الوجع الاجتماعي الذي يطرحه جورج خباز عبر قضايا متعددة في مسرحيته "لو بروفيسور" ("Le Professeur")

ضحى عبدالرؤوف المل

تتفاوت معاني مسرحية جورج خباز "لو بروفيسور" بين روح التراجيديا والكوميديا، وتحت عناوين ساخرة تنبع من عمق المشكلة الاقتصادية أو السياسية أو حتى الاجتماعية القاهرة، حيث تحقق الحركة الفعل التعبيري غير المنطوق، والمثير للضحكة المفاجئة التي تخرج من بين براثن الوجع الاجتماعي الذي يطرحه عبر قضايا متعددة في مسرحيته "لو بروفيسور" ("Le Professeur"). إذ يجمع جورج خباز بين النص المكتوب، والعرض المسرحي المتوافق مع الاثنين من حيث ديناميكية الأسلوب، والتشابه اللفظي بين الكلمة والأداء أو التعبير الصامت أحيانًا. ليصل المفهوم إلى ذهن المتلقي بسهولة، إيحائية في بعضها، حيث تشكل حقيقة الواقع سخرية تثير ضحكة متوجعة تدركها الحواس من بصر وسمع ومفهوم مسرحي مؤثر بمعناه ذي الوجهين التراجيدي والكوميدي، والأخلاقي والنفسي بأبعاد واقعية لم تبتعد عن نقد اجتماعي مؤثر يثير المشاعر بازدواجية إنسانية تثير جدلية تترك المشاهد بين حلول مختلفة معلقة ضمن تحليلات ذات محاكاة داخلية يثيرها في نفس المتلقي. ليلمس المشاكل الاجتماعية بحس مسرحي فكاهي التزم بفن المحاكاة الكوميدية والدراما الهزلية، والمسرح المتنوع غنائيًا وتمثيليًا وموضوعيًا.

يتماشى جورج خباز في مسرحيته "لو بروفيسور" مع المسرح الممنهج أو المنظم أكاديميًا بمراحله المتدرجة، وبتصاعد مدروس تأليفيًا من حيث النص المسرحي والإخراج. إلا أنه يحاكي الوضع الراهن في البلد من أزمات مادية أو تصديق خرافات يتعلق فيها البعض لمجرد التخلص من القلق القهري أو الوجع المتعلق بالسياسة، والحياة العائلية وخوف الرجل على المرأة، وإثبات قدراته في ظل ظروف انمحقت فيها الأدوار ما بين المرأة والرجل في العمل. فقد استطاع قيادة المسرح من نص وإخراج وتمثيل، وما إلى ذلك من الأمور الثانوية. ليتنوع بتناغم مع ذاته، ومع أفراد مسرحيته كعناصر متحركة ضمن سينوغرافيا مرسومة بتوازن بصري وتلاعب بالإضاءة حيث يضعنا في عتمة عند إثارة التخاطب التخيلي مع الجد، أو بالأحرى مع الفروقات الزمنية بين الماضي والحاضر. لنشعر أن التوصيات أو التربية التي نتمسك بها منذ الطفولة قد لا تتماشى مع الحاضر المغاير بكل تفاصيله المعاصرة، فنشعر بخيبة أمل وبالتمني للرجوع إلى الخلف. إلا أنه يصعب ذلك، لأن مسيرة الحياة تتطلب مماشاة الزمن تبعًا للظروف الراهنة، ومحاولة تخطي المحن بشتى الوسائل. فهل المسرح العبثي لرواي يكمن خلف الكواليس وأمامها هو فن قادر على إثارة التخيل وفتح أبواب الخيال على مصراعيها لنلمس الحقائق من خلال فن كوميدي ذي وجهين؟

يتجانس النص المسرحي مع الممثلين من حيث التفاعل الانفعالي المرتبط بثنائية ديناميكية مع الجمهور. كما يتجانس مع المواقف الارتجالية الثانوية الناتجة عن عدم انضباط بعض أفراد المسرحية، فتخرج الضحكة عن السيطرة. لتعكس قيمة الشخصية وأبعادها وقدرتها على التعامل المرن مع الجمهور من حيث التوازن بين المعايشة الاجتماعية وأحداث المسرحية، "عندك زبون مستعد يدفع حق الصباط بلاوي المهم يكون بالمستوى المطلوب لأن بمجتمع متل مجتمعنا" لأن يونس العامل في محل أحذية راتبه الشهري لا يساوي ثمن حذاء يدفع ثمنه المشتري ببساطة، وهو مشاكله العائلية تتضاعف بسبب قلة المستوى المعيشي. ليحلم حلم يقظة يكتشف من خلاله سلبيات الواقع بعد التفكير بالتخلص من مستوى الفقر بالتنجيم أو بخلق الأخبار التي يندفع إليها الناس دون التفكير بالإيجابيات والسلبيات، ليشطح بالخيال ومن ثم يقع في الواقع، ليبقى ضمن منطقية الحياة التي يلمسها المتفرج في النهاية من خلال الخطاب المسرحي الموجه بشكل عام إلى الفكر الإنساني.

إيقاع غنائي مسرحي يتخلله إيحاءات لغوية وحركية ترتبط ببيئة وثقافة المسرحية، الموجهة إلى الجمهور بأسلوب كوميدي ارتسمت فيه الضحكة وخرجت من قلب المعاناة، وبإطار اجتماعي مؤثر في معانيه، إذ يحقق جورج خباز واقعًا خلقه على خشبة المسرح كمنظار يرى من خلاله المشاهد ذاته بتعاطف مع يونس الذي عاش فترة من حلم ليعمل بتلفيق التوقعات التي ازدادت في البلد في الآونة الأخيرة، ليستفيق معه على نتيجة هي نوع من الاستقراء التحليلي للوضع الاجتماعي العام لفئة وسطى من فئات المجتمع بكافة مراحلها، وهذا نوع من التخطي لكثير من المشاكل التي نرى في بعض مواقفها ما يثير السخرية بسيميولوجية مضافة إلى أدوات مسرح جورج خباز، ليثير الانتباه من خلال لغة الإشارة والرمز، ولعبة التخيل أو الخيال الإيحائي الذي وضع فيه الجمهور بسلاسة تهدف إلى تبسيط المشهد أو إيصال النص المسرحي بفعل تعبيري تتشكل من خلاله لغة تعبيرية تتكامل تمثيليًا وغنائيًا، ورقصًا وموسيقى. ليتوحد العرض المسرحي مع مختلف أركانه. إلا أنه يؤلف نصه المسرحي ليتناسب مع أسلوبه في العرض، والمندمج مع العناصر أو الأفراد، وهذا ربما سيضع المشاهد لاحقًا أمام روتين هو من صنع المسرح الخاص بجورج خباز، لأن النص المسرحي يجب أن يكون مرنًا، وليس خاصًا بعناصر تخدم النص وتخضع لمراحل يحفظها المشاهد لمسرح جورج خباز، ليخرج بذلك عن المألوف وعن التنسيق الحركي المدروس بكافة جوانبه، ليتحرر الممثل ويستطيع الارتجال بشكل أفضل دون اللجوء إلى قيادة إخراجية صلبة وضعها ضمن مقاييسه المسرحية.

يعتمد جورج خباز على كينونة الممثل المسرحي وحساسيته أمام الجمهور، لأن الحركة السريعة على مسرحه هي الأبرز في الأداء القائم على التوازن اللغوي والتعبيري، والحركي المماثل للغة الحوارية. إلا أن النص لم يترك للممثل فرصة الابتكار المسرحي الخلاق برغم البناء الموضوعي وجودته الإنسانية المؤثرة عاطفيًا وكوميديًا وحتى تراجيديًا. ولكن هل يكتب جورج خباز مسرحياته خصيصًا له دون الاكتراث بالفرقة المسرحية بشكل عام؟ أم أن يونس هو فرد من مجتمع يلقي الضوء على ما يتعرض له من مواقف سلبية حياتية بعفوية وبساطة؟ وهل يحاول جورج خباز فهم جمهوره الخاص وإدراك متطلباته المسرحية؟

إن مسرحية "لو بروفيسور" هي نقد اجتماعي لمرحلة تغمر البلد بمفارقات كثيرة منها الفئات الشعبية التي تتبع تيارات سياسية معينة مع التغيرات الجوهرية التي يتمناها كل مواطن، وبالأخص رب الأسرة الطامح إلى تقديم الأفضل لعائلته، ولكن قدمها ضمن فقرات أو فصول اختصر أغلبها بأغانٍ تحاكي الموقف. لتدب الحياة في شرايين المسرحية، ولا يشعر المتلقي بالملل أو الخروج عن الموضوع لإثارة انتباه الجمهور بشكل دائم.

برؤية أخرى مسرحية "لو بروفيسور" لجورج خباز تقدم تجربة مسرحية فريدة تجمع بين الكوميديا الهادفة والدراما الاجتماعية. تأخذنا المسرحية في رحلة عبر تعقيدات الحياة اليومية، مما يتيح للمتلقي استكشاف قضايا معاصرة بلمسة فكاهية.

تتناول المسرحية موضوعات عديدة، منها الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، ومشاكل العلاقات الإنسانية. يعكس يونس، الشخصية الرئيسية، الصراعات الداخلية والخارجية التي يعيشها الأفراد في المجتمع. الكوميديا هنا ليست مجرد وسيلة للترفيه، بل أداة لتعزيز النقد الاجتماعي.

تتميز المسرحية ببناء درامي متماسك، يبدأ بعرض الوضع الراهن ثم يتصاعد التوتر من خلال المواقف المختلفة التي يواجهها البطل. يتداخل الحوار الساخر مع المواقف المأساوية، مما يؤدي إلى توازن بين الضحك والتفكير العميق.

الشخصيات مصنوعة بعناية، حيث يمثل كل منها فئة اجتماعية معينة. يتميز يونس بتجسيد آمال وأحلام الطبقة الوسطى، بينما تعكس الشخصيات الأخرى التحديات التي تواجهها في المجتمع. يؤدي أداء الممثلين دورًا حاسمًا في تجسيد هذه الشخصيات بشكل مميز وواقعي.

تحت إشراف جورج خباز، يتم استخدام التقنيات المسرحية بمهارة، حيث يدمج الإضاءة والموسيقى بطريقة تعزز من التجربة الكوميدية. الاختيار الذكي للأماكن والديكورات يعكس الحالة النفسية للشخصيات، ويضفي طابعًا واقعيًا على الأحداث.

يستخدم خباز لغة تعبيرية حية تمزج بين اللفظي والغير لفظي. تعزز الحركات الإيمائية وتعبيرات الوجه من تأثير المشاهد، مما يساهم في إيصال الرسائل بشكل أكثر عمقًا. الكوميديا تنبع من التفاعل بين الشخصيات، وتثير ضحك المتلقي في اللحظات الأكثر تعقيدًا.

تتضمن المسرحية عناصر فنية مثل الأغاني والرقص، مما يضفي حيوية على العرض ويجعل الجمهور متفاعلًا. استخدام الموسيقى يضيف عمقًا عاطفيًا، ويساهم في خلق جو من الألفة والانسجام بين الشخصيات.

تعتبر "لو بروفيسور" تجربة مسرحية متكاملة، تعكس قدرة المسرح على التعبير عن القضايا الاجتماعية من خلال الكوميديا. تتميز المسرحية بقدرتها على جذب انتباه الجمهور وإثارة تفكيره، مما يجعلها ليست مجرد عرض فني، بل دعوة للتأمل في واقعنا. بإيجاز، تبرز المسرحية كيف يمكن للفن أن يكون وسيلة فعالة للتغيير الاجتماعي، حيث يُحمل الضحك على عاتقه مسؤولية معالجة قضايا خطيرة بأسلوب ممتع.

Doha El Mol

dohamol67@gmail.com