ريشة تعبيرية تؤلف مشاهدها الملحمية ببراعة حركية.
ضحى عبدالرؤوف المل
يشعل الفنان "أحمد معلا" (Ahmad Moualla) خطوطه الفنية مثيرًا زوبعة ملحمية على سطوح مفتوحة بصريًا وضمن نطاق واسع، لتتصارع الأشكال بوضوح مع الخطوط والألوان، وبتعبيرية يمجدها بالحركة الأدائية أو الإيقاعية، وبعمق تجسيدي. إذ يخوض في تفاصيل الإنسان عبر التاريخ المتمازج مع أزمته التي رسخت في ذاكرته، وضمن رؤاه الفنية التي ينثرها كفنان يتشابك مع الماضي والحاضر، تاركًا للفراغ في لوحاته معنى المستقبل الذي يتجاهل تفاصيله ضوئيًا، ليزيد من درجات الألوان الأحادية، ويفصل بين جزء وجزء بتناغم وتنافر يجمع الأضداد التي ينظمها بحنكة تشكيلية، ليرمز إلى مسرح الحياة المتواصل في أحداثه وصراعاته التي لا تنتهي بين الخير والشر، دون الفصل بين المسافات أو التباعد بينها، ليوحي بتقارب الأحداث التاريخية وتشابهها والمراحل الإنسانية المتعاقبة مع الأجيال واللغة على السواء، ومن خلال ريشة تعبيرية تؤلف مشاهدها الملحمية ببراعة حركية وفهم إخراجي يتميز بحياكة فنية ينسجها وحبكة يشد عقدها من خلال خط، ولون، ومساحة، وظل، وحجم، حيث تتغاير التفاصيل التعبيرية بين لوحة وأخرى، وتتأرجح الحركة بين المعنى والمبنى، وبأسلوب إخراجي عميق الرؤية، بل! بفن تشكيلي جدلي يضع الإنسان ضمن بدائية صراعاته التي لا تنتهي، ومعاناته الاجتماعية والسياسية وما إلى ذلك.
يملأ الفنان "أحمد معلا" لوحاته بحركة يقص من خلالها ملحمة شعرية تتداخل فيها مصطلحات أسطورية، وبمنطق جدلي ذي خصائص انحنائية في الخطوط المتمايلة بقوة. إذ يعتمد بشكل أساسي على التقاط الحقائق من المجتمعات الإنسانية، وزجها في تخيلات تسمح له بخلق تغيرات يرسمها بطابع شعري غني بالصور الدرامية التي تغذي المضمون، وتمنح الأسلوب ديناميكية وحيوية، وقوة في اختيار الموضوع وبوعي باطني يحرره من قيود الوعي الظاهر، ليترجم الأحداث وفق جدليته الفنية الخاصة. إن بلوحاته التي تعج بالشخوص والحركة والألوان، وإن بالحروفيات الكلاسيكية التي تمثل أيضًا صراع اللغة الواحدة على سطح لوحته، يمدها بخلفية درامية، توحي بواقع معاناة الشعوب والمجتمعات، كملهاة إنسانية تستمد تشكيلاتها من مخزونه ووعيه الباطن، تاركًا للمحاكاة ثلاثية تجمع بينه وبين اللوحة والمتلقي.
ملامح واقعية التحمت مع العناصر التعبيرية التي يرسمها الفنان "أحمد معلا" بتشكيل تتباين فيه صياغة الخط، وبتقارب وتباعد موسيقي واختلاطات تتشابك من خلالها الرؤى الفنية بموضوعية مأخوذة من حروب أو اقتتال أو معاناة إنسانية شديدة التأثر ببعضها البعض، فأشكاله الفنية تسمو فوق الوقائع والأحداث أو فوق الكلمات والمعاني. إن باتجاهات الخطوط العمودية أو الأفقية في الحروفيات أو في الخطوط المائلة والمنحنية في سواها، محاكيًا الفعل البصري مع الفعل الحركي، ليتولد المعنى بجمالية يستقرأها المتلقي، وكأنه أمام ملهاة إنسانية أو ملحمة تتشابك أوجه الشبه فيها بمجاز هو تكنيك متمرس به الفنان "أحمد معلا" وضمن نظم الخطوط وتوازنات اللون، وتحاور وتجاور بين التفاصيل الأخرى.
أجزاء جمالية يجمعها بتقنية تتوحد فيها المعاني التشكيلية، ويربطها بموضوع إنساني يؤثر على الحس ويؤدي إلى خلق تراجيديات في الأشكال والأحجام، ومعانيها ذات الطابع المتماهي مع المساحة، والتفاصيل، والعناصر، والخطوط المشبعة حسيًا بإنسانيات تتشابه مع كلاسيكية حروفه، وضمن الفعل اللوني المتميز من حيث تدرجاته وموجاته الطولية أو التلاعب على الداكن والفاتح، ودرجات الضوء بشاعرية يضعها على مسرح اللوحة، وتحت الأضواء المثيرة للبصر والغارقة بغايات يمجدها برسوماته التي تعيدنا إلى تاريخ الإنسان وبداياته الزمنية المغلفة بمعاناة تندرج ملحمًا مع فنه التشكيلي الذي يروي من خلاله الملاحم المختلفة التي تنم عن تخيلات يحاكي بها الواقع الإنساني من خلال لوحة تشكيلية أو حروفية، وفي كلتا الحالتين الأساس هو الخط واتجاهاته وتوازنه بين الأسس السينوغرافية التي يحافظ على جمالياتها بخصوصية وتفرّد فني.
تناقض داخلي يؤثر على الأشكال التي يتركها ضمن جزئيات أو فواصل تتجدد من خلالها الفراغات التي تضيق وتتسع بين خط وخط أو بين شكل وشكل، حيث يرتجل الصورة الحركية بمقدرة تعبيرية ذات صلة بالانعكاسات، ومفاهيمها المتعلقة بالألوان الداكنة والفاتحة ودرجاتها وسطوعها، مؤلفًا بذلك وحدات بصرية ذات إيقاعات خاصة بكل شكل يجسد معاناة أو ألم أو فرح أو حتى حرف مائل ضمن نظام خط له تعبيراته أيضًا. إذ يبدو الواقع بميلودراميته مأساة تخيلية يربطها بطقوس تشكيلية تميل إلى الشعر التصويري أو السرد النثري الذي تترجمه ريشته من خلال الشخوص والحروف على السواء. حاولت فصل لوحاته الحروفية عن التعبيرية، إلا أن في تجريدهما نلمس المعنى الواحد المتجدد في العمق والملتزم بالوعي الخارجي الذي يظهره ارتجاليًا، ليستسيغ حس المتلقي ما يراه وما يقرأه، وما هو مشترك بين هذا وذاك، وبروحانية اللون وحيويته وفنتازيته القادرة على خلق جماليات تغمرها صفات كينونة لا متناهية في الفن الملحمي التشكيلي أو الخط الكلاسيكي أو جمالية اللغة البصرية التي يتقنها "أحمد معلا".
برؤية أخرى الإيقاع البصري في أعمال "أحمد معلا" يظهر من خلال التوازن بين الألوان والأشكال والخطوط. يتمكن الفنان من خلق تناغم فريد بين العناصر التشكيلية، حيث تتداخل الألوان بطرق تعكس الحركة والديناميكية. كل لوحة تصبح بمثابة سيمفونية بصرية، حيث ينسجم الإيقاع مع المشاعر المتدفقة.
تتسم أعمال "معلا" بتعبير قوي عن مشاعر الإنسان ومعاناته. الأشكال المتشابكة والخطوط المتعرجة تشير إلى الصراعات الداخلية والخارجية، مما يعكس حالة نفسية معقدة. يُشعر المشاهد بتوتر ومشاعر مختلطة، مما يدعوه للتفكر في التجارب الإنسانية والمآسي التاريخية.
تتميز أعمال "أحمد معلا" بجمالية خاصة، حيث تتناغم الألوان والتفاصيل لتعكس شعورًا بالتفاؤل رغم المعاناة. تبرز الخطوط كرموز تعبر عن الحركة والحرية، مما يمنح اللوحات عمقًا إضافيًا. يبرز الجمال من خلال التنسيق بين الفضاءات، حيث يترك الفنان فراغات تمثل المستقبل، مما يضفي شعورًا بالتوسع والإمكانية.
تتناول الأعمال قضايا إنسانية عميقة، مثل الحرب والصراع والهوية. يسعى الفنان إلى تسليط الضوء على تجارب الشعوب، مما يمنح لوحاته بعدًا سياسيًا واجتماعيًا. يُظهر "معلا" قدرة فائقة على تجسيد مشاعر الألم والأمل، حيث تنعكس أبعادها في كل لوحة.
عند النظر إلى الأعمال، يشعر المتلقي باندماج بين الجمال والتراجيديا. ينشأ انطباع عن التحولات المستمرة في الإنسان المعاصر، مما يثير أسئلة حول الوجود والمصير. يمكن للمتلقي أن يتفاعل مع اللوحات بشكل شخصي، حيث تتيح له استكشاف مشاعره الخاصة والتفكر في التجارب التي تشكل هويته.
في النهاية، تعتبر أعمال "أحمد معلا" تجسيدًا للفن المعاصر الذي يمزج بين التقنية والتعبير النفسي. يعكس الإيقاع البصري في لوحاته تجارب إنسانية غنية، مما يجعلها تتجاوز حدود الشكل لتصبح رحلة تأملية للمشاهد. تتفاعل الألوان والأشكال لتشكل لغة بصرية تنبض بالحياة، مما يجعل كل لوحة تجربة فريدة ومؤثرة.
Doha El Mol
dohamol67@gmail.com