الرؤية المستقبلية المرتبطة بتصحيح أخطاء الزمن

ضحى عبد الرؤوف المل – بيروت - لبنان

فيلم كرتوني قصير ثلاثي الأبعاد يعرض حالتي الخجل والخوف من الآخر عند الشباب. يبدأ الفيلم بالإشارات الحسية المثيرة للاهتمام، مع الانتباه اللحظي للحركة المقترنة بقوة الملاحظة للتغيرات التقنية للمكان أو الزمن الذي يعيش فيه، حيث تتغير فيه المعايير البشرية وتتيه فيه الأفكار مع الآلة، وما يمكن أن تقدمه للإنسان في حال اختراعها دون دراسة أو رؤية خلفية. لتقاوم أي خطأ يطرأ عليها، إذ تمنح المشاهد الكرتونية في الفيلم الإنسان قيمة لتخيلاته، وما ينتج عنها من ابتكارات أو إبداعات هي بحد ذاتها لوجهين مختلفين: إما أن تخدم الحضارة، أو أن تصيب الحضارات بالدمار والفناء. اعتمد المخرج على الأصوات الحسية التي ترجمها "بانوا ماليس" (Benoit Malis) كأصوات تفاعلية مع ما حولنا فقط، دون اللجوء إلى موسيقى مثل حركة الصعود في المصعد، وتقليد زملاء سام له أو السخرية منه لأنه لا يبني صداقاته بشكل جيد.

فالفيلم صامت، وما من محاكاة لغوية فيه، إلا أنه يعتمد على الحوار المرئي أو جدلية الفكر والعقل والاختراعات المادية التي يحاول سام تخطي الخجل والعزلة وعدم مشاركة الآخرين مشاعرهم من صداقة أو حب من خلال رؤية ما قد يحدث في الزمن في حال تم تفعيل هذه الاختراعات العلمية التي يحضر عروضها، والخالية من الأحاسيس في الكون. لكن كل ما يحدث هو داخل مكان يشبه المخيلة التحليلية التي تجتاح الإنسان العبقري القادر على التخيل، لإنتاج الواقع المستقبلي الذي يهرع إليه ويهرب منه، لأنه يحاكي أزمنة ليست له، وإنما هي مسايرة الزمن والخوف من بعض الأضرار التي قد نتسبب بها من خلال اختراعاتنا.

لينقسم مع الاسترجاع السريع في المشهد الذي أعاد سام إلى مكتبه إلى قسمين: قبل وبعد. ليستكمل الحياة بعدها كشخص طبيعي غير خائف من زمن هرب منه في مخيلته، حيث طبيعة العلاقات الإنسانية الحقيقية، وهي تخطي الأزمات النفسية كخجل والخوف، وما إلى ذلك إلى الحب والزواج والتكاثر النوعي الحقيقي الذي تكتمل به الحياة.

إن ما يترسخ في ذهن المشاهد من مختلف الأعمار هو ما يعصف به الفيلم ذهنيًا، وما ينتج عنه من حدس زمني قد يراه البعض جماليًا بمستوى رائع، وقد يتخوف البعض منه ويفشل في بناء العلاقات الاجتماعية التي يتكون منها أساس المجتمع الإنساني أو البشري، وإلا فسنحتاج إلى إنسان آلي يتسبب بسوء لا يمكن إصلاحه بعد فوات الأوان، حيث يلعب التباطؤ الزمني دوره في الزمن الحاضر، خصوصًا بعد رؤية مدموجة بما هو متوقع أو آت.

فهل الخوف من الحب أو البوح به ونسيان الخجل يمثل عودة للحياة، أم إن العقل الإنساني مبرمج لتخطي الصعاب، وكأنه مراقب نفسي وفق نظام معقد؟ هذا ما يحاول طرحه الفيلم بأسلوب كرتوني ذي أبعاد بصرية وحركية تعتمد على الألوان الهادئة والصمت الموسيقي، إذ يعتمد "بانوا ماليس" على الصوت الحسي الذي يمكن اكتشاف الترابط ذهنيًا فقط.

سام، قصة فيلم كرتوني من إخراج فرنسي لمجموعة من المتخرجين هم: مايكل بونفيل (Mickael Bonfill)، رومان بورتات (Romain Protet)، وأمانويل أورانغو (Emmanuel Aurengo). حيث نقلوا المشاهد إلى مجتمع آلي في لحظة تمت دعوة سام فيها لحضور عرض علوم، هو نوع من التخيلات والتهيؤات التي يحتاجها الإنسان لتصحيح مساراته واتجاهاته، فالبساطة في الفكرة هي تعقيد في التنفيذ، والزمن هو انتقال من وإلى، كما الحلم أو التخيل.

هذا ما يعرضه خلال تسع دقائق وثلاث عشرة ثانية، نستعرض من خلالها مساوئ الخجل عند الشباب منذ بداية دخول الفتاة التي يحبها سرًا ويخاف الاحتكاك الشفهي بها للتحية فقط، أو حتى البوح لها في المصعد، وحتى اللقاء بها في المطعم مع إبراز نتائج العزلة وما يصدر عنها من إزعاج تخيلي قد يسبب الخوف والأزمة النفسية عند الشاب.

فهل يحاكي الفيلم الكرتوني القصير المجتمعات بشكل عام، بأسلوب بسيط وسلس وفكرة تعالج مساوئ الخجل عند الشباب مع الحفاظ على رؤية زمن معافى من آلية المشاعر الإنسانية الجافة، الشبيهة بعرض للإنسان الآلي المساعد في معرض العلوم، بعد أن شعر سام بنتائج الخوف من المشاعر تجاه الآخر وتجاه الزملاء أو الأصدقاء. فالحياة الإنسانية هي عقل وعاطفة وتوازن منطقي بينهما.

حمل الفيلم مفاهيم متعددة، أبرزها الخجل المؤدي إلى سلبيات يصعب تصحيحها في المستقبل، لتكون أشبه برؤية شباب قدمها الشباب الثلاثة بأسلوب فني كرتوني متعدد الأبعاد، ومن مشاهد بطيئة وسريعة، واعتمدت في بعض منها على الاسترجاع الذي يحتاج لزمن مختلف، إلا أنهم اعتمدوا على الاسترجاع السريع جدًا ليحققوا اختزالات كان يمكن أن تكون بمثابة تباطؤ وسريع بين الفيلم وأقسامه ما قبل وما بعد عرض العلوم للإنسان الآلي الذي هرب منه سام، ليعيد ترتيب مشاعره وليتخطى عقدة الخجل والتواصل مع الآخرين.

فيلم سام القصير Sam | The Short Animated Movie لمخرجين فرنسيين شباب هم: مايكل بونفيل (Mickael Bonfill)، رومان بورتات (Romain Protet)، وأمانويل أورانغو (Emmanuel Aurengo).

برؤية أخرى فيلم "سام" هو عمل كرتوني قصير ثلاثي الأبعاد يعكس حالات إنسانية معقدة، مثل الخجل والخوف من الآخر، بأسلوب مبتكر يجمع بين الجمالية البصرية والعمق الدرامي. يقدّم الفيلم تجربة فريدة تحاكي التحديات النفسية التي يواجهها الشباب في عالم متغير.

يتناول الفيلم موضوع الخجل كعائق أمام بناء العلاقات الإنسانية. يتجلى هذا من خلال شخصية سام، الذي يعاني من صعوبة في التعبير عن مشاعره، خاصة تجاه الفتاة التي يحبها. تعكس الدراما الداخلية للصراع النفسي لديه رغبة قوية في التواصل ولكنها تصطدم بعقدة الخجل، مما يؤدي إلى مشاهد مؤثرة تعكس عمق المعاناة النفسية.

اعتمد المخرج على تقنيات بصرية متطورة، حيث استخدم الألوان الهادئة للتعبير عن مشاعر الشخصيات. الحركة السلسة في الرسوم المتحركة تساهم في تعزيز إحساس المشاهد بالتجربة الداخلية لسام. كما تم الاستغناء عن الحوار اللفظي، مما يجعل الصوت الحسي وأصوات البيئة تتحدث بدلاً منه، وهو ما يعكس بذكاء الحالة النفسية للبطولة.

الإخراج في "سام" يعكس رؤية فنية متكاملة؛ فكل مشهد مُصمم بعناية ليجسد الصراع النفسي. الانتقال بين اللقطات السريعة والبطيئة ينقل المشاهد بين حالات القلق والهدوء، مما يعكس التوتر الذي يشعر به سام. الاسترجاع السريع في المشاهد يُضيف بُعدًا آخر، حيث يُظهر كيف يتأثر سام بتجاربه السابقة وكيف يسعى لتجاوزها.

الفيلم يمتاز بجمالياته التعبيرية، حيث يُستخدم الضوء والظل بشكل مبدع لتسليط الضوء على مشاعر الشخصيات. اللقطات القريبة تُبرز تعابير وجه سام، مما يعكس الصراع الداخلي بوضوح. التركيز على التفاصيل الصغيرة، مثل حركة اليدين أو تعبيرات العينين، يساهم في بناء رابطة عاطفية قوية مع الجمهور.

يحمل الفيلم رسالة عميقة تتعلق بأهمية التغلب على الخجل والخوف لبناء علاقات صحية. كما يُبرز التحديات التي تواجه الشباب في مجتمع متغير، مما يجعل القصة قريبة من قلوب العديد من المشاهدين. الرسالة تدعو للتواصل والتعبير عن المشاعر كسبيل لتحقيق حياة مليئة بالعلاقات الإنسانية الغنية.

فيلم "سام" هو تجربة فنية تعبيرية تأسر المشاهد من خلال جمالياته وتقنياته المبتكرة. يقدم رؤية موضوعية عن الصراعات النفسية التي يعيشها الشباب، مع تسليط الضوء على أهمية التغلب على هذه التحديات. يجمع الفيلم بين الجانب الفني والدرامي بشكل متكامل، مما يجعله عملاً يستحق المشاهدة والتأمل.

Doha El Mol

dohamol67@gmail.com