العودة

الدكتور مصطفى الحلوة

في عام 2019 أجريت معه حوارا غنيا والمساحات المخصصة للنشر في الجرائد غالبا ما يتم فيها تحديد المساحة لكن لغنى اللقاء مع دكتور مصطفى الحلوة أرتأيت أن أنشر هذا الحوار الطويل في السيرة الذاتية لأنها تحمل الكثير من مسيرته الحياتية في الثقافة والفلسفة والفكر



جولة فكرية مع أمين عام "الاتحاد الفلسفي العربي " د. مصطفى الحلوة
تناولت نتاجه الفكري واستطلعت رؤيته حول الحراك الثقافي شمالاً


في " مركز الصفدي الثقافي" ، إحدى المنارات الثقافية في طرابلس والشمال، التي تشهدُ فعاليات فكرية واجتماعية وفنية، بوتيرة مُستدامة، أُجري هذا اللقاء مع أمين عام "الاتحاد الفلسفي العربي" والباحث د. مصطفى الحلوة، فكان إبحارٌ في مسيرته الفكرية، كما الاجتماعية والنقابية، وهما ترقيان إلى أربعة عقود.

مع د. حلوة، أحد أركان هذا "المركز"، تشعّب الحوار، فكانت محطاتٌ مُتعدّدة حول نتاجه الفكري، خلال السنوات الثلاث الماضية (بين عامي 2016 و 2019)، المتمثّل بصدور ثلاثة مؤلفات، شغلت 2500 صفحة، بما يجعله بحق في عِداد الكتّاب الموسوعيين، وبما يردّنا إلى العصر العباسي، حيث تعني الموسوعية "الإلمام من كل علم بِطَرَف!".
وكان للحوار أن يتطرّق إلى تقويم الحراك الثقافي والأدبي الذي تشهده طرابلس والشمال، وأحد عناوينه البارزة "الهجمة" على الشعر، من كل فجّ عميق! ولقد جاء هذا الحوار، عَبْرَ أسئلة، طرحناها على د. حلوة، فأجاب عنها، مُستطرداً – من منطلق نزوعه الموسوعي- إلى قضايا لم تكن في حسباننا، أغنت الحوار، وصبَّت، من طريق غير مباشر، في مصبِّهِ.

- من أنت د. حلوة، من منظور جدل الذاتي والموضوعي لديك، وأثر ذلك في تشكيل هويتك الفكرية والثقافية؟
بداءة، في استعراض موجز لمسيرتي الدراسية وتشكيلي العلمي، فإنني حائز إجازة في الأدب العربي وإجازة في الفلسفة وإجازة في الحقوق(الجامعة اللبنانية)، إلى دكتوراه في الفلسفة، من جامعة ليون-3- جان مولان (فرنسا)، وذلك في العام 1983.

وعن مسيرتي، في الوظيفة العامة، فقد بدأتها مُساعداً قضائياً، في ملاك وزارة العدل (لمدة ست سنوات ونصف). وقد كان لهذا الموقع أن يُعمِّق خبراتي العملية، في مجال القانون، ويُسهم في تأصيل النزعة المنطقية لديّ، ناهيك عن استقامة ميزان العدل والانتصار للحق! ومن ثمَّ انتقلت إلى ملاك التعليم الثانوي الرسمي، أستاذاً لمادة الأدب العربي، ولأحطّ الرحال، في مشواري المهني، استاذاً للفلسفة في الجامعة اللبنانية (الفرع الثالث- طرابلس)، وأستاذاً لعلم السياسة، في معهد العلوم الاجتماعية (الفرع الثالث- طرابلس).

ولقد واكَبَتْ هذه المسيرة التعليمية، في التعليم الثانوي الرسمي وفي الجامعة اللبنانية، مسيرةٌ نقابية "نضالية"، إذْ شغلتُ موقع نائب رئيس رابطة التعليم الثانوي الرسمي في لبنان، بداية الثمانينيات، ولأتولى رئاسة "الرابطة" في الشمال، مطلع تسعينيات القرن الماضي. وأما عن النضال من أجل الجامعة اللبنانية شمالاً، فقد كنتُ منسّق "لجنة المتابعة" للبناء الجامعي الموحد في الشمال (مجمّع الرئيس ميشال سليمان)، منذ بداية الحراك من أجل إقامته في العام 2001، وحتى مباشرة ثلاث كليات التدريس في هذا "المجمّع" (الهندسة، والفنون والعمارة، والعلوم)، والرابعة قيد الإنجاز (كلية الصحة العامة).

لقد كان لهذه المسيرة بشقّيها، العلمي/التعليمي والنقابي المطلبي، أن تكسبني خبرات مُتعدّدة، وعملت على إنضاج الكثير من استعداداتي الفكرية ، كما كان لها، نهاية المطاف، أن تجد طريقها إلى كتاباتي، لا سيما لجهة منهجية الكتابة (المنهجية في العمل لا تنفصل عن المنهجية في النظر!)، ويتبدّى ذلك جلياً من خلال مراجعاتي النقدية التي أطلُّ بها من على منابر المنتدبات، سواءٌ أكان ذلك في طرابلس والشمال أو في بعض المناطق اللبنانية.

ولعل خوضي ميادين التعليم، في "الثانوي" لمادة الأدب العربي، وللفلسفة وعلم السياسة في "الجامعي"، أخذني عنوةً إلى المزاوجة بين الفلسفة والأدب، متوسّلاً لغة متينة السبك، على سلاسة وانسيابيّة. ومن العلامات الفارقة، في مراجعاتي، غوصي على النصوص حتى الثُمالة، واشتُهر عني أنني "أفصفصُ" النصوص! (هذه الشهادة من قبل الألسني د. بلال عبد الهادي)، وذلك على غرار الشاعر ابن الرومي"صاحب النظم العجيب والتوليد الغريب (..) الذي يغوص على المعاني النادرة، فيستخرجها من مكامنها، ويُبرزها في أحسن صورة، ولا يترك المعنى حتى يستوفيه إلى آخره، ولا يُبقي فيه بقية" (مقتبس من "وفيات الأعيان" لابن خلّكان).

- ماذا عن حراكك في إطار "الاتحاد الفلسفي العربي"؟
واكبتُ "الاتحاد" منذ العام 2003، حينما نزح قسراً عن العراق، وليستأنف نشاطه في لبنان (طرابلس وجبيل)، وذلك بسبب تدمير مقرّه في بغداد من قبل الغُزاة الأميركيين في حربهم على العراق.
وقد شغلتُ بداءةً موقع المسؤول الإعلامي، ثم في السنتين الماضيتين موقع الأمانة العامة، ولا أزال فيها. وهذا الإطار الفلسفي تنضوي إليه غالبية الدول العربية. من هُنا فإن كل مؤتمراتنا الفلسفية تضم باحثين مشتغلين بالفلسفة، من لبنان ومن سائر الدول العربية، وكذلك من دول أوروبية. ونحن نعقد كل عام مؤتمراً عربياً دولياً، يتناول قضية فلسفية على تماس مع الواقع المعيوش، ونسعى جاهدين للنأي عن البحث الأنطولوجي الصرف. وحتى تاريخه تم عقد تسعة مؤتمرات ، آخرها في مدينة طرابلس (لبنان). ونحن بصدد التحضير راهناً لمؤتمر فلسفي ينكبُّ من منظور الفلسفة وعلم السياسة وعلم الاجتماع على مقاربة أطروحة فشل الإيديولوجية القومية وأنظمتها في العالم العربي (العنوان بشكل مبدئي وليس نهائياً).
وقد سبق للاتحاد، خلال السنوات الماضية، أن عقد عدة مؤتمرات بالشراكة مع "المركز الدولي لعلوم الإنسان- جبيل".

- هل لك، د. حلوة، أن تحدِّثنا عن مؤلفك "مقابسات زريقية بين شاعر الفيحاء سابا زريق وسابا الحفيد" الصادر في العام 2016؟ ولماذا جاء في صيغة حوارية بين شاعر الفيحاء وبين حفيده د. سابا قيصر زريق؟

يتحصّل من خلال عنوان الكتاب (يقع في 600 صفحة) السِمة الحوارية "المقابساتية"، بما يردنا إلى ابي حيان التوحيدي، أحد عمالقة الفكر العربي. وقد استلهمتُ منه هذا العنوان، لألفت من خلاله إلى أن هذا المؤلَّف ليس مؤلّفاً كلاسيكياً رتيباً، بل يندرج في إطار فن المناظرات الذي ذاع صيتُهُ في العصر العباسي والعصور اللاحقة، وتطرّق إلى مختلف الموضوعات، مما يُضفي حيويةً ومُتعة في آن، وذلك بخروجه عن سُكّة الصوت الواحد إلى مساحة أكثر اتساعاً، وليكون تلاقح بين الأفكار. وقد كان للجدل الذي وسم الكتاب أن يضعنا بإزاء مشهديات، تعرّفناها لدى الفيلسوف اليوناني سقراط (الجدل السقراطي).

هكذا على قاعدة هذا الجدل يخوض سابا الحفيد نقاشاً عميقاً مع جدّه، يسأله، بل يستنطقهُ (أثر عملي في وزارة العدل!)، يضعه في قفص الاتهام... ولينبري الجدّ مفسِّراً، مُعلّلاً ، بردّ الضربات التي يُسدِّدها إليه الحفيد من دون هوادة!

وعن محتويات الكتاب، فقد تضمّن دراستين وعشر مقابسات، جاءت في إطار قضايا (thème)، أكبّت على خطاب شعر المناسبات لدى الشاعر، والخطاب الديني، والخطاب الاجتماعي، والخطاب الأخلاقي، والخطاب التأملي، وخطاب الوطن والعروبة، وخطاب الضاد، وخطاب المرأة، وخطاب التربية وخطاب العمر الآفل، إضافةً إلى دراستين نقديتين غير حواريتين- كما ذكرنا - جاءتا تحت هذين العنوانين: "سابا زريق يقوم من بين الأموات ليجول في فيحائِهِ"، و" مجنون إهدن!".

هذه المقابسات العشر، إلى الدراستين المذكورتين ، تعكس خطابات شاعرنا في آثاره الكاملة (6 مجلدات، تحتوي عشرين ألف بيت من الشعر، إلى كتابات نثرية، صدرت في العام 2013، بهمة الحفيد د. سابا قيصر زريق).

هكذا، كان "مسحٌ" شاملٌ – إذا جاز التعبير- لهذه الآثار الكاملة، بما يُسلّطُ الضوء ساطعاً على مختلف القضايا التي تجسد القول الشعري والأدبي لدى شاعرنا، وتعكس مشهديات ثرّةً من الحياة الاجتماعية لطرابلس ولبنان، منذ نهاية القرن التاسع عشر، وحتى منتصف العقد السابع من القرن العشرين (شاعر الفيحاء امتدت حياته بين عامي 1886- 1974).

وقد شكَّل هذا المؤلَّف حافزاً لبعض طلبة الدراسات العليا في الأدب العربي، فكانت بضع رسائل ماجستير حول شاعر الفيحاء، في كلية الآداب (الجامعة اللبنانية) وفي جامعة القديس يوسف (الشمال).

- وماذا، د. حلوة، عن موسوعتك النقدية " 80كتاباً في كتاب/ مراجعات في الحراك الفكري العربي المعاصر"، التي صدرت في العام 2018، وجاءت بمنزلة رصدٍ للحراك الفكري، بمختلف فنونه، في طرابلس والشمال؟
هذا العمل الموسوعي(جزءان يضمان 1115 صفحة) هو حصيلة مقاربات نقدية لثمانين كتاباً، وضعها كتّابٌ وباحثون طرابلسيون وشماليون، اندرجت تحت إثني عشر فناً معرفياً (الفلسفة، علم النفس، علم الاجتماع، الانتروبولوجيا، الحركات الإسلامية، التاريخ، الشعر، الرواية، السيرة الذاتية، النقد الأدبي والأدب الإبداعي، الموسيقى، التربية).

"بهذه المروحة الواسعة التي تضع بين أيدي القراء والمهتمين عشرات الكتب، كان للموسوعة أن تشكّل مرجعاً هاماً للمشتغلين في مختلف الحقول المعرفية. وإلى ذلك، فإن الجانب التعليمي ذو شأن، ذلك أن المقاربات التي تضمّها تمثِّل نماذج، يُفيدُ منها طلبة الجامعات وأساتذة الأدب وسواهم في مرحلة التعليم الثانوي، لجهة المنهجية المعتمدة وآليات التحليل المستخدمة في مقاربة النصوص، فتكون محاكاة لها.

مسألة لا بد من إيضاحها، وهي تتعلّق بالسمة"المحلية" لهذا العمل، أي اقتصاره على الحراك الفكري في طرابلس والشمال، فنردّ بأنه في عصر ثورة الاتصالات الكاسحة والشبكة العنكبوتية زالت الحدود بين ما هو محلي وما هو إقليمي وما هو كوني عالمي. علماً أن كثيرين من الكُتّاب والباحثين الذين قاربنا مؤلفاتهم معروفون، على نطاق واسع، في العالم العربي، وفي عِدادهم من تُرجمت مؤلفاتهم إلى لغات عالمية حية!

ولأهمية هذه الموسوعة- بكل تواضع- فهي تتربع سعيدة في مكتبات عالمية وجامعات مرموقة، وعلى سبيل ا لمثال لا الحصر، في مكتبة الكونغرس الأميركي (تضم 130 مليون كتاب)، وجامعة ستانفورد (كاليفورنيا)، وجامعة كمبريدج(هارفرد)، جامعة برنستون الخ... ويمكن ا لتحقق من ذلك بالدخول عبر (google)، وذلك بوضع اسم الكتاب بالحروف اللاتينية.

- ماذا، د. حلوة، عن مؤلفك الأخير الذي خصصت به النائب الراحل د. عبد المجيد الرافعي، رئيس "حزب طليعة لبنان العربي الاشتراكي" (حزب البعث/ الجناح العراقي)، الذي أطلقتهُ في الذكرى الثانية لرحيل د. الرافعي في 12 تموز 2019، وهو يضم 750 صفحة؟

لقد شكَّل هذا الكتاب- كما أعتقد- نقلة نوعية في نتاجي الفكري، كونه لم يكتف بمقاربة سيرة د. الرافعي، أحد ابرز الشخصيات الإشكالية العقائدية التي عرفتها طرابلس في النصف الثاني من القرن العشرين، وما يتعدى طرابلس إلى العراق والوطن العربي. بل كان لنا أن نميط اللثام عن مرحلة هامة من تاريخ المنطقة العربية ومن تاريخ لبنان الحديث (مع انهيار السلطنة العثمانية والمرحلة الاستعمارية وسايكس-بيكو، والقضية الفلسطينية)، ومن تاريخ طرابلس،" بُعبع الجمهورية!"، وذلك من منطلق اقتناعنا أن عبد المجيد الرافعي لم يكن نتاج بيئتِهِ العائلية فقط، بل هو ابن مرحلة تاريخية تكفل إنتاج شخصيات مماثلة. وهذا ما أخذنا إلى جدل المكان/ البشر/ الزمن، مما أضفى مسحةً فلسفيةً اجتماعيةً على هذه السيرة بل المسيرة الرافعية. ولم ننهج سبيل واضعي السِير الكلاسيكيين، بل اعتمدنا المنهج الخلدوني في مقاربتنا، المتّسم ببُعد صيروري، مُطّرحين النمط السردي الحكائي الرتيب!

ولقد تدرّجنا في الأبواب السبعة التي ضمَّها الكتاب، من الأعمّ إلى العام فالخاص، وكان استعراض لمسيرة "الحكيم" النضالية التي استغرقت ستين عاماً من عمره الزمني (التزم عقيدة البعث في العام 1957 وحتى وفاته 2017)، مما جعله رئيس السن للحزب ، على امتداد الوطن العربي!

وقد جاء عنوان الكتاب الأساسي والفرعي معبِّراً عن هذه المسيرة النضالية، مثلّثة الأبعاد "عبد المجيد الطيّب الرافعي/ قضيتُهُ الإنسان- رسالتُهُ العروبة- وُجهتُهُ فلسطين".

ومما يُسجَّل لنا، وعلى جاري دأبنا، حرصُنا على الانتصار للموضوعية، فلم نُحاب ولم نحد عن جادة الصواب، ولم نضربْ صفحاً عن أية معلومة، حتى لا نقع في "الانتقائية"... وفي كل ذلك كُنا نستهدي قول أرسطو في معلّمه أفلاطون ، حينما عارضه في العديد من رؤاه الفلسفية:" أنا صديقٌ لأفلاطون، ولكنني صديقٌ للحقيقة أكثر!".

إن هذا المؤلَّف، وإن عدّه البعض أو احتسبه في فن السيرة، فهو قد أفاد من روافد معرفية شتى، ، ذلك أن لعلم الاجتماع حضوراً، وكذا الفلسفة، وعلم السياسة، وعلم التاريخ. كما أن للأدب فسحةً فيه، سيما أن د. الرافعي كان عاشقاً للعربية، ينظم الشعر هوايةً، فأفردنا فصلاً، أكببنا فيه على مقاربة قصائد وكتابات نثرية، صاغها بلسانٍ عربي مُبين!


- د. حلوة خارج إطار دائرتك الفكرية ونتاجك ، كيف ترى إلى الأنشطة الثقافية في طرابلس؟ كيف تقوِّمُها؟ وهل أنت راضٍ عنها؟
يُجمع أكثر المراقبين ومُتتبّعي الحراك الفكري والثقافي في لبنان بأن طرابلس تتصدّر الساحة اللبنانية، في هذا المجال، من خلال "الكمّ" الكبير من الفعاليات الفكرية والثقافية والفنية (مؤتمرات، ندوات، محاضرات، ورش عمل، مناقشة كتب وتواقيع الخ..).

علماً أن لطرابلس ميزة، قد لا نجدها في بعض المدن اللبنانية، ما خلا العاصمة بيروت، وذلك بوجود منتديات فكرية مرموقة، تحتضن هذه الفعاليات (مركز الصفدي الثقافي، الرابطة الثقافية، بيت الفن، مؤسسة شاعر الفيحاء سابا زريق الثقافية، نادي قاف للكتاب الخ...).

عن تقويمنا لهذا الحراك الطرابلسي/الشمالي، نرى أن "الكم"، على أهميته، ليس المعيار الذي يؤخذ به دون سواه، إذْ للنوع الأولوية ، في مختلف الأنشطة والفعاليات التي ينبغي الحكم عليها.

في هذا المجال، نرى أن ثمة فعاليات تتمتع بالمواصفات المطلوبة، لا سيما في إطار العمل البحثي الذي تأتينا به قلةٌ من الباحثين، جُلُّهم أساتذة جامعيون مرموقون ولهم قدمٌ راسخةٌ في البحث الفكري الرصين.

أما على جبهة الأعمال الأدبية، فثمة أيضاً أعمال ذات قيمة، يضعها مشتغلون في النقد الأدبي وفي مجال الرواية.. والأسماء معروفة.ولا يمكن ونحن نتكلّم على الحراك الفكري أن نضرب صفحاً عن مجلة فصلية محكَّمة، انطلقت منذ حوالي سنتين تحت مُسمّى "منارات ثقافية"، وهي توفر مساحةً واسعة لأساتذة جامعيين، وباللغات الثلاث، العربية والفرنسية والإنكليزية. إشارة إلى أننا نتولى إدارة تحريرها مع الزميل د. جان توما، ورئاسة التحرير يشغلها د. جان جبور، وهي تصدر عن جروس برس- ناشرون. وهناك مطبوعة دورية أخرى تصدر تحت عنوان "نشر، بحث"، القيمون عليها بأكثريتهم أساتذة في معهد الفنون الجميلة والعمارة في الجامعة اللبنانية (الفرع الثالث).

ولا يفوتنا في هذا المقام التوقف عند الفعاليات التي يقوم بها "نادي قاف للكتاب"، حيث يعكف على مناقشة كتب، بشكل دوري، ويكون نقاش جاد وبنّاء وذو مستوى مقبول.

بيد أن الطامة الكبرى نشهدها ونعانيها، على جبهة الشعر! فباستثناء عدد محدود من الشعراء الشعراء، يُعدّون على أصابع اليد الواحدة أو اليدين، في أحسن الأحوال، فإن هناك هجمة غير طبيعية، لا سيما من قبل العنصر الأنثوي، بحيث نشهد تفريخاً لدواوين، تتم مقاربتها وتوقيعها، في تظاهرات احتفالية دعائية، يحتشد لها المطبّلون والمزمِّرون، وتغدقُ الألقاب في غير موضعها على مدّعي الشعر والأدب! ولا نريد أن نزيد درءاً لعداوات مجانية في مواسم الرُخص والابتذال!
وكمحصلةٍ نرى أنه، على غرار سائر المجتمعات، يبدو الحراك الفكري والثقافي في طرابلس والشمال، وعلى رُغم ما أوردنا من ثغرات، مقبولاً، لا سيما في ظل هذه الظروف الصعبة التي تجتازها البلاد، حيث الهم ا لمعيشي والاقتصادي طاغٍ، ويُنيخ على الناس بأثقاله وأعبائه!
مسألة أخيرة لا بد من التوقف عندها، فنذهب إلى أن الفعاليات الفكرية والثقافية، مهما علا شأنها، لا فائدة منها ما لم تُوظف في خدمة مجتمعها المحلي، وعلى المستوى الوطني، وما لم تُسهم في إخراجنا من حالة الاستنقاع التي نعيش، على مختلف الصُعُد.. وليس ذلك من قبيل دعوتنا إلى الأدب الملتزم أو الفكر الملتزم، بل من قبيل الدفاع المشروع عن النفس، وفي سبيل حياة حرة كريمة. فالفكر ، نهاية المطاف، يجب أن يكون أداة مُقاومة!