المعقول واللامعقول في اللوحة التشكيلية الثائرة عن الأنماط التقليدية
ضحى عبدالرؤوف المل
تنتظم قوة التقاطعات الثلاثية الأبعاد في رسومات الفنان الفرنسي بول سرّاسات، التي تستحضر إيقاعات الموسيقى وفق الرؤية البنائية المتطورة، أو التي تم تحديثها عن البنائية الروسية، وظلالها الفنية في لوحات تضم مجموعة كائنات أو أشكال رياضية أو خطوط هندسية تنوعت في اتجاهاتها وموسيقاها البصرية. وتأثيرات الصدى وأبعادها الفنية بين الخط واللون، والتقطيع الهندسي أو الجيومتري بتعددية التصوير، والتنظيم المرتبط بتغيرات المجتمع أو تغيرات الزمن وتأثيره على المكان والإنسان من خلال الفن المفعم بالحيوية، والجامح بخطوطه الديناميكية المبنية على تدرجات الحركة للخطوط الساكنة مع الألوان أو العكس. أي الخطوط بين الألوان الباردة والحارة أو بين الأبيض والأسود، والظل والضوء من وجهة نظر إعادة تنظيم الظلال.
إذ يهدف من خلال هذا الأسلوب الفني إلى تغيير نظام الشكل والسيطرة على موسيقاه البصرية، أو إيقاعاته وتردداته أو ذبذباته المؤدية إلى خلق جمالية تناظرية ذات مفردات حركية تتزاحم فيها التصورات التخيلية أو التصويرات المتقطعة، بتوازن، وبتفصيل هو تعبير عن نسيج يحتفظ من خلاله بول سرّاسات بمذهب خاص في الفن التشكيلي الذي انتهجه، محتفظاً بأبعاده القديمة والجديدة من خلال خلق الصدى البصري بمختلف معانيه وتطويره، ليُفهم والخروج من بوتقة الفن الوظيفي إلى الفن المعقول واللامعقول في آن.
تجتاح لوحات الفنان بول سرّاسات البصر، فتجعله يجمع القطع الفنية أو الهندسية أو التصويرية وغير ذلك، ويفرقها، ومن ثم يحاول تنظيمها لإعادة فهمها في كل مرة تتكرر فيها التكوينات المختلفة للأشكال. وبعفوية يتكيف معها المضمون القائم على إعادة تأهيل الشكل والصورة، والمزج بين المعقول واللامعقول بتفصيل غرائبي نوعاً ما. لكنه يمجد التقطيع القائم على تنظيم المخزون المتخيل عبر اللوحة أو إعادة البناء البصري المتذبذب بين إيقاعات القديم والجديد في الفن المعاصر، وقدرته على الاكتشاف أو الاستنباط أو إعادة بناء الأفكار بتنظيمها عشوائياً، لتكون قادرة على وضع أسس جديدة لرؤية ذات أبعاد مختلفة. مما يمنح الرؤية البصرية التناقض والانسجام مع المعقول واللامعقول أو رصد الحركة لإدخالها في الأبعاد الثلاثية، ورسم الذبذبات الناتجة عن الاختلاف بين الأشكال والألوان، خاصة التي تعتمد على نفس الدرجات الصوتية واللونية والحجم والطول، وغيرها.
يجمع الفنان بول سرّاسات في لوحاته بين الرسم والنحت، وبخصائص المرونة والصلابة بين الأشكال والخطوط والألوان، التي تشكل نوعاً من الانضباط في عفوية بنائية تهدف إلى بث التغيرات أو الاحتجاج على الشكل الواحد أو الشكل التقليدي. إذ تبدو الأشكال في لوحاته منفصلة ومتلاحمة، ويمكن تفكيكها وتركيبها وفق المخزون التخيلي لمتأمل لها، أو لمن يغوص في أعماقها، ويحاول البحث عن العلاقات المكانية للخط الفاصل بين أزمنة مختلفة تتوالف معها الألوان الأحادية والشكل الهندسي أو الخطوط الإيقاعية المنبثقة عن قوة الحركة، كنوع مستقل عن الرؤى التشكيلية الأخرى وزخرفيتها، وإن توافق معها في الأسس والمقاييس والمعايير. لكنه خرج عنها لمواجهة المعقول واللامعقول في اللوحة التشكيلية الثائرة عن الأنماط التقليدية في الفن وأبعاده، وما يترجمه من أحاسيس وأفكار، سواء كان ثائراً أو بنائياً أو عشوائياً أو حتى من مواجهة لتغيرات تفرض نفسها على الأفكار. بكفاءة تعيدنا إلى تطوير العالم المادي من خلال خلط الأشكال والاعتماد على العلاقات البصرية فيما بينها، لتؤدي بموسيقاها أو إيقاعاتها إلى خلق التكوين أو النسيج المتآلف وفق تناقضات مختلفة وضعها بول سرّاسات ضمن لوحة هي أشبه بقطع نحتية تمثل قوة التصور والإدراك في الفن التشكيلي.
برؤية أخرى تعتبر أعمال الفنان الفرنسي بول سرّاسات تجسيداً للإيقاع البصري، حيث تتداخل فيها الأشكال، الألوان، والخطوط لتخلق تجربة بصرية فريدة تعبر عن المعقول واللامعقول. يتميز أسلوبه بالتوازن بين الديناميكية والسكون، مما يسمح للمشاهد بالتفاعل مع العمل بشكل عميق.
عند مشاهدة لوحات بول سرّاسات، يُلاحظ تأثير الإيقاع البصري بشكل فوري. الألوان القوية والخطوط الديناميكية تمنح اللوحة إحساساً بالحركة، مما يعكس قوة تعبيرية متدفقة. تُظهر الأعمال كيف يمكن للألوان أن تنبض بالحياة، مما يجذب انتباه المشاهد ويدعوه لاستكشاف التفاصيل. كما يستخدم سرّاسات التكرار كوسيلة لإنشاء إيقاع بصري متوازن. الأشكال الهندسية المتكررة تُضيف بعداً من الانتظام، بينما تُعزز الحركة من خلال تباين العناصر. هذا الاستخدام الذكي للتكرار يجعل المشاهد يتفاعل مع العمل، مما يُشعره بالتناغم بين الأشكال والألوان.
تتجلى الجمالية في أعماله من خلال المزج بين الألوان الباردة والحارة، حيث يعكس التباين بينهما مشاعر مختلفة. هذه الجمالية تُعزز من إحساس المشاهد وتجعله يتفاعل مع العمل على مستويات متعددة، سواء من خلال التأمل أو الاستكشاف.إذ يمكن اعتبار الإيقاع البصري في أعمال سرّاسات شبيهاً بالإيقاع الموسيقي، حيث تتناغم العناصر البصرية كما تتناغم النغمات الموسيقية. كل شكل ولون يُساهم في خلق لحن بصري فريد، مما يعكس قدرة سرّاسات على الدمج بين الفنون المختلفة في تجربة متكاملة.
في النهاية، يمثل الإيقاع البصري في أعمال بول سرّاسات نقطة انطلاق لفهم عمق الفن التشكيلي المعاصر. من خلال دمج العناصر المختلفة في لوحة واحدة، يتمكن من التعبير عن أفكار معقدة ويمنح المشاهد تجربة بصرية غنية. إذ تجسد أعمال بول سرّاسات تفاعلاً ديناميكياً بين الأشكال والألوان، مما يجعلها محط اهتمام دائم. من خلال الإيقاع البصري، يقدم لنا رؤية جديدة للفن تعكس جماليات معاصرة وتفتح آفاقاً للتفكير في العلاقة بين الفن والمشاهد.
Doha El Mol
dohamol67@gmail.com