مفاتيح العمل الفني الموجه إلى المجتمعات الإنسانية

ضحى عبدالرؤوف المل

يتشبث الفنان الإيطالي "ميشيل أنجلو بيستوليتو" (Michelangelo Pistoletto) بأصول الجمال المتواضع في مواصفاته، والعميق في نظرته، مع تمسكه بمساحات العرض المفاهيمي الكلاسيكية. ويتوجه بأعماله الفنية ذات النظرة المعاصرة بمضمونها نحو الرؤية الخلاقة، حيث يستقرأ مع المتلقي تفاصيل نظرته الازدواجية المرتبطة بالفن والحياة اليومية، بمختلف أضدادها وتفاصيلها البسيطة التي لا تخطر على البال من حيث المواد التي يلتقطها. ليجسد من خلالها أعماله غير مكترث بقوانين الفن التشكيلي أو بقواعد الفن المفاهيمي الإبداعي. إلا أن لمقاييسه رؤية تضع أعماله في عوالم خاصة، إذ يفتح فضاءات الخيال نحو الواقع المتأزم بأضداده الغنية والفقيرة، لتبرز المعاني الفنية من خلال الإنسان وأحاسيسه ومشاعره، والحدس المسيطر على الواقع بكافة مجالاته حتى بما يخص الذات، ومواضيع التأمل والتوحد مع العمل الفني وأبعاده الزمنية التي تجمع بمعطياته الماضي، الحاضر والمستقبل في بوتقة أفكار مفاهيمية هي الجزء المهم في تقنيته الفنية، التي تمثل لغة يستخدمها "ميشيل أنجلو بيستوليتو" في تكوين لغة انعكاسية غنية في ملامحها الحياتية وأنماطها الدينامية والكلاسيكية في آن.

يستقصي بدقة الفنان "ميشيل أنجلو بيستوليتو" التفاصيل البيئية البنيوية القادرة على خلق دلالات ذات مؤثرات فكرية ورؤية حركية وبصرية تجعلنا نرى حقائق الحياة من خلال الفن أو المشهد الجمالي، وأبعاده التصويرية التي تفيض متعة عقلانية تدفع بالمتلقي إلى استكشاف تفاصيل أعماله، وماهية الرؤية النابضة بالحياة، وبشحنات تخيلية تسري في النفس، وكأننا نرى الذات عبر أزمان مختلفة، وعوالم مبنية من إيحاءات تستنهض بفطرتها الفنية الحس الإنساني المؤدي إلى إثارة الذهن، وحثه على التفكر في باطن العمل الفني، ومعناه الفلسفي والحركي وبطوباوية تنطوي على أسس تجريد الإنسان من النوازع المسيطرة على وعيه، محاولاً بذلك اكتشاف الجوهر الفني في أي فكرة انبثقت وتم تنفيذها بدقة تعكس الواقع الإنساني ومجتمعاته بمختلف اتجاهاتها أو نظرتها للحياة.

يؤمن الفنان "ميشيل أنجلو بيستوليتو" بما نراه في الواقع، ولكن ضمن أبعاد تتشكل مع الحركة، كتلك المرايا التي ترسم نفسها بنفسها أمام المتلقي، وكأنها تتشكل معه مفاهيمه الرياضية، لتحديد رؤيته وتفاصيلها (أمام، خلف، كبير، صغير) ومن ارتسم في الداخل أو في الخارج، ليتساءل كل شخص: كيف أترجم ذاتي مع الآخرين؟ وما إلى ذلك من عصف ذهني يؤدي دوره كمجتمع فني يؤدي تحليلاته، وتفاعلاته في خلق تناغمات وتضادات نفسية متعددة، منفصلة ومتصلة مع العناصر التكوينية الشبيهة بالكون أو العالم أو المجتمع البيئي الصغير أو محيط مكان ما مؤطر بفن يحاكي بمصطلحاته البصرية رمزية الفن الحياتي، المتكون من مفاهيم معرفية وسلوكية، هي وليدة فكرة تطورت وفقاً لحكمة ما زالت في طور التجدد الفني عند بيستوليتو. إذ تبدو فكرة التكامل الفني المتجددة ذاتياً مع تطلعات المجتمعات في تطوير ذاتها ملموسة في أعماله المسماة فن الفقير (Art Povera).

عناصر طبيعية واصطناعية وأشكال تجسدها لحظة ما مستوحاة من تصورات رياضية لا متناهية تتقاطع من خلالها المفاهيم، لنسأل ونحن في أوج التفكير بماهية العمل: ما هذا؟ ولماذا هذه الوسائل الفنية لتكوين العمل المفهومي؟ وما هي المحاور الأساسية في تطوير العمل الفني؟ ليوحي بقوة المعرفة عبر الأزمنة وتطورها أيضاً، من كلاسيكية إلى هيب هوب إلى الفن الحديث والمعاصر، ومن خلال نظرة تحديثية لمفاهيم حسية تحدث في إيقاعاتها الداخلية، أي عبر الخيال والمعنى التعبيري المجرد من التصورات الأحادية. إذ تتسع آفاق العناصر الإنسانية في أعماله نحو قوة المجتمعات الفقيرة في غناها الفكري.

تزخر أعمال الفنان "ميشيل أنجلو بيستوليتو" بانفعالات فنية أبرز سماتها الرؤيوية هي الانفتاح والاتساع والانطلاق من الداخل إلى الخارج وبالعكس، حيث تتصالح الأطراف البنائية المساعدة في تكوين العمل مع بعضها البعض، وعبر مفهومي الاسترسال والاستطراد. لخلق نوع من محاكاة لا يمكن التحرر منها عند المتلقي، وكأن الفكر يلتصق بجوهر العمل محاولاً اكتشاف الفكرة وعواملها، وصلتها بالمجتمع والحياة والفن، والمقاييس، والمعايير، والمساحات التي تختزل بمضمونها كل تصوير فني ذي خصائص وأساليب يتوجه بها إلى كافة أنواع الأذواق، والأعمار، ومن خلال الحركة البصرية والمحاكاة العقلانية والوجدانية. ليملأ الحس بفن غني بموضوعاته الإنسانية، بما فيها تصوير الرؤى المفاهيمية وتقسيمها، الرؤية البصرية، الرؤية الرياضية، الرؤية الحياتية، والرؤية المجتمعية، والرؤية الفنية، ليرصد بذلك معاني فنية تتضمن إشارات تؤثر في النفس وتتجلى من خلال اللحظة المناسبة في تأمل العمل، أي إدراك معنى العمل من خلال المتأمل لأعماله.

تخضع أعمال الفنان "ميشيل أنجلو بيستوليتو" لخصائص حسية لا متناهية. إذ يضبطها إيقاعياً بموازين ومقاييس تتناسب مع المجتمعات كافة، وفي أي زمن أو مكان كانت، حيث تنفلت منطقياً، لتنعطف مع المقاييس نحو التصوير الحركي متجاوزاً بذلك حاسة الفن البصري إلى مختلف الحواس الأخرى، كما أن الترابط بين الشكل والمعنى المتعدد في إيحاءاته التخيلية المساعدة في إخراج الصورة إلى الواقع، حيث تصبح ذات أهمية في التأثر والتأثير، لتمنح المتلقي مزيداً من الانفعالات الوجدانية المؤدية إلى فهم مفاتيح العمل الفني الموجه إلى المجتمعات الإنسانية التي بات كل إنسان فيها يترجم ذاته بمعنى مختلف، وهذا يظهر بشكل خاص في المرايا وطبيعتها المرنة.

برؤية أخرى يظهر الإيقاع البصري في أعمال بيستوليتو من خلال تنوع العناصر الفنية واستخدامه للأشكال الطبيعية والاصطناعية. كل عنصر يُضاف إلى العمل لا ينفصل عن الإيقاع العام، بل يعزز من حركة العمل ويخلق تدفقًا بصريًا يجذب المتلقي. الإيقاع يتجلى أيضًا من خلال تكرار الأشكال أو الألوان، مما يسهم في خلق إحساس بالحيوية والديناميكية.

يستخدم بيستوليتو التباين بين الألوان والأشكال لخلق تأثيرات بصرية قوية. فعلى سبيل المثال، استخدامه للألوان الدافئة مقابل الألوان الباردة يعكس تضاد الواقع الإنساني. هذا التباين لا يخلق فقط تفاعلًا بصريًا، بل يعكس أيضًا صراعًا داخليًا يعبر عن مختلف جوانب الحياة اليومية.

الفراغ في أعماله يُستخدم بشكل مدروس. فالمساحات الفارغة تعزز من قوة العناصر الموجودة، مما يعطي إحساسًا بالتوازن. الحركة، التي تتجلى في طريقة توزيع العناصر، تخلق شعورًا بالحيوية. كما أن الحركة يمكن أن تتأثر بتوجه العين نحو النقاط البارزة في العمل، مما يسهل تجربة المشاهدة ويعزز من الانغماس في المعنى.

تعكس الأعمال الفنية لبيستوليتو مشاعر إنسانية عميقة، حيث يتفاعل المتلقي مع الأعمال من خلال استكشاف حالات الشعور المختلفة. تُعبر الألوان والأشكال عن مشاعر الفرح، الحزن، والأمل، مما يجعل المشاهد ينغمس في تجربة عاطفية شخصية.

من خلال استخدامه للمواد البسيطة والأفكار المعقدة، يُعبر بيستوليتو عن هويته كفنان ينتمي إلى واقع معاصر. تجسد أعماله صراع الإنسان المعاصر، وتحمل في طياتها رسائل تعكس التحديات الاجتماعية والثقافية. هذا يعكس قدرة الفن على أن يكون وسيلة للتعبير عن الذات وفهم العالم.

يدعو بيستوليتو من خلال أعماله إلى التفكير في كيفية استخدام الفن كأداة للتغيير الاجتماعي. يسلط الضوء على الفقر والغنى، ويُظهر كيف يمكن للفن أن يعكس التوترات بين هذين المفهومين. هذه الرؤية تعزز من فكرة أن الفن ليس مجرد جمالية بصرية، بل هو أيضاً وسيلة للتعبير عن القضايا الإنسانية. يتضح أن أعمال "ميشيل أنجلو بيستوليتو" تمثل تجربة فنية غنية تتداخل فيها العناصر الحسية والبصرية مع القضايا الاجتماعية والإنسانية.

معرض الفنان " ميشال انجلو بيستوليتو" Michelangelo Pistoletto) ) برعاية سوليدير وغاليري كونتينوا وغاليري تانيت للأعمال الفنية ومؤسسة PistolettoCitadellArte) ( في مركز بيروت للمعارض) Beirut Exhibition Center)كانون الثاني 2015

Doha El Mol

dohamol67@gmail.com