روح الفن المتشكل ببساطة من أدوات أقرب للطبيعة.
ضحى عبدالرؤوف المل
تدمج "رشا قصير" (Racha Kassir) في رسوماتها تقنيات فنية تؤدي إلى خلق مزج تجريدي معاصر عبر مواد وأساليب تجمع القديم والجديد معًا، لتتولد رؤية فنية تحاكي ما هو مستوحى من أساليب عصور وسطى بدائية في تطلعاتها، ولكنها متمردة على الوسائل التقليدية من ريشة وغيرها، بل بلغة الحاضر الفني المتشكل من وسائل متعددة. فالمزج المتجذر من أشكال وعناصر يعيدنا إلى الخرمشة والكشط والحفر والنقش، والليونة الضوئية المتجسدة في ألوان الخطوط ومساراتها، والابتعاد عن الريشة وحركتها، معتمدة بذلك على روح الفن المتشكل ببساطة من أدوات أقرب للطبيعة، مثل الرمل والسماكة المؤثرة على أبعاد الخط وتعرجاته، وبصمة اليد وحركتها في خلق رسومات تحتوي أيضًا نوعًا من التركيب الإبداعي، ولكن ضمن محاكاة الجمال التجريدي الذي لم تنفصل عنه في لوحاتها. إنما تشكل من أسلوبها الجدلي في تمازج وتنافر المواد الفنية المستعملة في تشكيل اللوحة.
حس فني مرهف وصدى ألوان طبيعية في تمازجها، وانسجامها المؤدي إلى فتح الآفاق التجريدية وتخيلاتها الإيحائية في رؤية المدن أو الأبنية أو الشخوص عبر حركتها الحوارية الداخلية، السابحة بأفكار تنساب وتتدفق بين سماكة الألوان وشفافية الضوء، ولزوجة العتمة وانسكاب الظل الغامر للألوان الحارة المثقلة بمادة رملية ومادة صلبة، ومواد أخرى تمثل بتواجدها طبيعة تأوي إليها المادة، كنوع من جمالية إبداعية تعنى بتعبير يمتزج مع تجريدية لم تلمسها فرشاة بأسلوبها الإيقاعي، وإنما الأنامل القادرة على ترنيم إيقاعي يترجم كنه النفس الملامسة لجمالية الطبيعة، وبتجسيد ذي مقاييس ومعايير متصلة ببعضها البعض من حيث التنسيق في الظواهر الباطنية للأشكال والأحجام، والعناصر والجزئيات المتفاعلة بصريًا مع الخطوط والسينوغرافيا التي تشكل في محاكاتها للطبيعة تجريدًا رمليًا، وسماكة تحتم على حركة اليد رسومات هي بمثابة زخرفات أو نقوش شبيهة بالكشط أو بخرمشة إيقاعية تساهم في بناء اللوحة والتأثير على الحبك اللوني وتقنيته، ومعانيه وسطوعه ودرجاته الفاتحة والداكنة.
تتجرد الألوان في لوحات الفنانة "رشا قصير" من مؤثراتها الانطباعية المأخوذة من الطبيعة التجريدية، وبلغة مسبوكة بسماكة معاجين هي الأسس في بناء اللوحة وتشكيلها. إذ تتميز بالغنى البصري وبمشهد هو جزء من واقع التقطته بمخيلة فنية تحتاج من المتلقي المزيد من التفحص والتأمل، والإمعان في حركة اللوحة الداخلية التي نستشف منها جمالية تعتمد على خلق عناصرها المستقلة من خلال الخط، ولولبياته أحيانًا، أو من خلال الخط القاسي والرفيع في مساراته الضيقة بوصفه يمثل العلاقة الأساسية مع اللون على نطاق واسع.
يقول جورج سانتيانا: "لا بد للفنان من أن يرتد إلى الطبيعة في صبر وتواضع، محاولًا دراسة ما فيها من أشكال نموذجية، عاكفًا على تعميق أنماطها وتغيراتها، مهتمًا دائمًا بالعمل على ترويض خياله عن طريق هذا الاحتكاك المستمر بالعالم." فالتصور التخيلي للطبيعة وتشكيلاتها في عالم اللوحة المستندة إلى الأشكال التي نعكف على رؤيتها دائمًا، هي بمثابة مشهديات مكتملة العناصر من حيث الضوء والظل، والمساحة والحوار الداخلي والمحاكاة الباطنية في أدق أحاسيسها ومشاعرها، وجمالياتها المترجمة لحركة المادة وصعوبة انعكاساتها على الرؤية المتآلفة مع الطبيعة، والمتنافرة انطباعيًا عن تجريد تركته "رشا قصير" مختلطًا مع تركيب إبداعي تتفق معه في تشكيل الصورة التي تريدها أن تكون في عوالمها التشكيلية من خلال المادة الرملية المعجونة بالألوان القوية، الباردة منها والحارة.
حفر! نقوش! زخرفات، أشكال محدودة ضمن مساحات مفتوحة ذات تناقضات وتنسيق تختلف معانيه من حيث قيمة الخط الضعيف والقوي، وتشابكات الضوء المهيمن على الشكل، وغموضه المتسم بصراعات تتصف بلزوجة سميكة مخفية بتعرجات ندرك من خلالها جوهرية اللوحة، وعلاقتها بالرؤية الفنية بشكل عام، واستفزازها للمتلقي على التأمل لمعرفة ماهية تكوينها أو تفسيراتها السينوغرافية المدركة لحقيقة الطبيعة والمكتنفة بأسرار تركتها "رشا القصير" لتخلق علامات تعجب في لوحاتها ذات الجمال الفني النابع من الأحاسيس والمشاعر، والعواطف المترجمة للوعي الوجداني في لمس كل حركة طبيعية جذابة للبصر، وقادرة على محاكاة النفس بوجدانية خط أو لون أو ضوء وظل أو حتى مفارقات العتمة من خلال الألوان الداكنة، والجمع بين الحار والحار.
ينساح البصر بين الخطوط وتموجاتها السلبية والإيجابية، وضمن إضاءات لم تهمل جوانبها المضمونية الفنانة "رشا القصير". إذ تبرز أهمية الخطوط من خلال عمقها واتجاهاتها، ومعانيها كرسوم قلم رصاص أو كشط آلة حادة، بينما هي تهدف إلى خلق تحديات مبنية على حركة الأنامل واليد الموصولة ذهنيًا بقوة الملاحظة، والمدعومة برؤية متحررة من المدينة، والأبنية وكل ما من شأنه أن يسبب الاكتظاظ البصري بمعناه المادي، لتحرر الجمال من خلال الألوان وطبيعتها في إثارة البصر والذهن، وضمن حركة الجمادات التي تتمثل بخارطة أو ورقة أو حتى كلمات مركبة، وهي من خواص أسلوبها الفني المعاصر في ظاهره وفي منظوره الظاهري.
برؤية أخرى يعد الإيقاع البصري عنصرًا محوريًا في الأعمال الفنية، حيث يتشكل من تكرار العناصر البصرية والتباين بينها، مما يخلق حركة وسلاسة في التفاعل مع العمل الفني. في أعمال "رشا قصير"، يتجلى الإيقاع من خلال تنقل العين بين الألوان والخطوط، مما يعكس تفاعلًا مستمرًا بين الحركات السلبية والإيجابية. تتشابك الأشكال، وتنبض الحركة في كل زاوية، مما يتيح للمتلقي استكشاف العمل بعمق.
تتناول أعمال "رشا قصير" موضوعات مستوحاة من الطبيعة، تمزج بين التجريد والواقعية، مما يعكس تأملها في جماليات العالم من حولها. تنقل لوحاتها شعورًا قويًا بالارتباط بين العناصر الطبيعية والفنية، حيث يبرز التجريد كوسيلة للتعبير عن المشاعر الداخلية وملامح الحياة. إذ يمكن فهم أعمال الفنانة كوسيلة للتعبير عن الذات. تبرز الألوان الجريئة والتفاصيل الدقيقة مشاعر متنوعة، من الحزن إلى الفرح، مما يجعل المتلقي يشعر بتجارب إنسانية مشتركة. يساهم الإيقاع في خلق حالة من الاستجابة العاطفية، حيث يتفاعل المشاهد مع الأعمال بشكل يعكس حالته النفسية.
تستخدم "رشا قصير" تقنيات مختلفة، مثل الخرمشة والكشط، لتجسد أفكارها بطرق مبتكرة. إن أسلوبها في دمج الألوان والمواد يعكس انفتاحًا على التجربة الإبداعية، حيث يتجلى تفاعلها مع المواد كجزء من عملية التعبير عن الذات. يتسم عملها بالشجاعة والتمرد على الأساليب التقليدية، مما يمنحها صوتًا فنيًا فريدًا.
تتسم الأعمال بجمالية مدهشة، حيث تبرز الألوان القوية والتباين بين الضوء والظل. تعكس الألوان تنوع المشاعر، وتخلق جوًا من الغموض والجاذبية. يعتمد جمال العمل على التفاعل بين العناصر، مما يسهم في خلق تجربة بصرية شاملة.
تجسد أعمال "رشا قصير" توازنًا بين الإيقاع البصري والمشاعر الإنسانية، مما يجعلها تجربة فنية غنية. من خلال المزج بين التجريد والواقعية، تتيح الفنانة للمتلقي استكشاف عالم داخلي مليء بالتعقيدات، مما يعكس عمق التجربة الإنسانية. إن الإيقاع البصري في أعمالها ليس مجرد أداة، بل هو لغة تعبر عن التجربة الحياتية والتواصل الروحي.
Doha El Mol
dohamol67@gmail.com