هل العبودية هي تلك التي تعني حرمان الإنسان من حريته؟
12عاما من العبودية ( 12 Years a Slave)
ضحى عبد الرؤوف المل – بيروت – لبنان
"هذا الفيلم مبني على قصة حقيقية."
هل العبودية هي تلك التي تعني حرمان الإنسان من حريته؟ ربما ما تحمله الحياة من انتهاكات متكررة للإنسانية هو تكرار لزمن العبودية، وإنما بوجوه مختلفة مدعومة بتباينات جغرافية ومفاهيم عرقية تظهر معاناة السود من الأمريكيين بشتى أنواع التعذيب اللا أخلاقي، وأيضاً بسلب المرأة الكائن الأكثر رقة أنوثتها وأمومتها، وحقها في أن تكون ضمن عائلة ترعاها. فالإنسان بألوانه الممزوجة بمفاهيم مكانية تؤكد أهمية الحياة، لأن نحياها بسلام. إذ يستهدف الفيلم خلق استنكارات اجتماعية بلمسة إنسانية وأخلاقيات غير مقبولة حياتياً، فهي تنتزع من الإنسان قيمته الحقيقية، كمخلوق يستحق الاحترام بعيداً عن المساوئ التي تعرض لها "سليمان نورثوب" العبد الحر الموسيقي والعازف للكمان بإحساس عذب، الذي تجرّد من حقوقه الإنسانية فجأة دون سابق إنذار وبوحشية، وحتى لم يتم الاستماع لصوته باعتباره الرجل الحر الذي تعرض لحيلة تسببت بتخديره ومن ثم ترحيله كعبد يباع ويشترى.
إإن حتمية السيرة الذاتية ودراميتها "لسليمان نورثوب" تقضي بمتابعة إخراجية قام بها المخرج "ستيف ماكوين" (Steve McQueen) ضمن توليفات ميلودرامية تخيلية للقصة المبنية على عذابات السود من البيض، وبحس درامي يلتهب مع سوط يشعل نيران الجسد المتألم من الأوجاع. كما يؤلم النفس لامتناعها عن ملذات الحياة، كالأكل المقرف والرغبة المغتصبة والحرية التي يصعب تحقيقها في ظل كل القسوة التي تمارس على الإنسان، فالاستعباد الحقيقي هو ذاك الذي يدفع بالإنسان إلى ممارسات هي ضد قناعاته وبجدلية لا تؤدي إلا لمزيد من العبودية، أعقاب النفس التي تهوى التملك وتعاني من أمراض نفسية شتى لتُمارس أفعالها الوحشية باستمتاع، وهذا ما برز مع الإقطاعي الأمريكي الذي قام بدوره "مايكل فاسبندر" (Michael Fassbender).
لغة فعل سينمائية اخترقت بتوليفاتها البصرية الحبكة السردية للسيرة الذاتية ولسيناريو حركي منطقي بحوارات اعتمدت على التعابير اللينة وهي من تأليف جون ريدلي (John Ridley)، ومدى صعوبة تنفيذها ضمن رؤية إخراجية تختلف عن الحقيقة الواقعية للسيرة الذاتية بمراحلها التصويرية الشديدة الإقناع والتأثير بصرياً. إلا أن النزف الحقيقي في المشاهد التي تضع المتلقي أمام تخيلات تتجسد كواقع سينمائي مباشر وأمام توترات مؤثرة، كمشهد محاولة شنق "سليمان نورثوب" أو سلب الأم أولادها لتباع وتشترى أمامهم، ومن ثم تبتعد عنهم بقسوة، وبلا رحمة ممن حولها، وبشكل جارح وعصيب. بل وبدم بارد دون الاهتمام بما تعانيه. فهل من ارتقاء في الفكر الإنساني بعيداً عن الاستعباد بشتى أنواعه في العصر الحديث الذي نعيشه حالياً؟ وهل استطاع الإنسان نسيان الفروقات النوعية للأجناس البشرية وألوانها بل ومذاهبها الدينية؟
سعى مؤلف القصة "سليمان نورثوب"، وهو الاسم التمثيلي الذي اتخذه بطل الفيلم "شيواتال إيجيوفور"، و"جون ريدلي" كاتب السيناريو الذي حول سرد السيرة الذاتية لما حدث له بعد اختطافه من "سارتوغا سبرينغس، نيويورك"، ليغادر بعدها مقيداً بسلاسل حديدية إلى "نيو أورلينز" باسم جديد هو "بلات" كعبد فقد كل هوية له كحر لا يباع ولا يشترى، ويعامل كإنسان باحترام. إلا أن تاجر العبيد "ثيوفيلوس فريمان" أو "بول جياماتي" يبيعه إلى صاحب المزرعة التي تشهد أغلب عذباته ويدعى "وليام فورد" أو "بنديكت كومبرباتش"، لتبدأ معاكسات القدر القاتلة بعد أن يبدأ بالخلافات مع "بول دانو" الذي يحاول بشتى الطرق إيذاءه. لتبدأ مفارقات الفيلم الحقيقية حيث يسعى سليمان إلى نيل حريته بكافة المحاولات مهما كانت تكلفتها النفسية والجسدية باهظة الثمن.
أداء تمثيلي ناجح وبليغ في تعبيراته الحسية المؤدية إلى خلق تأثيرات صادقة من حيث تقمص الشخصيات بميزة عميقة فنياً، والتفاعل معها لتصل إلى المشاهد وسط توليفات مرتبطة ببعضها البعض. لأن التصوير حاول التقاط التعابير الجسدية مركزاً على الوجه في أغلب الأحيان، وكان التمثيل التعبيري الصامت من خلال الملامح الإيحائية هو الأكثر فعالية في إيجاد الدهشة المثيرة، وقوة الجذب السينمائي. لخلق تنوعات لا تصيب المشاهد بالضجر، وإنما بالمشاركة التمثيلية من خلال الانفعالات الدرامية التي يتشارك بها مع الممثل خصوصاً في مشاهد التعذيب أو الجلد بالسوط، وهنا تكمن براعة الإخراج بالتوافق مع التصوير الذي زاد الفيلم قيمة جمالية من نوع آخر.
أما الموسيقى التصويرية بدوافعها التحررية والمحاكية للقصة وللصورة الخلاقة بكل عناصرها التصويرية من رؤية واضحة وجمالية الأبعاد والتوسع في خصوصية اللقطة وأسلوب الحصر البصري المفتوح أو المشهد بديكوراته الحسية الملموسة وغير الملموسة مع الحفاظ على خلفيته أو سينوغرافيته المفتوحة على عدة معاني، وظفها مصور الفيلم ضمن صياغة في فن التصوير وتأثيراته على جمالية المشهد ومعناه، للحفاظ على التعابير التمثيلية بمختلف أجوائها الحزينة والمفرحة، والقاتلة في بعض الأحيان، بالتوافق مع الموسيقي "هانز زيمر" (Hans Zimmer) الذي برع في تأليفها بتناسق متناغم مع الحركة التصويرية للمشاهد التي يحاكيها موسيقياً بحس درامي مهيب، ومؤثر في وجدان المشاهد من حيث التنوع في الآلات الموسيقية المتناغمة مع التصوير بتوأمة لا يمكن فصلها حسياً، وأيضاً بنغمات الآلات التي يستعملها العبيد أحياناً في بعض المشاهد التي اختلطت فيها الدمعة مع العزف حين سُلبت الأم أولادها بعد بيعها لنلمس الخوف العازف على موسيقى الاستبداد والاستعباد والمتاجرة بالعبيد.
قدرات إخراجية اندمجت مع قدرات التمثيل، والتصوير، والموسيقى، والمونتاج المساعد في تكوين وتحسين الرؤية العامة للفيلم، ودقته المتناهية في التأقلم مع القصة ذات السيناريو الحيوي، والحبكة المساعدة في خلق تماسك تمثيلي استمتع به المشاهد بغض النظر عن الثغرات في درجات الضوء أثناء التصوير. لأن الصوت استطاع ترجمة الفعل الحركي في المشهد الذي التقطه المخرج بخاصية فنية متمكنة من أدواتها الإخراجية دون نسيان براعة الممثلة "لوبيتا نيونغ".
برؤية أخرى فيلم "12 عاماً من العبودية" (12 Years a Slave) هو عمل سينمائي مميز يستند إلى قصة حقيقية تتناول موضوع العبودية في الولايات المتحدة. يقدم الفيلم رؤية إنسانية عميقة تعكس معاناة الفرد تحت وطأة العبودية، ويعتمد على تقنيات إخراجية ودرامية متقنة تعزز من تأثير الرسالة.
استخدم المخرج ستيف ماكوين أسلوبًا بصريًا يعكس بشاعة العبودية، حيث تتناغم الصور المؤلمة مع القصة. تظهر الإضاءة بشكل مبدع لتعزيز المشاعر، بينما يتم التركيز على تفاصيل الوجوه وتعابيرها، مما يضفي عمقًا إنسانيًا على الشخصيات. الصور القاتمة والألوان الترابية تعكس واقع الحياة القاسي، بينما بعض المشاهد البصرية المشرقة تشير إلى الأمل والتحرر.
أداء شيواتال إيجيوفور بدور سليمان نورثوب كان مؤثرًا للغاية، حيث استطاع أن يجسد مشاعر الألم والحرمان بكل صدق. تعابير وجهه وحركات جسده كانت تحمل الكثير من الدلالات العاطفية. كما برزت لوبيتا نيونغ في دور باتسي، حيث قدمت أداءً مؤلمًا ينقل عمق المعاناة الإنسانية. الأداء العام للفريق كان متسقًا ومتماسكًا، مما أسهم في خلق تجربة سينمائية مؤثرة.
كتب جون ريدلي سيناريو قويًا يدمج بين السرد الواقعي والدرامي، مما يعكس تعقيدات الشخصيات وعلاقاتهم. الحوار كان طبيعيًا، ومليئًا بالعمق، مما ساهم في تطوير الشخصيات وإضفاء بعد إنساني على الأحداث. استخدام اللغة يعكس التوترات الاجتماعية والاقتصادية في تلك الفترة.
ماكوين استخدم تقنيات إخراجية متقدمة، مثل القطع السريع والتصوير البطيء، ليعزز من التأثير الدرامي للمشاهد. المشاهد العنيفة كانت مصورة بشكل يجعلك تشعر بألم الشخصيات، وفي الوقت نفسه تحافظ على توازن بين الجمال الفني والوحشية. المشاهد المليئة بالتوتر والإثارة كانت مصممة بعناية لتجعل الجمهور يشعر بالتعاطف مع الشخصيات. أما الموسيقى التي وضعها هانز زيمر كانت مناسبة تمامًا للجو العام للفيلم. استخدمت الموسيقى كوسيلة لتعزيز المشاعر، مما جعل المشاهد أكثر تأثيرًا. النغمات كانت تتماشى مع الأحداث، وتساعد في خلق أجواء من الحزن والأمل على حد سواء.
"12 عاماً من العبودية" هو فيلم يعكس تجربة إنسانية عميقة من خلال تصويره للعبودية. من خلال الأداء المذهل، الإخراج الفني، والكتابة القوية، نجح الفيلم في خلق تجربة سينمائية مؤثرة تترك أثرًا عميقًا في النفس. هذا العمل لا يقدم مجرد سرد تاريخي، بل يسلط الضوء على قضايا إنسانية معاصرة ويعزز من أهمية التفاهم والتعاطف بين البشر.
الفيلم يمثل تجسيدًا حقيقيًا للمعاناة الإنسانية ويشجع على التفكير في قضايا العبودية والاستعباد في العصر الحديث. إنه عمل فني يستحق المشاهدة، ويُعتبر مرجعًا في السينما التي تناقش قضايا العدالة الإنسانية.
Doha El Mol
dohamol67@gmail.com
الفيلم حائز على جائزة الأوسكار وهو من بطولة شيواتال إيجيوفور بدور سليمان نورثوب، وتمثيل لوبيتا نيونغ بدور باتسي، مايكل فاسبندر بدور إيبيس، براد بيت بدور صامويل تيس، وسارة بولسون بدور ماري إيبيس.