فعل الظل في المسرح الحركي

ضحى عبدالرؤوف المل

في مسرحية Le Bal des Rêves، يحقق النشاط الجماعي المتناغم قوة حوارية حين تتضافر الجهود لتحقيق المحور الأساسي من الهدف المسرحي الناجح، بدءًا من تأليف النص وصياغته، وصولًا إلى تنظيم العمل وإخراجه، وما بينهما من أداء حركي فني إيحائي وتمثيلي مبدع. فالعرض المرئي والمسموع هو الأدب القادر على تنمية الحواس الجمالية. إلا أن الجهد الأساسي فيه هو لفنان مسرحي جيد تتوفر فيه سرعة الحركة والتعبير والليونة القادرة على ابتكار تعبير يرسم معالمه على وجه المسرح، فيستطيع الجمهور قراءة الملامح ويتأثر بها، مما ينعكس على جودة التأثر والتأثير عند المتلقي، وهذا ما لمسته في مسرحية متل الحلم عند حضوري لها على مسرح دوار الشمس.

ضوء مسلط على دمية بيد سليمان الحفيد، من الأصول اللبنانية، ودور واقعي مرتبط بالخيال في محاكاة ثنائية تخلق عند الطفل نوعًا من المحاكاة الذاتية، وهي غالبًا ما يلجأ إليها حين يشعر بالوحدة في انشغال الأهل عنه. فالعين انجذبت نحو ديناميكية الدمية وحركتها الشاعرية في يد الممثلة "ماريليز عاد" (سليمان الحفيد)، صاحبة الإيماءات التعبيرية الصامتة القادرة على توسيع فضاءات المخيلة التعبيرية والبصرية. فالواقع هو سليمان والخيال هو دميته، وهذه الثنائية المتناقضة تسحر الذهن وتجعله يتقبل الفكرة، فيحللها ويخضعها لسلسلة من التساؤلات التي تعصف بالذهن، وتخلق عند المتلقي راحة تضئ له أفكاره، فيشعر بمحاكاة الشخصية له لأنها تعبر عنه في لقطات مشهدية عديدة، كما تنمي المرونة الجسدية التي أتقنتها "ماريليز عاد" أجهزة الطفل الحسية والإدراكية، مما كثف مشاركته الوجدانية وجعلها أشد تأثيرًا، ليثابر على متابعة الأحداث المسرحية. وهذا ما ينعكس على قواه الذهنية، فتستقر المفاهيم المعرفية والسلوكية في ذهنه، كالحركة في شقلبة بهلوانية من "ماريليز عاد" (سليمان الحفيد) في إيقاع محبب تسرب داخل الطفل، وهذا ما أدى إلى تقوية عنصر الإقناع، ليتفاعل المتلقي أكثر مع الحركة التعبيرية على خشبة المسرح. إلا أن "فؤاد يمين" (الجد) استطاع بث الفكاهة في أجواء المسرح حين وقع على الأرض في حركة توحي بثقل الجسد بالمقارنة مع خفة جسد الحفيد بعد مشاكسة وحركات متكررة من الجد والحفيد، والتي أسهمت في تزويد الحواس بالعديد من مهارات حيوية تعبر عن حركات اتصالية قوامها تعزيز مفهوم التناقضات مع حركات الإيحاء بركوب القطار ورؤية الطبيعة الجميلة، ومن ثم اللعب الجماعي مع الأهل.

إن الارتباط الزمني بين الجد والطفل غالبًا ما يحدث واقعيًا، لأن رؤية الماضي تتخطى الحاضر نحو المستقبل، وهو ما نتطلع إليه لبناء أدمغة لا تتخطى نسيان التاريخ، ولكنها تحاكيه في خلق تصورات تاريخية حديثة، وحوارية مثمرة، وفكرية نستطيع من خلالها بث روح الحياة المشتركة في العالم على أساس المحبة وفهم احتياجات الآخر والحوار معه. وهذا ما جمع الأم والأب في مشاهد أعادت للحلم جماله، ولسليمان حفيده، وللقطار صعوده وهبوطه، وللحذاء طيرانه، وما إلى ذلك من مفردات ملأت جعبة الطفل لغويًا ومعرفيًا.

يقول جاك ليكوك: "إن الممثل يكتب بجسده في الفضاء المسرحي، مثلما يكتب المؤلف المسرحي بقلمه على صفحة بيضاء." فنزلي برهوني (الأم) استطاعت كتابة تناقضات مختلفة خلقتها في فكر المتفرج، فهي جمعت بين القساوة والليونة التعبيرية في جسدها، والهدوء والصخب في صوتها، وأكملها الجد (فؤاد يمين) في خيالاته عن الجدة والقطار والحلم الماضي، وخيالات الحفيد بالحذاء الطائر والمستقبل المملوء بالتوافق العائلي والاجتماعي. فهذه مقارنة بين جيل الأمس وجيل اليوم، وكأن الربط بين الزمن الحاضر والزمن الماضي هو بين سرعة حركة في ارتعاشة أطراف وفوارق بسيطة لها تقنية عصر يتميز بالتقاط تكنيك الحداثة. فالمائدة واحدة والفرق هو الخارج والداخل، الطبيعة المفتوحة والمكان المغلق، الهدوء والضجيج، القطار الحلم القديم والحذاء الطائر، حلم المستقبل وحلم الماضي. فاسترجاع اللقطة من الذاكرة يشبه الأداء الاسترجاعي السريع للمشهد (lift) في أداء حركي تمثيلي بارع استطاع جذب انتباه الطفل. حينها شعرت بالشد العضلي لأطفال تأملتهم أمامي، وكأن المشهد استفاق في أذهانهم ليعيدوا بداية المشهد في نفوسهم وجدانياً.

ضوء عكس الظل على شاشات متحركة كان يتقطعها حركة واقعية طبيعية، وكأن الزمن القادم المتعدد الأبعاد يحتاج إلى ذهن قادر على تجميع الصورة الذهنية، فالكتل المتحركة على المسرح لعبت دورًا في إضاءة الفكر الرياضي من مستطيلات ومربعات استعملت كديكور مسرحي، وشاشات عرض لمسرح الظل في مشهد حمل من المخزون النفسي الداخلي تعبيرات يشعر بها الطفل أو المراهق عند سماع صراخ الأهل، فظهرت كوامن الطفل الداخلية كظل مخيف يعكس ظلال الأهل، بالإضافة إلى حركة الأصابع مع الأشياء المتخيلة حين رسم الجد والحفيد نوافذ القطار ومن ثم فتح النوافذ لرؤية تعبيراتها الجمالية في نفوس الأطفال مع فكرة العولمة المتماسكة التي تفتح الآفاق للعيش بسلام مع الماضي والحاضر والمستقبل.

لم ينس مسرح خيال الظل آداب الطعام وما يحمله من لياقة في تناول الأطعمة واجتماع الأسرة على مائدة واحدة، كما لم ينس قيمة التعايش اللبناني والفرنسي، وكأننا أصبحنا عائلة واحدة تتشابه في الماضي والحاضر مع اختلافات سلوكية تهدف إلى تنظيم العلاقات الإنسانية، فنحن نتشابه في مراحل الحياة الزمنية من الإبن والأب وحتى الجد. فالحوار بين "داميان تومي" (الأب) وبين "فؤاد يمين" (الجد) دغدغ مشاعر الأطفال على المسرح، ما زاد من تفاعلهم مع الذكريات التي تشبه ما يحدث مع الجد والحفيد، ومن خلال الانفعالات الواعية التي حبكتها "لوتشيا" لرسم كوريغرافيا حركية هادفة ومدروسة للطفل.

في المشاهد تحديد زمني ومكاني مرتبط بالجد واحتياجاته للمعرفة حين قال: "إنو على القليلة كنت تعرفي كلمتين فرنساوي"، ففقدان التواصل اللغوي يسبب الحزن للجد، لأنه لا يستطيع التفاهم مع حفيده إلا من خلال صندوق الذكريات، وما يحمله في جيبه من صورة لقطار تركه منذ سنين، ومشاكسات صبيانية أفقدته السيطرة على نفسه ليقول: "لو كنت بلبنان كنت عملتلك كفين". فهل حقوق الطفل مصانة في فرنسا؟ ومهدورة في لبنان؟

ما بين الممكن والمستحيل زمن كالحلم يجمع الأزمنة في واقع نتخيله، وخيال نطمح إلى تحويله حقيقة تجعلنا نرى الظل الداخلي المنعكس ضوئيًا في أنفسنا، مما يجعلنا نسعى للوصول إلى فكرة التعايش الثقافي والجغرافي الممتد من عالم الطفولة الفطرية البريئة إلى عالم يشبه الحلم. نتمنى الحصول عليه لنعيد للزمن تطوره وبهجته، ولو من خلال بسمة يرسمها مسرح خيال الظل على وجه كل طفل يعاني من الوحدة ويخاف المستقبل.

في النهاية، أقول إن مسرحية أتقن مخرجها تقنية عمله، وتأثيث خشبة المسرح بما يتناسب مع المفهوم النفسي للطفل واحتياجاته المسرحية، فالمكونات كانت بسيطة جدًا ومريحة للعين، بل ممتعة بأشكالها الهندسية المتحركة، كما أتقن أبفون باير اللعب على المؤثرات الصوتية من هادئة وطبيعية إلى حالمة ومؤثرة، مما أدى إلى ترسيخ المشهد أكثر. أما "غيوم ساروي" فقد اعتمد الموجات الضوئية وتدرجاتها لإضفاء الدلالة التعبيرية على حالات الحزن والفرح وما إلى ذلك، ولعب مع العتمة والظل أكروباتيًا، وكأننا نرى عنصر الضوء في رياضة حركية ضوئية زادت من جمال التفاعل مع الظل والدمج التمثيلي التعبيري. فالرشاقة والإيحاء عناصر جمالية عششت في وجدان كل طفل رآها، مما جعلني أحمل حسرة مؤلمة أنها لم تعرض في طرابلس كما كان مقررًا لها بسبب الأوضاع الأمنية التي نعيشها. فهل يستطيع الحلم حمل كل طفل ومراهق لرؤيتها على مسرح دوار الشمس في الطيونة؟ وهل تستطيع وزارة الثقافة تأمين عرضها لما تحمله من مفاهيم وجدانية مختلفة وتربوية حديثة في كل مناطق لبنان من عكار حتى الجنوب مجانًا؟

برؤية أخرى تعتبر المسرحيات التي تستهدف الأطفال من أبرز أشكال التعبير الفني، حيث تجمع بين الترفيه والتعليم من خلال سرد قصص مشوقة تتناول موضوعات قريبة من عالم الطفل. في هذا التحليل، سنستعرض مسرحية "متل الحلم" كحالة دراسية، من خلال تسليط الضوء على عناصرها الدرامية والفنية والجمالية، وكيفية توظيفها من منظور إخراجي يحقق الأثر المطلوب على الجمهور الصغير.

تتناول المسرحية قضايا الهوية والحنين إلى الماضي، مبرزة العلاقة بين الأجيال المختلفة. تقدم شخصيات المسرحية، مثل الجد والحفيد، رؤى متباينة حول الحياة والذكريات، مما يتيح للأطفال التعرف على تجارب عائلاتهم والتفاعل معها. هذه الديناميكية بين الماضي والحاضر تعكس صراعات الهوية وتعزز قيمة التواصل الأسري.

تستخدم المسرحية تقنيات سردية متنوعة لتعزيز التأثير الدرامي. تتضمن الأحداث تحولات سريعة تعكس مشاعر الشخصيات، مما يجذب انتباه الأطفال ويحفز خيالهم. كما تتميز المسرحية بوجود لحظات كوميدية مدمجة مع الدراما، مما يخلق توازنًا بين الجدّية والمرح، وهو عنصر أساسي في مسرح الطفل.

تعتمد المسرحية على الأداء الحركي والمرئي، حيث تلعب الحركة دورًا حيويًا في نقل المعاني والمشاعر. يستخدم المخرج تقنيات متنوعة مثل الإضاءة، والألوان، والديكور لإبراز الحالة النفسية لكل شخصية. الحركة الشاعرية للدمية التي يحملها الحفيد تعكس عمق العلاقات الإنسانية، وتسمح للجمهور بتجسيد الأفكار المجردة بصورة ملموسة.

تتسم المسرحية بجمالية تعبيرية قوية، حيث يتم استخدام اللغة الجسدية والإيماءات لتعزيز الرسائل. الإيماءات التعبيرية الصامتة للممثلة "ماريليز عاد" تجسد المشاعر بشكل مؤثر، مما يسهم في خلق بيئة غنية بالخيال. الألوان الزاهية والديكورات البسيطة تجعل العرض جذابًا ومناسبًا للأطفال، مما يعزز من تجربتهم الجمالية.

تعكس المسرحية قيمًا تربوية هامة، مثل التعاون، والتواصل، واحترام الآخرين. تقدم الأحداث مجموعة من الدروس التي تعزز من تنمية شخصية الطفل، مما يجعل العرض مفيدًا على المستوى التربوي.

يمكن القول إن "متل الحلم" تجسد تجربة مسرحية غنية، تجمع بين الإبداع الفني والعمق الدرامي. يتم توظيف جميع العناصر بشكل متقن لإنتاج عمل مسرحي يتفاعل معه الأطفال بشكل إيجابي، مما يعكس أهمية المسرح في تشكيل الوعي وتطوير المهارات الحياتية لدى الأطفال. إن النجاح الإخراجي للمسرحية يعكس رؤية واضحة للتفاعل مع الجمهور، ويعزز من أهمية العروض المسرحية الموجهة للأطفال كوسيلة للتعلم والترفيه.

Doha El Mol

dohamol67@gmail.com