تأليف فني إيقاعي تندمج معه الحواس بدقة جمالية مستوحاة من الطبيعة.
ضحى عبدالرؤوف المل
تفتح الفنانة "ليليان تيان" مساحاتها التأملية نحو الضوء المتحرر من بوتقة الألوان التي تجمعها عبر تجريد يوحي بتعبيرات ودلالات حياتية، تستمد منها تيان الحركة المتناسقة مع الأبعاد والتناسب، والتوازي البصري المريح للمتلقي من حيث المعنى المتشكل من الطبيعة البكر، والمضمون الفني والأسلوب التجريدي القادر على تأليف فني إيقاعي تندمج معه الحواس بدقة جمالية مستوحاة من الطبيعة وعنفوانها، وبساطتها، وعفويتها، ولحظاتها الزمنية المغايرة. ومن خلال بصمة تلتقطها العين، تتناغم معها ريشة عازفة على درجات الألوان الحارة والباردة، وعلى خلق مساحات معقدة بطبيعة لون تبتكر منه أشكالها المحاكية للجمال.
تخطو ريشة "ليليان تيان" خطواتها الإيقاعية ببيولوجية رؤية تشكيلية، تجرد الأشياء من خلالها بوعي جدلي يتولد عنه تحولات وتغيرات تبرز كينونتها المتجاذبة عبر تطورات الخط، وأبعاده وإضافاته الرومانسية المراعية للون المحرك للحس البصري من حيث التناقض مع الحار والبارد، ومع تكرار إيقاعي لطخات لون أبيض أو لون يتركه يفصح عن نغمة الطبيعة في لوحاتها ذات البنية التجريدية، المتمثلة في اتساع رؤية اللون ومعناه ومنظومته الداخلية المرتبطة بلون آخر أكثر حرارة أو أكثر برودة. مما يعكس حركة الأنماط الداخلية بتوهج تتلاقى فيه جمالية الفراغات والظل، والاختلافات المؤثرة على تضاد اللون وتوافقه. لتتشابه لوحاتها مع الطبيعة المترابطة موضوعياً مع قيمة الفن والصورة.
إن الصلات اللونية بين الأنماط والموتيفات الجزئية التي تحبكها الفنانة "ليليان تيان" بتشابه وتماثل وسيمترية بصرية متوازية مع الألوان الأكثر عفوية أو تلك التي تفرض نفسها في لوحة يتقلب فيها البصر، وكأنه يحتضن الطبيعة التي ترسمها بحنكة لون يرغب في احتضان الطبيعة بكل تفاصيلها وتوافقها، وتناقضها المترتبة على أحكام وقوانين هي ضرورة في بناء اللوحة من حيث المعايير، والمقاييس ومسارات اللون الداخلي ذات الصيغة التأملية المؤدية إلى خلق انعكاسات تسمو مع الطبيعة بوعي بنيوي لوني، يتماسك ويتراخى تبعاً لمضمون اللوحة ورؤيتها وتطورات الحركة فيها، إذ تترك "ليليان تيان" لفوضوية لون ما على لوحاتها.
تنسجم الألوان في لوحات الفنانة "ليليان تيان" مع جوهر اللون الداخلي، والسينوغرافية المؤثرة في كنه التجريد وصفاته الإيحائية المتشكلة في ذهن المتلقي تبعاً لأحاسيسه الداخلية، المتميزة أسلوبياً ومضمونياً ضمن صفات تتجلى كمفردات متماثلة تحاكي من خلالها حقيقة الطبيعة المهيمنة بعوالمها على لوحة ذات منهج طبيعة تجريدية، وانطباعات تمتزج مع الحس الفني والتأملي، كتعبير عن حلم مشترك بين الطبيعة و"ليليان تيان" من حيث التعبير بلغة تجريدية عن التغيرات غير الثابتة في لحظات الحياة. وبهذا تجمع ريشتها بين المجرد والحسي من خلال العاطفة المتدفقة من وجدانها وعقلانية الخط الداخلي المتغلغل مع اللون والممسك بقواعد تشكيلية تتميز بخصوصية جمالية ووعي بصري من حيث التوازن مع الضوء واللون أو لعبة الألوان في منح اللوحة معنى الطبيعة وجمالها الحسي المتصل بخطوات فكر تأملي غني بالمضامين الاجتماعية والشاعرية وبهندسة مخبوءة داخل حبكات اللون وتقنياته.
تسيطر اللحظة الفنية الراهنة على تشكيل اللوحة عند الفنانة "ليليان تيان" وعبر تخيلات لانهائية تتداعى فيها أحاسيس عوالم داخلية تخضع لحركة لون واعٍ يثير الخيال بحيثياته الإيجابية والسلبية. مما يجذب البصر إلى تضاداته من حيث الأبعاد في رؤية مفتوحة على إيحاءات مثقلة بالشكل الحر، واتجاهاته المتوافقة مع التصورات التجريدية، وخصوصيتها الحافلة بمنبهات لونية تعتمد على الأصفر، والأحمر، والأبيض الهادئ بتفاعلاته، وموسيقاه الداخلية المتأثرة بالمربعات الإيقاعية الصغيرة في نقاطها، والمعايير المنطقية لإيحاءات تعممها على مساحة اللوحة ومقاييسها المتآخية مع المشهد الواحد المتخيل تجريدياً، والمتصف بوعي جمالي يترك المتلقي في حالة دهشة لا يعرف سرها، وفي هذا معالجة فنية برؤية تقنية تتشابك مع هندسة اللون، وإدراك كنه مؤثراته ومعناه، لتبتكر تخيلات تجريدية مأخوذة من الطبيعة بعد تجريد انطباعي هو جزء من حبكة اللوحة.
إن استقلالية اللوحة الطبيعية في أسلوب الفنانة "ليليان تيان" ترمز إلى الإنسان وقدراته في استنباط الجمال، المضاف إلى الوجود وروحه الجمالية التي تلتقط أبعادها ليليان من خلال ريشة وجدانية، عاطفية تشتعل بجرأة لون يتمسك بجذوره الطبيعية التي تنطوي على أسرار لا يمكن فصلها عن خيال يحقق بتجريداته قيمة واقعية للطبيعة البكر، الخالية من ملوثات بيئية تتجلى بقوة الإيقاع اللوني الماطر على اللوحة، وانعكاساته الداخلية والخارجية، ومضمونها الفعال تجريدياً والمرتبط بسيرورة الضوء المتصل بالألوان، والمنفصل عن فراغات منتقاة بديناميكية واعية تستند على خبرة فنية، تخضع لمعايير ذاتية مسبوغة بأحاسيس شاعرية خاصة.
يتأثر الحس البصري والفكر التجريدي بأبعاد اللون وجديته ورصانته عند رؤية لوحات الفنانة "ليليان تيان" كترميز تخضعه لاختبارات تتطابق فيها روح اللون مع فاعلية الخط، كتعبير موشوم بأسلوب تجريدي تحاور من خلاله الإنسان، ليبحث عن الجمال الحقيقي في الطبيعة، ويستمتع بحركتها وسكونها ومعاييرها المنطقية الغنية بهباتها الجوهرية المتمسكة بازدواجية الشكل والمضمون وتأثيرهما بالألوان وخصائصها المشتركة.
برؤية أخرى تستند الأعمال الفنية، مثل تلك التي تقدمها الفنانة "ليليان تيان"، إلى استلهام العناصر الطبيعية والمشاعر الإنسانية، مما يخلق تفاعلًا عميقًا مع المتلقي. يتجلى هذا من خلال استكشاف الأبعاد الجمالية والروحية للطبيعة، حيث تصبح الألوان والأنماط تجسيدًا لمشاعر متدفقة وتفاعلات حيوية.
يمثل الإيقاع البصري أحد العناصر الأساسية في أعمال "ليليان تيان". تتناغم الألوان والحركات في لوحاتها، مما يخلق شعورًا بالتدفق والحركة. الإيقاعات المتكررة، سواء كانت ناعمة أو قوية، تؤثر على كيفية استجابة العين والعقل، وتوجه المتلقي عبر فضاء العمل الفني. هذا النوع من الإيقاع يعكس ديناميكية الحياة نفسها، حيث تتداخل اللحظات الهادئة مع اللحظات المليئة بالطاقة.
تتميز أعمال تيان بالتجريد، حيث يتم استخدام الأشكال والألوان للتعبير عن المشاعر والأحاسيس بدلًا من تقديم تمثيل دقيق للواقع. هذا الأسلوب يتيح للمتلقي أن يتفاعل مع العمل الفني بطريقة شخصية، مما يمنحه حرية التأويل. الجمال في هذه الأعمال لا يكمن فقط في الألوان المستخدمة، بل في الطريقة التي تتفاعل بها هذه الألوان مع بعضها ومع الفضاء المحيط، مما يخلق تجربة حسية شاملة.
يمكن تحليل أعمال تيان من منظور نفسي، حيث تعكس استخداماتها للألوان والأشكال رغبة في استكشاف الذات والتواصل مع المشاعر الداخلية. الألوان الدافئة قد تعبر عن الحب والشغف، بينما الألوان الباردة قد تعكس الهدوء والتأمل. هذا التنوع يسمح بتجربة نفسية غنية، حيث يمكن للمتلقي أن يشعر بالتوتر أو السكينة بحسب تركيب اللوحة.
تحدث أعمال "ليليان تيان" تأثيرًا قويًا على المتلقي، إذ تدعوه للغوص في عمق التجربة الجمالية. التكرار والإيقاع يخلق شعورًا بالراحة والترقب، بينما الألوان المتباينة تضيف عنصر المفاجأة والتحدي. هذا التفاعل يرسخ العلاقة بين الفنان والمتلقي، ويحول العمل الفني إلى تجربة حية تتجاوز حدود الشكل.
يمكن اعتبار أعمال "ليليان تيان" تجسيدًا لإيقاع بصري يحمل في طياته معانٍ عميقة تتعلق بالإنسان والطبيعة. من خلال الجمع بين الجماليات والتعبير، تدعو الفنانة المتلقي للتفاعل مع أعمالها على مستويات متعددة، مما يخلق تجربة فنية شاملة تعكس تعقيدات المشاعر الإنسانية وتجليات الطبيعة.
Doha El Mol
dohamol67@gmail.com