فن الكتاب الإسلامي من مجموعة ليدن ...

ضحى عبدالرؤوف المل

تتزين الحروف العربية بخطوط هندسية ذات تصويرات إسلامية كفن يحاكي بحركته كينونة الحرف ووجوده، وهو الذي يجمع الخط مع الشكل بأسلوب مختلف في مسمياته الحرفية المعروفة من كوفي وغيره. وتبلغ ذروة جمال الحرف في النقوش المختلفة أيضًا المرسومة على أسقف المساجد أو على لوحات تتزين بتراث حرف عربي يمثل حقيقة الجمال في الحرف العربي بشكل عام، والإسلامي بشكل خاص. حيث تلتقي الحقائق الحروفية مع الألوان والفواصل في "مجموعة ليدن" لفن إسلامي تراثي ذي تاريخ جمالي يعنى بفن الكتاب الإسلامي والمتميز في مخطوطات الشرق التي تعكس جمال الفن العربي المتمثل بلغة الكتاب، وبتراث خط يعتبر الركيزة الأساسية لهذه المخطوطات بكافة مراحلها الجمالية التي يمكن من خلالها رؤية الحضارة المتأصلة في هذه الخطوط والتصويرات والزخرفات والمنمنمات التاريخية التي تؤكد على عظمة الفن الإسلامي ومدلولاته الحضارية. إذ تبدو مصطلحات الخط متحررة من محدودية المفاهيم الخطوطية، حيث ترتبط بنقاط وأسس ونظم تزيد من جمالية الحرف وشكله ومضمونه، وإيقاعاته البصرية الموزونة حركيًا، والمتميز بالبساطة والعمق. مما يعطي لمكونات هذه المخطوطات معرفة جوهرية بالشكل ومضامينه الجمالية.

استقراء بصري يؤثر في غنى الحس عند المتلقي، لجمالية مختلفة العناصر من لون الورق ونوعيته وشكل الحرف وجماله، والألوان التي تختلف في مراحلها التكوينية. لتكون جزءًا من الحركة والسكون عند استكمال القراءة أو الوقوف عند النقاط الحمراء ذات التشكيل المزدان بالمعنى المفاهيمي للقراءة وأسلوبها، وكذلك المعين الأصفر الصغير المرسوم لتحديد نهاية كل آية، وأيضًا المربع الأحمر الذي يشير إلى نهاية مجموعة من عشر آيات. فالمعطيات الدقيقة في التفاصيل الخطوطية الظاهرة في هذه المخطوطات التي تفتح الآفاق أمام الفكر، ليستنبط مجاهيل الحرف وزواياه والنقاط الحسابية فيه، ومستويات الخطوط المختلفة التي تنضبط مع الإيقاع البصري بدون خلل في المنظور الكوديكولوجي بمعناه العلمي الدقيق، وبأسلوبه الفني المتنوع في نصوصه وخطوطها، وفي تصويراته وزخرفيتها، وفي قيمة التآزر بين الخط والمخطوطة نفسها ذات النسب المختلفة في حركة كل خط ونوعيته أو مسمياته من كوفي وغيره.

اتخذت "مجموعة ليدن" من المخطوطات نقطة ارتكاز لها، لتُظهر قيمة الفن الإسلامي عبر تاريخ قديم حمل تراث فن يدوي تخطه اليد بجمالية مصقولة بكافة نواحيها وأنماطها الماورائية المختلفة أي المفصولة عن المعنى الديني، والمنسجمة مع المعنى المادي لاتجاهات الخط وما ينتج عنه من جذب هندسي ذي دلالات بنائية توحي بقدرات الحرف الحسابية، وبالمقاييس وأبعادها، إن في المخطوطات أو النقوش الجدارية أو في الرسومات المتنوعة الأخرى.

تصاوير وزخارف وثراء فني في معرض الفن الإسلامي "لمجموعة ليدن" تتضمن جودة في الخط إضافة إلى مختارات من تصميمات تتداخل في حيثياتها الفنية مع الفن الكتابي، وقيمته الثقافية والجمالية التي يحتلها الفن الإسلامي بمخطوطاته المتداخلة بجدلية الحرف، والكلمة والشكل والتأثير على النمط الكتابي لحروف اللغة العربية وخطوطها من حيث البنية والتناسب البصري في النقوش الجدارية على المباني الأثرية التي ما زالت محتفظة بثقافات حضارة أضافت لفخامة الحرف فن الزخرفة، وما يتخللها من انسياب سلس بين الفراغات ومن زخرفات تزدان برؤية مريحة للبصر، وتبعا للمادة الكتابية المختارة وحجمها مع الحفاظ على عدد السطور، وحجم الكلمات إضافة إلى نوعية المخطوطة ونصوصها المدونة، كوثيقة تاريخية تفصل نوعية الخطوط التي كانت معروفة آنذاك.

يقول الشريف الجرجاني: "الصناعة ملكة نفسانية يصدر عنها الأفعال الاختيارية من غير روية"، وقيل هي العلم المتعلق بكيفية العمل. صناعة كتابية ذات مهارات فنية، وملكة زخرفية تتجسد في هندسة وحساب، ورياضيات دقيقة في حركاتها العلمية والثقافية، والجمالية المتباينة في متونها الإسلامية ذات المعايير التراثية المحتفظة بتاريخ خط يحمل المعاني العربية، وقدسية الحرف المرتبط باللغة القرآنية. إذ يستنطق الناسخ الحركة في اتجاهات الحرف من الدلالات والمعاني للألفاظ، وأشكالها من حيث المعنى والمضمون أو من حيث قدسية الآية، وتراكيبها وعدد كلماتها ومجموع الآيات في السورة الواحدة، وتقسيماتها ضمن مساحة هي جزء من كل، يكمل بعضه البعض من حيث البدايات والنهايات في كل مخطوطة نرى جوهرها التراثي الجميل، وما يحمله من إرث عربي إسلامي تحتفظ به مخطوطة تنتمي إلى حضارة انسجمت مع ذاتها، وأنتجت فنا جميلا تميزت به عبر الأزمنة.

طيات ثنائية من القرآن من النصف الثاني من القرن الثامن عشر أو بدايات القرن التاسع بخط بني، وعلى رق يتبع لنوعية المادة الكتابية وحدودها القياسية المنسوخة بفن خط ذي وحدات قياسية قديمة متوازنة في أبعادها أي المسافة الفاصلة بين الكلمة والكلمة، وخاصة شكل الألف وتكرارها الإيقاعي ذي الجمال الخاص إضافة إلى الحروف الأخرى في المخطوطات التركية والرسومات في السقف كتلك القطعة التي تُظهر جمالية فن العمارة الإسلامية وهي من ضريح السلطان مراد الثالث 1599 بعد الترميم.

.

برؤية أخرى يتناول الفن الإسلامي تجليات عميقة من الجماليات البصرية التي تبرز من خلال الخط العربي والزخارف الهندسية. تندمج عناصره لتشكل رؤية شاملة تعكس الهوية الثقافية والحضارية للعالم الإسلامي، مما يجعله وسيلة للتعبير عن الروح والعمق الفكري.

عند النظر إلى الأعمال، يتجلى الإيقاع البصري من خلال تكرار الأشكال الهندسية والتعاقب المتناغم للألوان. الحروف ليست مجرد رموز، بل هي كائنات حية تتنقل عبر اللوحة، تتراقص في تناغم لامتناهي، مما يبعث شعورًا بالحيوية والديناميكية.

تثير الأعمال الفنية مشاعر مختلفة؛ من التأمل إلى الإعجاب. فالتفاصيل الدقيقة، مثل التكرار في النقوش، تخلق حالة من التركيز الذهني، مما يمكن المشاهد من الانغماس في تجربة روحية عميقة. هذا التأمل يبعث في النفس إحساسًا بالسلام والسكينة، ويعكس الصلة الوثيقة بين الفن والروحانية في الثقافة الإسلامية.

الفن الإسلامي، من خلال إيقاعه البصري، يحث المتلقي على استكشاف أبعاد جديدة في فهم الجمال. كل شكل وخط له دلالاته العميقة، مما يسهم في تكوين هوية فردية قائمة على التجربة الشخصية والمشاعر المتنوعة.

تعتمد الأعمال على تقنيات متقنة تبرز البراعة في تشكيل الخطوط والزخارف. يُستخدم التكرار والتناظر ليخلق إحساسًا بالتوازن والتناغم، مما يجعل الأعمال الفنية ليست فقط عينية، بل تجارب حسية كاملة. يتميز الفن الإسلامي أيضًا بالاستفادة من الظل والنور، مما يعزز من عمق العمل ويمنح المشاهد تجربة بصرية غنية.

يتجاوز الفن الإسلامي حدود الشكل ليعبر عن أفكار فلسفية عميقة. الزخارف ليست مجرد تزيين، بل تحمل معاني روحية وثقافية تعكس التراث والتقاليد. الألوان المستخدمة تعكس أيضًا حالات نفسية؛ فالألوان الدافئة تدل على الحميمية، بينما الألوان الباردة قد تعكس الهدوء والتأمل.

كل قطعة فنية تمثل تجربة حسية متكاملة، حيث يمكن للمشاهد أن يشعر بالحركة والهدوء في آن واحد. إيقاع العناصر البصرية يشبه الموسيقى، حيث تخلق الانسيابية توازنًا بين الحركة والسكون، مما يعزز من التجربة الكلية.

يمكن القول إن الفن الإسلامي، من خلال إيقاعه البصري، يقدم تجربة جمالية فريدة تجمع بين الفن والنفسية والروحانية. إنه دعوة للتأمل والاستكشاف، مما يجعل المتلقي يكتشف عمق الثقافة الإسلامية ويتفاعل مع الجمال بشكل أكثر وعياً.

معرض الفن الإسلامي بالشراكة بين «شركة سوليدير» و«جامعة لايدن» في هولندا جرى في بيروت عام 2014

Doha El Mol