عدسة فوتوغرافية تعتمد على العلو والاتساع في التقاطها التصويري...
ضحى عبدالرؤوف المل
يعتني الفنان الفوتوغرافي "جورج حداد" (George Haddad) بالضوء وتوزيعاته عبر صوره الليلية التي تعتمد على إيقاع ضوء يخضع لمراحل مختلفة من عدسة فوتوغرافية تعتمد على العلو والاتساع في التقاطها التصويري، ليظهر المعنى من خلال صورة تكتظ فيها الأضواء التي تحيط بها عتمة تنشق من بين أبنية تشع منها مفاهيم الأضواء في المدن، ومؤثراتها البصرية المؤدية إلى توزيع نقاط هي بمثابة خطوط ضوئية يعكسها بأسلوب فني يمنح الصورة رؤية مدينة بيروت أثناء ليل يشع بالأضواء والانعكاسات، المفتوحة سينوغرافياً على مفهومي الضوء والعتمة. فأساسيات التصوير الضوئي في صوره ذات أسس فوتوغرافية تلتزم بالمسارات الضوئية ذات الجمالية المضمونية والأسلوبية من حيث مساحة الصورة وعمقها وجوانبها، وأطرها المحدودة الأطراف وبقياسات تحتاج لقطة فنية ضمن زمن محدد ومعايير ضوئية خاصة.
خاصية تصويرية ذات منظور فوتوغرافي متسع جغرافياً، أي ضمن مساحة تصويرية قصوى تضمها العدسة، لتخرج بتباين تفصيلي واضح المعالم، ويعتمد على أهداف مختلفة تتخذ من الانعكاسات الضوئية بداية لها. فالليل الظاهر في صور الفنان الفوتوغرافي "جورج حداد" هو تحدٍ لعدسة تلتقط تفاصيل الأضواء في المدن، وضمن ظواهر مرئية نستنبط من خلالها المسافات الضيقة الفاصلة بين أسطح أبنية مدّها، كمجسمات ملتقطة من الجو. إلا أنها ممدودة ضمن خط عدسة انعكاسية مائلة موجهة على نقطة ضوء واحدة، لتتوازن المساحات المتسعة الحساسة ضوئياً مع الليل أو العتمة، وببطء ساهم في خلق حيوية منحت الصورة تباينات فوتوغرافية ذات جمالية ليلية خاصة.
معالجات فنية متوازية مع العدسة واليد، ورؤية الالتقاط البصري الدقيق في معاييره اللحظية. أي التي تعتمد على نوعية الالتقاط الرصين المحدد الأهداف، وضمن الارتفاع والانخفاض المدروس بصرياً، لتتساوى معادلة الضوء والعتمة مع الانعكاسات وقدرة العدسة، ونوعيتها على التقاط التفاصيل الرياضية في ميزتها التناظرية والتحليلية، والكفاءة التصويرية المتزنة برؤيتها بشكل عام. إذ تبدو ماهية الأسطح مع الأبنية المرتفعة والمنخفضة والشاشات الضوئية البارزة في مدينة بيروت مع أشكال تبدو كمربعات ومستطيلات تغطي مساحات بصرية، تعتبر كنوع من تلوث بصري ليلي يمنع الإنسان من لذة تأملات تخطف من الليل متعة جماله في مدينة تزداد فيها كثافة الأبنية، كما تزداد فيها الشاشات الإعلانية على الطرقات والأبنية.
مساحة تصويرية مفتوحة على معالم معينة أراد إظهارها الفنان "جورج حداد" تتراوح ما بين قصيرة المدى وبعيدة المدى، ليمزج الدقة مع البساطة، والتكلف مع التقنية وضمن معادلة واقعية وظفها في إخراج موضوعي يهدف إلى رؤية تعتمد على مفاهيم مضمونية تخدم الصورة من حيث المفهوم والأسلوب، ونقاط التحكم الذاتي مع العدسة وحساسيتها، وأيضاً جودتها الرقمية ذات التقنية المرتكزة على الانعكاسات الضوئية وقدرتها على التباين. فتشكيلات العناصر الفنية المتلائمة مع اللقطة الحاسمة أثناء التصوير أو رؤية الكادر النهائي للصورة، ومضمونها يحتاج لفترة زمنية تحدد بعقلانية رؤية تجمع موضوعها وعناصرها. لتخرج ضمن مواصفات حددها لتلائم ما يريد إظهاره، ومن خلال عناصر تكوين تحتاج أيضاً لتحضير مسبق قد يحتاج لسنوات، وفي هذا قدرة على تمييز الخطوط التي يريد تصويرها داخلياً، أي من حيث الخطوط الضوئية الأفقية والمائلة والرأسية أيضاً، وبتماسك مبني على الأبنية وتشكلاتها وأبعادها الرأسية مقارنة مع الضوء والعتمة، والأشكال التي تجسد الشاشات الضوئية، أي المربعات والمستطيلات.
ما بين الخطوط الرأسية الكثيفة فوتوغرافياً، والخطوط الأفقية استراحات لنقاط ضوء توحي بضخامة الأبنية وامتداداتها السكنية، المتميزة ببقع الضوء المثيرة بصرياً، والتي تتسم بضجيج ضوئي بصري يؤثر على العين في المدن. فالتكوين التصويري الذي اعتمده الفنان "جورج حداد" لا يثير الملل عند المتلقي، بل يساعد على تحفيز الحواس لرؤية الأضرار البصرية التي تتسبب في انخفاض الجاذبية البصرية، وتشتت البصر من كثرة الأضواء الاصطناعية المتسعة كالشاشات الإلكترونية على الأسطح، وبين الأبنية وعلى الطرقات، وهذا يؤثر على حركة العين، كما يؤثر على حركة العدسة الفوتوغرافية التي تحتاج لمجهود مضاعف في التقاط كل تلك العناصر، ضمن صورة واحدة متوازنة في المعنى والمبنى والمضمون والأسلوب. ليمنح الإحساس نوعاً من الهدوء والاسترخاء وديناميكية ضوئية تتسم بالحركة رغم سكون الليل الذي تفتقده المدن الكبرى.
استطاع الفنان "جورج حداد" أن يقود بصر المتلقي مع عدسته، وما أظهرته من معادلات فوتوغرافية تبعد الملل عن البصر، وبحس فني جمالي تلاحم مع الليل ومعانيه، وبأضداد حسية جمعها كالسكون والضجيج والعتمة والضوء، ومع الأضداد الفوتوغرافية الضرورية في بناء الصورة، كالخطوط الأفقية والرأسية مع الأشكال الرياضية وأحجام الكتل المتلاصقة والمتباعدة، وضمن فواصل ومساحات مدروسة الأبعاد والظلال، ودون تشتيت ضوئي يذكر، مستفيداً بذلك من التفاوت الرأسي والأفقي في الأبنية، محافظاً بذلك على جودة اللون والتباين، وبنسبة مرضية فوتوغرافياً وجمالياً وبنقاط قوية تكوينياً. حيث تتكافأ العناصر البنائية للصورة فيما بينها وبتوازن ذي ثقل بصري يجذب الاهتمام عند المتلقي.
برؤية أخرى التصوير الفوتوغرافي هو فن يمتزج فيه الإبداع بالتقنية، ويعكس رؤية الفنان للعالم من حوله. ينطوي تحليل الصور الفوتوغرافية على تقييم العناصر البصرية، التكوين، والإضاءة، بالإضافة إلى المشاعر والانطباعات التي تثيرها الصورة في المتلقي. في هذا السياق، سنستعرض عناصر العمل الفوتوغرافي لجورج حداد، مستندين إلى رؤى بصرية وجمالية.
يعتمد حداد بشكل أساسي على اللعب بالإضاءة، حيث يبرز تفاصيل الظل والنور. تخلق الإضاءة الليلية تأثيرات درامية، تعكس طبيعة الحياة في المدن، مما يجعلها مركز التركيز في الصور. إذ يتبع حداد أنماط تكوينية متوازنة، حيث يستفيد من الخطوط الرأسية والأفقية لتوجيه عين المتلقي. هذه الخطوط تمثل الأبنية والشاشات الضوئية، مما يساهم في خلق عمق بصري وتوازن في الصورة.
تميزت أعماله باستخدام الألوان الزاهية والتباينات القوية. الأضواء الاصطناعية في المدينة تعكس تنوع الألوان، مما يعزز الانطباع البصري ويعطي الحياة للصورة. تثير أعمال جورج حداد شعوراً بالدهشة والترقب. فالتباين بين الضوء والعتمة يثير تساؤلات حول الحياة الليلية، مما يجعل المتلقي يتفاعل مع الصورة على مستويات متعددة. يُحسّ بوجود الحركة في السكون، حيث تظهر الأبنية وكأنها تنبض بالحياة رغم هدوء الليل.
يعتبر الأسلوب الفني لحداد تجسيداً للحداثة، حيث يجمع بين الرؤية الذاتية والموضوعية. يعتمد على معالجة الفضاء الحضري بطريقة تجعله ينطق بقصص معقدة، ويمزج بين الرومانسية والواقعية. يُظهر الفنان قدرته على استكشاف العلاقات بين الضوء والظلام، مما يخلق عملاً فنياً يعكس التوتر الجمالي بين العواطف والمكان.
إن تحليل أعمال جورج حداد يُظهر كيف يمكن للفوتوغرافيا أن تكون وسيلة للتعبير الفني العميق. من خلال الضوء، التكوين، والألوان، يخلق حداد عالماً بصرياً يعكس تجربة إنسانية فريدة. تثير صوره مشاعر متنوعة، مما يجعلها تُعتبر أعمالاً فنية تستحق التأمل والاستكشاف.
Doha El Mol
dohamol67@gmail.com