الرسوم المتحركة ذات الأبعاد البصرية؟

ضحى عبدالرؤوف المل

فيلم "هاستا سانتياغو" يفوز في مهرجان طرابلس للأفلام. يؤطر "مورو كاريرو" (Mauro Carraro) رسومه المتحركة في فيلمه "هاستا سانتياغو" (Hasta Santiago) ليضعها ضمن فضاءات واقعية متخيَّلة من رحلة إنسانية لا نحتاج من خلالها إلى حمل الحقائب، وقد نحملها وفق تناقض مبني على احتياجاتنا الاجتماعية التي نحمل أوزارها وراثيًا. ربما نتمرد، وربما نتوافق مع الآخرين. إلا أن بين هذا وذلك نستمتع برحلة مورو وسط مفارقات تصويرية ذات حركة تنسجم مع الموسيقى التصويرية التدريجية بنغماتها البصرية المتوافقة مع حركة الصورة التي تحمل في طياتها العديد من المعاني الإنسانية. ولكن قد نلجأ إلى القيام بالعديد من الرحلات في تخيلاتنا التي نرسمها في فضاءات ليلية أو نهارية حين يفيض الإحساس بالتعب من رحلة الحياة نفسها. لننتفض ونحاول العبور وفق طريق نلتقي به مع أشخاص نضيف عليهم ويضيفون علينا، فهل هذا ما حدث مع "مورو كاريرو" ليبدأ رحلته مع الرسوم المتحركة ذات الأبعاد البصرية؟

تقنية رقمية ومؤثرات بصرية حافظ من خلالها "مورو كاريرو" على جمالية الألوان المائية الهادئة. لفيلم يتميز بالقدرة على الإمساك بنقطة التقاء الحركة المتوافقة مع الفكرة المنطلقة من رحالة بسيط مشى ليلاً ليلتقي بالعديد من الأشخاص أو حتى الكائنات، ومع الكثير ممن هم مثله أو مختلفون عنه. إلا أنهم يحملون الأفكار المتشابهة والمتناقضة. وبرغم ذلك، فإن رمزية العصا والحقيبة هي الأثر الراسخ في الذاكرة الطفولية عن رجال الدين وحكاياتهم، والطرائف التي تحدث معهم. أليس هذا ما نسمعه في قصص ما قبل النوم؟ أم هو السير مع القديسين تبعًا لهواجس لم نفكر بها، أو هو ما نحمله في طيات أنفسنا؟

يحاكي الفيلم جوانب عديدة من حياة نتجه فيها نحو طريق واحد يؤدي بنا نحو طرق مختلفة، قصيرة أو ربما طويلة، لكنها تحتاج للتأمل والصفاء وأحيانًا لخوف وأمل ورجاء ومحبة ولجوء إلى الله. فالتوليفات التصويرية تميزت بمحاكاة حسية بصرية مؤثرة في النفس. ليُرسم ضحكة رشيقة على شفاه المتفرجين، فأبعاد التحريك المرن خفيفة الظل وتندمج مع الرسومات بديناميكية رقمية تنتج عن دقة في التقاط الحركة، والتأطير المتعاقب مع شفافية مرئية تترجمها الحركة وتساعدها الموسيقى المتوائمة إيقاعيًّا مع هذه الحركة الملفتة في أسلوب واقعي أسطوري. اتخذ منحى التحريك الرقمي المبني على نقطة التقاء الحركة مع النقاط الأخرى، كالموسيقى والألوان والرسومات والخطوط. ليجمع "مورو كاريرو" في فيلمه مؤثرات ذات فضاءات افتراضية تتماشى مع زمنية الرؤية الجديدة في الحياة المعاصرة، ومع الالتزام بما رسخ في ذاكرة كل منا.

يمجد الفيلم طريق القديس "سان جاك" وما يحمل من معانٍ روحية ودينية، ولكنه أيضًا يحمل مفارقات تتضح في العديد من الصور الحركية المدمجة مع بعضها. فأحيانًا نرى أزهار دوار الشمس تتجه نحوه بتمايل موسيقي، وكأن الحياة في الإنسان هي رسالة لكل الكائنات، وأحيانًا أخرى يجلس على قمم البيوت العالية. وهذا يحافظ على التخيلات المبهمة في فيلم ما هو إلا تتبع أثر لقديس مشى على طريقه العديد من الأشخاص، ولكن كل حسب رؤيته الخاصة، كما مشى عليه "مورو كاريرو" وفق رؤية أنتجت فيلمًا سينمائيًا هو مجموعة رسومات خيالية واقعية ورمزية ملونة مائيًّا مع الباستيل الرقيق في مشاهد عاطفية، دينية، اجتماعية، بيئية، طبيعية أو انطباعية، ولكن بالنهاية أسطورية أو ميثولوجية، خصوصًا في شكل المثلث المتماشي مع الراهبات والألوان التناغمية، والراقصة مع الحركة والنغمة ونقاط الالتقاط وعدد الرسومات في مدة 12 دقيقة و45 ثانية.

أفكار مستوحاة من التراث الديني، أو بالأحرى القديس جاك، وهذا هو المعيار الحقيقي الذي يحاكيه الفيلم. لأننا في النهاية نتبع الأثر، ونحمل الحقائب ونحتاج لمساعدة عصا. لنمشي بين الدروب في سعادة وتأمل ومصالحة مع الذات، أو أن نتخلى عن كل ذلك، ونترك ميزة الاكتشاف تغلِّف كل طريق نسلكه نحو حج أو نحو أهداف أخرى لا نعرف ماهيتها ما لم نسير في طريق ما.

إن المشي لدقائق في فيلم أسطوري بالطبع لا يتشابه مع الطريق الديني الذي مشى عليه الحجاج. إلا أننا نسير في طريق الحياة بازدواجية كتلك التي نظمها "مورو كاريرو" بتناقض رياضي (طويل، قصير، رفيع، عريض، سمين، نحيل)، وما رافق هذا من تناقض في الألوان، والأساليب التخيلية كالنوافذ التي تغلق وتطير شبابيكها، أو كالزهور المتمايلة، أو كالجرذان التي نمتطيها في أحلامنا، أو حتى في واقعنا، كالاختبارات العلمية التي تجرى عليها. ولكن كل هذا في حركة مستمرة شبيهة بحركة زهرة دوار الشمس التي تتبع الشمس أو تميل وفق موسيقاها الخاصة.

يحاول "مورو كاريرو" في فيلمه ذي التقنية الرقمية، والمحمل ببساطة فكرة تحمل في طياتها الكثير من الدلالات، تمجيد الأثر الديني للقديس جاك، وللمزارات أو تحديد نقطة التقاء تبدأ وتنتهي عند مزارات دينية التقطها حركيًا وتوجَّه بموسيقى تصويرية وأغنية حملت كلمات توحي بمعنى الفيلم الذي فاز في العديد من المهرجانات عامة، وفي مهرجان طرابلس للأفلام خاصة.

برؤية أخرى فيلم "هاستا سانتياغو" يعد رحلة إنسانية فريدة تستند إلى تجربة شخصية، حيث يتناول الفيلم مواضيع مثل الهوية، الرحلة، والبحث عن المعاني في الحياة. يحمل الفيلم طابعًا إنسانيًا عميقًا يتفاعل فيه الشخصيات مع بيئتهم ومع أنفسهم، مما يعكس الصراعات الداخلية والروابط الاجتماعية.

تتميز الدراما في الفيلم بالتوتر بين الشخصيات والتحديات التي تواجهها. يتجلى الصراع الداخلي للبطل في سعيه لفهم ذاته والتواصل مع الآخرين. هذا الصراع يخلق لحظات مؤثرة، تعكس عمق العلاقات الإنسانية وتنوعها. كما تمتاز الرسوم المتحركة في الفيلم بجمالية لونية فريدة، حيث تبرز الألوان المائية الهادئة التي تعكس الأحاسيس والمشاعر المختلفة. تعزز الألوان والتصميم الفني تجربة المشاهد، مما يجعل كل مشهد كأنه لوحة فنية حية.

تتسم الحركة في الفيلم بالديناميكية والمرونة. التحريك الرقمي يتداخل بسلاسة مع عناصر الرسوم التقليدية، مما يعبر عن المشاعر ويعزز من التجربة البصرية. الإيقاع متوازن، يتماشى مع تطور القصة ويأخذ المشاهد في رحلة مفعمة بالحركة.

تظهر الرؤية الإخراجية لـ"مورو كاريرو" في تنظيم المشاهد وتوجيه الحركة بشكل مبتكر. يعتمد على تأطير اللقطات بطريقة تعزز من العمق العاطفي وتسمح للمشاهد بالغوص في التجربة. استخدام المؤثرات البصرية يعكس إبداعه في تقديم القصة.

يتمتع البناء السردي بتعقيد وثراء، حيث ينتقل بين الأزمنة والأماكن بشكل سلس. الحوار مختصر ولكنه مؤثر، مما يعزز من تأثير الأحداث. الكتابة تعكس التنوع في التجارب الإنسانية، مما يجعل القصة أكثر جذبًا. يقدم الفيلم منظورًا بصريًا فريدًا يجمع بين الواقع والخيال. الفضاءات المرئية تعكس عوالم مختلفة تعيش فيها الشخصيات، مما يتيح للمشاهد استكشاف هذه العوالم بحرية. تتماشى الرسوم مع الموسيقى، مما يزيد من عمق التجربة.

فيلم "هاستا سانتياغو" هو تجربة فنية متكاملة تجمع بين العمق الدرامي والجمالية البصرية. تتجاوز الرسوم المتحركة الحدود التقليدية لتصبح وسيلة قوية للتعبير عن التجارب الإنسانية. يترك الفيلم أثرًا عاطفيًا عميقًا في نفوس المشاهدين، مقدماً رسالة قوية حول رحلة الحياة.

Doha El Mol

dohamol67@gmail.com