس للفراغات والتكرار يجعل من اللوحة تجسيدًا للإيقاع الموسيقي، حيث تتداخل الألوان كأنها نوتات موسيقية تعزف معًا. هذا الإيقاع يمنح العمل طابعًا ديناميكيًا، حيث يمكن أن يتغير الانطباع مع كل نظرة جديدة.
يعكس عمل "فريدريك حسيني" تفاعلاً معقدًا بين الألوان والأشكال، مما يعبر عن مشاعر إنسانية عميقة. من خلال الإيقاع البصري، يتمكن الفنان من خلق تجربة فنية متكاملة تغمر المتلقي في عالم من التأمل والعمق النفسي، مما يجعل لوحاته تجربة فريدة تجمع بين الجمال الفني والعمق الإنساني.
Doha El Mol
dohamol67@gmail.com