مفهوم الكوميديا السوداء في الرسومات الإعلانية
ضحى عبدالرؤوف المل
تتخذ أشكال الرسومات في أعمال الفنان "برنارد حج" (Bernard Hage) والملقب "بوو" (boo) نوعًا من السخرية السوداء الفنية الهادفة إلى خلق مقارنات إعلانية تؤثر على المجتمع بسلبياتها وإيجابياتها. إذ تشاغب أقلام الفنان "بوو" ذاتها لتترجم معاني لغتها الفنية من خلال رسومات تحاكي المجتمعات بضحكة تؤثر على درامية المعنى الكاريكاتوري المنبعث من شخوصه الإعلانية، المرسومة فنيًا بدقة بصرية، تتسرب إلى الحواس لتعكس بأضوائها المضمونية قيمة الرسم الإعلاني أو بالأحرى الرسم الكوميدي المشاغب، وتأثره بالمضمون وبمحتويات قد تحمل في طياتها ما هو مفيد أو ما هو مسيء للإنسان. فهل يحاول الفنان "بوو" إلقاء الضوء على هذا النوع من الفن، أم أن الاهتمام بلغة الرسم الإعلاني هو جزء من اهتمامات المجتمعات، لتبنى بشكل يتوافق مع الحس البصري ومفهوم الكوميديا السوداء في الرسومات الإعلانية؟
خريشات ليست بالعشوائية، ولا تتميز بعفوية الأداء بل مدروسة بخطوطها ذات البعد الفني المتوازن بصريًا، وبعمق رؤيوي يؤدي دوره في ترسيخ المعنى في ذهن المتلقي. إذ يتخطى السخرية بخفة القلم أو بدقة الخط وتشابكه، وانعكاسه واتجاهاته في تشكيل الصورة الغرائبية التي تحمل بطابعها انتقادات مضحكة مبكية، منها الموجه إلى الإعلان، ومنها الموجه إلى الفكر لاستكشاف المعنى، وللاستبصار بما يتوافق مع مصطلح الكاريكاتير ويتناقض مع مصطلح التشكيل. فهو بضع رسوماته كأساس بصري حاضر بقوة الشكل المترجم لحالة ما أو لموضوع يهتم بمنتج إعلاني ذي وجهين مختلفين. فالخارج ربما لا يتطابق مع الداخل، والسخرية موجهة لبديهية الحس الوجداني، ولفكر يلتقط المعنى الحركي لاتجاهات الخطوط المتعاكسة التي تتشكل منها رسومات الفنان "بوو" الموجهة إعلانيًا إلى بيئة اجتماعية تحمل مفاتيح الفشل أو النجاح، لمنتج إعلاني قد يضر ولا ينفع، وبالعكس. وهذا ما يحاول إيصاله في معرضه هذا. فالخلاصة الفنية هي انعكاسات الكوميديا السوداء في رسومات ذات تأثير سلبي أو إيجابي على الإنسان بشكل خاص وعلى البيئة بشكل عام.
زوايا متعددة ينطلق منها الفنان "بوو" لتجسيد أفكاره العميقة من خلال شكل قد لا يبدو بالأهمية التي يظهر من خلالها، كشمعة تحترق أو عبوة فارغة مهيأة للرمي أو حتى رأس إنسان مشتعل. فالضغط النفسي المحسوس في شخوصه يرمز إلى المعاناة الإنسانية التي تلجأ إلى التخفيف عن الذات من خلال التعبيرات التي تطلقها الرؤوس والأفواه والعيون. فالتركيز على الملامح الخارجية يوحي بما في الداخل من تأثيرات أخرى هي الأقوى في معانيها، وبنائها المتكامل فنيًا من حيث ترجمة الأفكار الموجعة أو المعاناة البيئية أو حتى تلك التي لا تثير انتباه الإنسان في الحياة وقد تشكل عدة أخطار له دون الاهتمام بها. فالتفاصيل الدقيقة في الملامح التي يبالغ بها في رسوماته هي نوع من الاستبطان المرئي الموجه إلى المجتمع بشكل متخيل نستخرج منه الصور الواقعية لأشياء من حولنا، وهي ذات أهمية بتأثيراتها على الإنسان.
يبتكر الفنان "بوو" رسوماته من رؤية أو من كلمة أو من معنى ساخر استنبشه من حالة نقدية ذاتية لا ثبات فيها، لخلق تفاعلات بصرية غير محصورة بمفهوم إيجابي فقط، إنما ليظهر عدة وجوه مختلفة يتفاعل معها المتلقي كل وفق نظرته لمفهوم اللغة الإعلانية، وتوجهاتها الفكرية والبصرية حيث يفرض الحركة على الخطوط، كما يفرضها على منظومته الفنية المقروءة حسياً، وبفهم انتقادي لمادة إعلانية تحدد مسار المعنى الذي لا يمكن حصره في الشكل. إذ تسيطر على الرؤية العامة للصورة فكرة معقدة يعالج من خلالها لغة الصورة الإعلانية، ومؤثراتها المفتوحة الفضاءات نحو ملامح تتصارع فيما بينها، لتتضح قيمة الأفكار القادرة على بث تأثيراتها في صورة تجتاح الحواس بمعناها من خلال الشكل وتحولاته وقيمته التعبيرية.
مفاهيم إعلانية تنطلق مع المضمون في معرض ضم عدة رسومات، تحاكي الخيال بواقعها المتسع، بتفاصيل نظمها من خلال شخوص اجتمعت في لوحات وضعها على مسرح فني ارتبط بفكرة مستوحاة من الحياة، وتفاصيلها الروتينية بمعزل عن انعكاسات الأضواء الإعلانية على البصر، وما تتسبب به جمالياً أو بالعكس، أو بمعنى أصح القبيح الجميل من حيث اللمسة الفنية وبساطتها في الأداء الشكلي المتميز بسخرية الشكل الإعلاني، وإبراز أهميته وخطورته الفنية المحملة بأحاسيس الفنان ومفهومه الحياتي بشكل عام.
تمتاز رسومات الفنان "بوو" برشاقة الخط وخفة الموضوع، وبطبيعة شخوصه التي ترمز إلى نوعيات معينة من منتجات أو أشياء نراها ضمن الإعلانات أو من حولنا. فما يبدو كفن تجاري إعلاني هو جزء من ثقافة المجتمع المتفاعل بلغة العصر الحديث، ومتطلباته المتميزة في الأفكار والأشكال والصور، وما إلى ذلك من عناصر فنية نراها على التلفزيونات أو على الطرقات أو حتى كشعارات ترغيبية للشراء أو للبيع. ولكن "بوو" اعتمد في رسوماته على حركة فنية معاصرة تحاكي القديم وتتماشى مع كلاسيكية الفن الكاريكاتيري، وتنتقد اللغة الإعلانية برسومات تهدف إلى جذب بصري يعكس اتجاهات فنية مختلفة وبروح الفكاهة الإعلانية المبطنة.
برؤية أخرى أعمال الفنان "بوو" (برنارد حج) تُعد تجسيدًا للكوميديا السوداء، حيث يمزج بين السخرية والعمق الفكري في رسوماته. يستخدم هذه التقنية لإيصال رسائل قوية عن المجتمع، ويقدم رؤية فنية تتجاوز السطح، مما يجعلها تجربة فريدة للمتلقي. إذتتميز أعمال "بوو" بالأسلوب الكاريكاتيري الذي يجمع بين التفاصيل الدقيقة والتبسيط الجمالي. الألوان المستخدمة غالبًا ما تعكس مشاعر متناقضة؛ الألوان الداكنة تعبر عن الحزن أو اللامبالاة، بينما الألوان الزاهية تضفي لمسة من السخرية. هذا التباين يعكس الصراع الداخلي للشخصيات ويعزز من عمق المعنى.
الإيقاع في أعمال "بوو" يتجلى من خلال توزيع العناصر بشكل مبتكر، مما يخلق تدفقًا بصريًا جذابًا. الشخصيات تتفاعل بشكل ديناميكي، مما يجعل المشاهد يشعر بحيوية اللوحة. هذا الإيقاع يسهم في جذب الانتباه إلى التفاصيل الدقيقة ويعزز من تجربة المشاهدة، حيث يجذب العين إلى العناصر الأساسية ويترك انطباعًا قويًا.
تقدم أعمال "بوو" نقدًا اجتماعيًا حادًا، حيث يتناول قضايا مثل الاستهلاك، الفساد، والمعاناة الإنسانية. عبر تصويره لشخوص تعكس هذه القضايا، يُظهر الفنان كيف يمكن للكوميديا السوداء أن تكون وسيلة فعالة لطرح أسئلة صعبة. هذا التوجه يثير الوعي ويحفز النقاش حول الموضوعات المهمة.
تدعو أعمال "بوو" المتلقي للتفكير والتفاعل معها على مستويات متعددة. الكوميديا السوداء في رسوماته ليست مجرد تسلية، بل هي دعوة للتأمل في القضايا الاجتماعية والنفسية. الأسلوب الفريد يجذب الانتباه، ولكنه أيضًا يحث على البحث عن المعاني الأعمق.
تعتبر أعمال "بوو" تجسيدًا فنيًا للكوميديا السوداء، حيث يتداخل الجمال مع النقد الفكري. عبر إيقاعه البصري وتعبيره الجمالي، يخلق الفنان تجربة فريدة تأخذ المتلقي في رحلة لاستكشاف جوانب معقدة من الحياة الإنسانية. هذا التركيب المبدع يجعل من أعماله أدوات قوية للتواصل والتغيير الاجتماعي.
Doha El Mol
dohamol67@gmail.com