أحاسيس البؤس التعبيرية في أعمال الفنان إيغون شييل

ضحى عبدالرؤوف المل

تتعاظم أحاسيس البؤس التعبيرية في أعمال الفنان النمساوي " إيغون شييل"( Egon schiele ) بجمالية ذات إشكاليات فنية تثير الكثير من الاستنكارات أحيانا . إلا أن في رسوماته المشحونة بالوجع فلسفة تضعك أمام الكثير من الكوارث الطبيعية التي تصيب الإنسان، وتجعل ذلك ينعكس على تعابيره، ويمنحها رؤية مختلفة منها المشوه ومنها الإباحي ومنها الذاتي . إلا أن قدرته على استخراج الأحاسيس البصرية يفرض قوة الاستقراء للوحات تجذبك وتسحب منك الألم، مما يدفعك إلى تأمل عمق المعنى البارز من الألوان قبل الخطوط ،كأن اللون وتدرجاته لا يقل أهمية عن الخط وتعاريجه أو ليونته، وان بدا متأثراً بالفنان "غوستاف كليمت "إلا انه متمكن من كسر جمود التعابير المأساويه ومنحها النبض الجمالي الذي يتضاد مع المعنى ، كأنه يسعى إلى الألم لخلق التعابير حسياً، وباستثارة أسلوبه المحمل بالجمال البائس إن صح القول . فهل تحمل لوحاته رؤية فنية مصدرها البؤس الذي يصيب الإنسان ويجعل من تعابيره شكلاً جمالياً مؤطراً بواقع الإنسان المر والحلو في آن ؟ أم أنه رسم لحظاته الموجوعة وهو من مات في عمر الشباب منتزعاً من الجسد الطيني ليونة التعابير التي تتخبط معها النفس وتتركها في حالة استخرجها إلى أن انطبعت فيها لوحاته بشكل عام؟

يؤكد الفنان "ايغون شييل " على ضعف الحياة البشرية القائمة على الكوارث المرضية وغيرها التي تصيب الإنسان بشتى الأمراض، كالضعف الجسدي الذي يصوره تعبيريا هزيلاً ومترعاً باللمسات اللونية المعبرة عن أوجاعه دون تعاطف مع الألوان الصارخة التي تترجم ذاتيته المثقلة بجدلية العيش الكريه في ظل المجتمعات الفقيرة والمهووسة نفسياً بأمراض اجتماعية الجنسية منها والاختلال العقلي، والأمل بالعيش العائلي السليم دون توارث لتعاسة تتسلسل معها الأحداث المؤدية إلى التشاؤم والخوف من الموت والشيخوخة والذبول المرتبط بحالات الحب والجنس والولادة وفقدان الأنوثة والرجولة، وما الى ذلك من أحاسيس داخلية تنعكس بمجملها على الحياة البشرية، وتؤدي إلى الأمراض والأوجاع والألم والاكتئاب والتعاسة، كل ذلك يضعه ضمن حركة الجسد والعضلات والتعابير الظاهرة على الوجه وتفاصيل الجسد بأكمله ، كأنه ينحت بالقلم أو بالألوان وريشة هشة تنسجم مع مواضيعه التي يرسمها بتقنية التخيلات اللونية المسلط عليها الضوء بخفوت مدروس، ليوحي بنغمة التعاسة في رسوماته التعبيرية المحتفظة برونق القلم الرصاص والفحم والغواش، والألوان الأخرى محتفظا بتأثيراته الخاصة على كل وجه أو جسد يرسمه كالخربشات اللونية على اليد والأصابع والفم والجبين بتنسيق ساكن، وإن ضجت به اللمسات اللونية الصغيرة التي تجسد التشاؤم والألم والتعاسة والخوف من الموت .

قهر وجمال ولوحات تجعلني أضع حولها ألف علامة استفهام وسؤال، أبرزها ما سر قوة التعبير التي تجذب البصر إلى شخوصه والتعاطف معها، فالمواقف المرتبطة بالمومسات أو بحاجة الإنسان الآخر، أو حتى الميت الحي أو العكس الحي الميت من خلال عكس معنى الألوان والتوجس من الحروب المؤثرة على تشتت الإنسان وإصابته بالكثير من الأمراض التي تشهد على التفكك البشري، بتوازن بصري يوضح من خلاله القلق النفسي الذي يصاب فيه الإنسان في أغلب مراحله العمرية. إن من حيث التعبيرات والرموز اللونية أو من خلال هشاشة الألوان التي ترمز إلى هشاشة الحياة والمخاوف من أحداثها المؤثرة على الفرد او الشخصية التي يرسمها بتأن ذاتي شعوري يميل إلى تفجير كوامن الحس العاطفي الذاتي، فيشعر المتلقي بمصداقية التعبيرات وأوجاعها والتعاطف معها لفهم أهمية الإنسان وحقه في العيش ضمن الإلوان التي تنسحب منها بهجة الحياة رغم حرارتها أو قوتها أو حتى خطوطها التي تحدث دهشة غرائبية ازدواجية تصدم الحس البصري في أول الأمر، ومن ثم مأساوية المعنى التعبيري المتناسب مع غرابة هذا الفن التشكيلي التعبيري مضموناً وبتشكيل تتوهج فيه النفس الإنسانية ومآسيها .

Doha El Mol