العودة
سيرتها الذاتية بقلم غسان ريفي
لطالما أحبت الأديبة الدكتورة ناديا ظافر شعبان في مسيرتها الشعرية والروائية التميّز في أعمالها والتمايز عن أقرانها، ففي الوقت الذي جنح فيه معظم الأدباء اللبنانيين في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي نحو الكتابة باللغتين الفرنسية والإنكليزية. غاصت شعبان في أعماق الأدب الإسباني، منطلقة من عشقها للحضارة الأندلسية التي تعتبرها ركيزة أساسية لسلسلة من حضارات العالم، وظاهرة فريدة في تاريخ الإنسانية. تتلمذت شعبان على يد الأديب الاسباني بيدرو مارتينز مونتافيز، وعملت على اكتشاف وكشف الكثير من الحقائق الأندلسية من خلال أبحاث لم يسبق لأي باحث عربي أن تطرق أو وصل إليها، وسعت جاهدة الى نشرها والتعريف بها، ومدّ جسور التواصل مع المجتمع العربي ودفعه نحو تغيير نظرته إلى إسبانيا التي تتصالح مع نفسها (بحسب الدكتورة شعبان) من خلال إعادة النظر بتاريخها الأندلسي، والتواصل مجددا مع أحفاد من كانوا أساس هذه الحضارة، وهي تعطي اليوم اهتماماً بالغاً لقضية «المورسيكيين» (المسلمون الذين أجبروا على التنصر بعد سقوط غرناطة) وعن مجتمعهم وعاداتهم وتقاليدهم وثقافتهم، لا سيما في أميركا اللاتينية. في داخل الدكتورة شعبان ثورة على كل ما هو بائد ورتيب وجامد، لذلك لا تحب أن تتحدث كثيرا عن تجربتها التعليمية حيث درّست لنحو 25 عاماً اللغة العربية، كونها تعتبر أن المناهج التعليمية المعتمدة في لبنان حصرت اللغة بالفتحة والضمة والكسرة، وأن ما يدرس من لغة عربية في المرحلة المتوسطة لا يؤهل الطالب إلى المراحل التعليمية والأكاديمية المقبلة، لأنها تدرس كمادة جامدة في حين أن اللغة العربية هي عالم قائم بحد ذاته يستوعب الحياة برمتها. هجّرت الحرب شعبان من مدينتها طرابلس ومن وطنها، فلجأت إلى إسبانيا وعاشت سلاماً داخلياً في مدريد، وتخلصت من غربة موت والدها الذي أحدث زلزالا في حياتها في مدينة قادش التي تعتبرها ميناء سلام. واختارت من لوركا كل ما هو جميل، فحولت وحشية الحرب إلى إيجابية متكاملة، وساحت في البلاد الواسعة ناشرة للحضارة الأندلسية، ومقدمة نتاج فكرها ومجهود بحثها الأدبي والثقافي عبر 250 بحثاً ومقالة وترجمات حول الأندلس، والأدب الإسباني، والشعراء الإسبان، الذين يتغنون بعصرهم، ومن خلال سبعة كتب سُطروا بنفحات أندلسية من «صحراء الحب»، و«رسائل قادش»، و«مختارات من لوركا»، و«عزلة غابريال غارسيا ماركيز»، إلى «خارج اللعبة»، و«رحلت الطفلة»، فيما تستعد اليوم لإطلاق كتابها الثامن حول «بوليفر بطل الاستقلال في فنزويلا»، وكتابها التاسع حول «الثقافة الاسلامية الموريسكية في أميركا اللاتينية». ليست المرة الأولى التي تكرم فيها الدكتور ناديا ظافر شعبان، بل حظيت بسلسلة من التكريمات، وكان آخرها حصولها على وسام جمهورية التشيلي عام 2004 وعلقه على صدرها الرئيس التشيلي ريكاردو لاغوس الذي منحها أيضا شهادة تقدير وكانت السيدة العربية الوحيدة ضمن 66 شخصية تم اختيارهم للتكريم، فضلا عن تكريمها في «مهرجان الشعر العالمي السادس» في فنزويلا. لكن الدكتورة شعبان تعتبر أن تكريمها في مدينتها طرابلس من قبل سفارة إسبانيا، ومعهد «ثرفانتس»، و«مؤسسة الصفدي»، وعلى مسرح «مركز الصفدي الثقافي»، السادسة من مساء اليوم، هو تاج عمرها وحصاد ما زرعته طيلة فترة مضنية من العمل على نشر الثقافة الإسبانية، منوهة بإسبانيا التي «تحرص على تكريم المبدعين في حياتهم وفي المدينة التي ولدوا فيها، وليسمحوا لي من يضعون الأوسمة على نعوش الكبار». وتشكر شعبان «مؤسسة الصفدي» التي تستنهض الحركة الثقافية والفكرية في طرابلس والشمال. وترى أن إسبانيا أعطتها الكثير، تقول: «إن مدريد حضنت طموحي، والمدن الإسبانية كونت شخصيتي، التي أطللت من خلالها على العالم الغربي، وعلى المحيط العربي لأنقل كل جديد عن الحضارة الأندلسية». اليوم، تكرم الدكتورة شعبان في مسقط رأسها طرابلس، على وقع أغان أندلسية لـ «كورال الفيحاء»، ويقدمها ويشهد فيها كل من المدير العام للمؤسسة رياض علم الدين، ومدير معهد «ثرفانتس» لويس جافيير سييرا، وسفيرة فنزويلا في لبنان سعاد كرم، والدكتور خليل دويهي، والأديب مارون عيسى الخوري، لتلقي بعد ذلك الدكتورة شعبان مختارات من قصائدها يرافقها الغيتاريست سليم زهرا، وتعبر فيها عن انتمائها إلى لبنان وإسبانيا، وتفخر بأنها تمثل أقوى الركائز في سلسلة العلاقات بين ضفتي البحر الأبيض المتوسط.