القفزات التعبيرية الالتفافية التي تمزج بين جماد الدمية وحركة الموسيقى
في مسرحية "كوبيليا" (Coppélia) من حكايات هوفمان
ضحى عبد الرؤوف المل
تتميز الرقصات في مسرحية "كوبيليا" (Coppélia) بالقدرة على ترجمة النص وفق الأنماط الكلاسيكية الدقيقة في تقنياتها، والمتقنة فعليًا في ممارسة حركات الباليه المعقدة كدمى جامدة، ترتبط بروحية الموسيقى التي تنساب مع الأجساد، وتمنحها الشكل المنساب مع القفزات التعبيرية الالتفافية التي تمزج بين جماد الدمية وحركة الموسيقى بتفاصيلها الدقيقة والعميقة سمعيًا. إذ تنقل الدمية للعين حركة الموسيقى من خلال حركة الجسد بجمالية تنسجم مع تمثيل العجوز كوبيليوس، وقدرته على منح الدمية صفته السحرية التي تعالج قصة خيالية تنقلنا إلى الواقع الأقوى أو المبني على مسرح حركي لقصص هزلية تشكل الأسس المتعلقة بالإنسان وإشكالية تحقيق أحلامه، وبسماوات غرائبية في معظمها. لتشكل مسرحية "كوبيليا" واحدة من أهم المسرحيات الحركية التي جمعت بنسيجها الفني بين الباليه الروسي والباليه الفرنسي في تقديم هذه الدراما الحركية بمعانيها الأدبية التي ترتقي عبر الانفعالات التعبيرية المشحونة بالموسيقى، وبقية الفنون الأخرى دون أن ننسى الكوريغرافيا المتميزة بكل عناصرها في هذه المسرحية المرتبطة بحكايات هوفمان الغرائبية.
مسرحية تسمو بالحواس وتصقلها. إذ يبدأ دكتور كوبيليوس بتحضير وصفاته السحرية على المسرح بعد أن يتأمل دميته كوبيليا الجالسة على كرسي دون حراك، وكأنها تنتظر لمسة الخيال من الكاتب. ليمنحها المخرج بعد ذلك دورها في تحريك الحكاية على المسرح بلعبة ذكاء حادة من كاتب النص، وكأنه يجسد مرحلة كتابة كوبيليا بتفاصيلها الدقيقة عبر إسقاطات شعبية بين فرانز وسوانيلدا التي تقاوم الدمية. لينتصر الحب في الإنسان الذي تحركه دوافعه وإنسانيته. ليواجه صعوبات الحياة بضحكة أو فرحة أو ألم أو حزن، ويتشبث بيقينه ليكتشف دكتور كوبيليوس هشاشة تحويله الدمية إلى إنسان تاركًا لعلامات الاستفهام الكثير من الضحك المبطن، المستند على المحاكاة الحركية التي تستند على التعبير المحسوس سمعيًا وبصريًا، بتجانس بين الواقع والحلم، وما تجسده كوبيليا من معايير فلسفية وروحية تكتمل مع الإنسان فقط. لتبقى رمزية الدمية ضمن كل ما يحركه الإنسان، ولا يستطيع منحه الصفات الإنسانية الحقيقية التي نستكمل بها الحياة.
في المشهد الأول يكمل كوبيليوس صنع الدمية، ويضع بين يديها كتابًا ويجلسها قرب النافذة. لتخرجه من عزلته التي جعلته يتمنى أن يمنحها الحياة التي يعيشها أهالي القرية في وئام وسلام، ضمن لوحات راقصة تتميز بالليونة التعبيرية في تمثيل إيحائي راقص يحاول من خلاله كوبيليوس عدة تجارب. ليمنح كوبيليا الحياة بينما فرانز ينشغل بكوبيليا عن سوانيلدا بمواقف هزلية مضحكة. تدخل الفتيات خلسة إلى منزله بينما هو في حانة. ليكتشفن أن كوبيليا دمية فيهربن، وتبقى سوانيلدا في الخزانة مع الدمية، ويمسك الطبيب بالشاب، ويحاول استخراج الحياة منه ليمنحها لكوبيليا التي أحبها وحاول غرس الصفات الإنسانية فيها لتُمحو عزلته. إلا أن سوانيلدا استطاعت إبراز الحقيقة لفرانز، وأنه لم يكتشف حقيقة الدمية إلا بعد أن لعبت سوانيلدا دورها، فيشعر بحقيقة الحب نحوها وأنه وقع في ملابسات عاطفية فتنته فيها دمية لا حياة فيها.
ليس كل ما يُرى هو الحقيقة، ولا كل ما نتمناه هو نافع لنا. قد تأخذنا الانفعالات إلى أبعد ما يمكن أن يصل إليه الوجدان، ولكن بالعقل وحده نستطيع التفكر واستنتاج الحلول. لنصل إلى نتيجة مرضية في الحياة، إضافة إلى القناعة والرضى. هذا ما تعالجه مسرحية "كوبيليا" إضافة إلى إظهار قدرة الإنسان على الخلق والإبداع. لا سيما مع دكتور كوبيليوس صانع الدمى، وهو يمثل كل صاحب حرفة أو تطلع ما نحو الإبداع بكل مراحله الفنية، أي الأدبية والموسيقية وغير ذلك. لتكون لغة الجمال انعكاسية لكآبة الإنسان الذي يحاول الخروج من قوقعة عزلته، فهذا الانزياح في المسرحية يجعل المشاهد في حالة من الترقب تفرضه الموسيقى المؤثرة في النفس، لدقة مفردتها الموسيقية، ولنغماتها الانسيابية ضمن نظام تصويري حسي يضفي نوعًا من التحفيز على استرداد الحقائق الخادعة للإنسان في لحظات ما من حياته، وخاصة عندما يكبر ويبدأ الإحساس بالوحدة. وهذا ما دفع دكتور كوبيليوس إلى اختراع الدمية، كما تمنى أن تكون المرأة في داخله بعمر الشباب، فينشغل بها وما تمثله سوانيلدا بواقعيتها، مما يجعلنا نبعد صورة المرأة الدمية عن الواقع ونفصلها عن الحياة قبل مؤثرات الحدث ومفارقاته الهزلية، التي تميزت بها الحركة الموضوعية في إظهار قيمة خديعة دكتور كوبيليوس للشاب فرانز الذي فتنته كوبيليا، ومن ثم تزوج من سوانيلدا بعد نهاية منطقية لهذه القصة الغرائبية التي غزلها هوفمان ووضع موسيقاها أوفينباخ. لنراها على مسرح برمنغهام في يونيو 2017 بكوريغرافيا لماريوس بيتيبا وإنريكو سيشيتي وبيتر رايت ومن تصميم بيتر فارمر، وموسيقى ليو ديليب. فهل تموت الأعمال الخالدة وهي ما زالت تحيا على المسارح العالمية؟
المسرحية تم عرضها للمرة الأولى عام 1870 وما زالت دور الباليه العالمية تتنافس في تحديثها وتقديمها برقي فني، تصاحبه مقاييس المسرح الحديث من كوريغرافيا وأضواء وزي، وقدرة على مواكبة الحركة الحسية بكامل تفاصيلها. لتصل إلى الجمهور بأبهى ما يمكن من جمال فني يتخطى بمراحله خطوات كل من الراقصين المحترفين في تطلعاتهم نحو إبراز جمالية مسرح الباليه المرتبط بالتأليف الموسيقي والإيماء الحركي وما إلى ذلك.
برؤية أخرى يعتبر الباليه شكلًا فنيًا راقيًا يجسد التناغم بين الحركة والموسيقى، حيث يعكس كل حركة فيها قصة أو مشاعر عميقة. تتداخل الإيماءات الدقيقة للراقصين مع الإيقاع الموسيقي، مما يخلق تجربة جمالية فريدة. خطوات الباليه، سواء كانت خفيفة كنسمة هواء أو قوية كالعاصفة، تترجم الأحاسيس إلى لغة بصرية تعبر عن الحكايات والمشاعر.
يتسم الباليه بإيقاع محدد ودقيق. كل خطوة تُؤدى تتطلب تنسيقًا عالٍ بين الجسم والموسيقى، مما يخلق انسجامًا مذهلًا. الإيقاع هو نبض الباليه، حيث تتحرك الأجساد كأنها تتنفس الموسيقى. استخدام الأبعاد الزمنية للحركة يضيف بعدًا آخر للتجربة، فالمراقب يشعر بالزمن ينزلق بين خطوات الراقصين، مما يخلق حالة من الخيال.
تعكس رقصات الباليه مجموعة من المشاعر الإنسانية، مثل الحب، الفرح، الحزن، والألم. تتجسد هذه المشاعر من خلال تعبيرات الوجه وحركات الجسم، مما يمكّن الجمهور من التواصل مع القصص بشكل عاطفي. يتفاعل المتلقي مع كل حركة، ويشعر بأنه جزء من الحدث، مما يضفي طابعًا نفسيًا عميقًا على التجربة.
تستند كل حركة في الباليه إلى تعبيرات جسدية واضحة ودقيقة. يستخدم الراقصون تقنيات معقدة مثل "التشوتيه" و"البيريه" لخلق تأثيرات بصرية مدهشة. هذه التعبيرات الحركية ليست مجرد خطوات، بل تمثل حالات ذهنية ومشاعر تجسد رحلة الشخصيات.
من خلال منظور موضوعي، يمكن تحليل الباليه كنوع من الحكايات الحركية التي تستعرض قصصًا معقدة تعكس ثقافات وتجارب إنسانية متنوعة. كل عرض يحمل في طياته رسائل اجتماعية أو فلسفية، تتجاوز مجرد الأداء الجمالي. إن تفاعل الشخصيات مع بعضها البعض يعكس العلاقات الإنسانية وتعقيداتها.
في الختام، يُعتبر الباليه أكثر من مجرد رقص؛ إنه تجربة فنية متكاملة تجمع بين الحركة والموسيقى والإحساس. من خلال إيقاع خطواته، يمكننا فهم أعماق المشاعر الإنسانية والتواصل مع القصص التي ترويها الأجساد. إنه احتفال بالجمال والتعبير، حيث تتحول الأجساد إلى أدوات تنقل الأفكار والمشاعر، تاركةً أثرًا عميقًا في قلوب المتلقين.
Doha El Mol
dohamol67@gmail.com
تم نشره في جريدة المدى عام 2017