المادة الأدبية المقترنة بالشعر الدرامي والموسيقى الأوبرالية
أوبرا مسرحية "بلياس ومليزاند" (Pelléas et Mélisande) لكلود ديبوسي
ضحى عبدالرؤوف المل
تعاطى "موريس ماترلينك" مع المخيلة الدرامية بفن يقظ شعوريًا، لتحفيز الذهن عبر المادة الأدبية المقترنة بالشعر الدرامي والموسيقى الأوبرالية التي تثير الدهشة الحسية من خلال الكلمة العامرة بالإحساس في مسرحية "بلياس ومليزاند" (Pelléas et Mélisande) التي كتبها "موريس ماترلينك" وقام بتلحينها أوبيراليًا "كلود ديبوسي" (Claude Debussy) في خمسة فصول إيحائية سمعية. تلاحمت موسيقاها مع المفردة الشعورية للكلمة النابضة بالحياة وغموضها وفوضويتها غالبًا، ومعناها التراجيدي لتكوين الصور التخيلية الناتجة عن قصة كتبها "موريس ماترلينك"، ولم تأخذ حقها حينها كقصة رومانسية تروي الكثير من الأحداث التي يثيرها بأسلوب أسطوري حالم، اتخذ منه ديبوسي مفردته الموسيقية التي منحت هذه الأوبرا عظمة تاريخية جعلت منها مسرحية أوبيرالية تتصف بالعبقرية الموسيقية التي أعادت إحياء مسرحية ماترلينك النثرية. إذ أضافت للأدب جمالية المفردة الموسيقية التي انسجمت مع التخيلات أو الأداء التمثيلي أو الصوتي أو العبارة الموسيقية الغنية حسّيًا بالتفاعلات السمعية، وآفاق الصوت المفتوح عبر فضاءات الكلمة ومعناها التخيلي الحالم بالسعادة بعيدًا عن الكآبة الإنسانية وتعاسة الموت الذي يتربص بالنفس البشرية. إذ رفعت المفردة الموسيقية مع الآلة المتوائمة معها من المستوى الشعوري، والتقاسيم التي توزعت مع التغيرات المرتبطة بالأدب أو الشعر الدرامي واللحن والموسيقى، والصوت والتمثيل المسرحي التعبيري المشدود بخيوط فنية تميزت بعبقرية أوبيرالية أسسها "كلود ديبوسي" لمادة أدبية رفعها للعالمية عبر مقومات السمع التخيلي والحس الأوبرالي.
ضوابط سمعية لها الأثر الأكبر في خلق لياقة صوتية مفتوحة الأبعاد زمانيًا ومكانيًا، كأن أوبرا "بلياس ومليزاند" برمزيتها هي واقع المسرح الأوبرالي الشديد التأثر بالقصة الأدبية، ورمزيتها الغامضة، البعيدة عن الماضي أو التائهة زمانيًا بالحدث الناتج عن النفس وشكوكها، وما يكدرها ويبعدها عن صفو الحياة الجميلة المليئة بالرومانسية، لتضفي عليها موسيقى ديبوسي تأثيرات شعرية لها رموزها وخاصيتها. لنشعر بالتيه مع الأقدار من خلال الأمير "جولو" وزواجه من "ميليزاند" بعد أن أثارت إعجابه حين التقى بها في الغابة. لتعيش الزواج التقليدي ويعصف بها الحب حين تلتقي ببلياس، ويضيع خاتمها صدفة، مما يثير شكوك "جولو" فيقتل أخاه ويجرح "ميليزاند" التي تموت. لنجد أن الزمن يعيد القصة عبر واقع نشهده ونسمع عنه عبر تفاصيل الحياة التي ترك "ماترلينك" شخوصها بلا زمن. إلا أن القصة تتصف بالرمزية والموسيقى الإيحائية المحاكية للغة الشعرية الدرامية والصوت أيضًا، فهل الموسيقى الإيحائية تتبع الكلمة الرمزية أو الواقعية وحتى المشاهد التي يتخيلها السمع وتؤدي دورها الحسي في النفس الإنسانية من خلال النبرات والنغمة والمفاتيح وما إلى ذلك؟
"اريك روف" (Eric Ruf) والإحساس السينوغرافي من حيث فطنته في خلق الأجواء الساحرة عبر تحديد الاتجاهات الدرامية، وأهميتها البصرية لتكوين دلالات مساعدة في فهم عمق المشهد وقوته السينوغرافية، المؤثرة عاطفيًا وبصريًا وبمميزات استطاع توصيفها بالمكونات الدرامية التي استخدمها، لتساعد في بث التكامل المسرحي ومحاكاته بالمفاهيم المتقاربة وفضاءاتها السمعية المساعدة في خلق ثراء بصري إلى جانب السمعي. لتتكامل الجوانب المسرحية بأسلوب "اريك روف" السينوغرافي عبر المشاهد وجمالياتها وبانعكاس فكري يضعنا أمام القصة الأدبية وجدليتها الرمزية التي تقتصر على الجوانب الخيالية، لشخوص لا نعرف ماضيهم! إنما هم على المسرح بفضاءاته المختلفة، والنمط الإيحائي الذي يتخذ من اللباقة التعبيرية المبنية على قوة الرؤية وفهم أبعاد ما كتبه ماترلينك برمزيته ورومانسيته. لنشعر أن "اريك روف" بفنه السينوغرافي تناغم مع ديبوسي وإيقاعات أفراد المسرحية لتكوين جماليات حسية انعكست إيجابيًا في مسرحية "بلياس ومليزاند" وعناصرها التوافقية التي سيتم عرضها مجددًا على مسرح الشانزليزيه في شهر مايو القادم مع قائد الفرقة الموسيقية "لويس لنغريه" الذي غاص في النص واستخرج منه الحركة الشعورية لشخوص مسرحية "ماترلينك" وديبوسي معًا، والتوافق الأوبرالي المزدوج الذي يزداد جمالًا مع التحديث لها تقنيًا مع العصر الحديث.
برع كل من "جان سباستيان بو" في دور بلياس، "وكيل كيتلسان" في دور "جولو"، و"باتريسيا بيتيبون" في استخلاص روح الكلمة عبر التعبير الانفعالي والتجسيدي، وحتى التقمص الموحي بالمفردة الموسيقية وقوتها في منح الصوت عدة إيحاءات تتخذ من الأحاسيس منطلقًا لها، وكأن اللغة الأوبرالية كتلة حسية معجونة من السمع والبصر، والعناصر المسرحية الخاصة التي نجحت من خلالها هذه الأوبرا التي ما زالت تحيا على المسارح العالمية لقوتها الفنية الممزوجة بكلمات نثرية كتبها "ماترلينك" برمزية ربما استنكرها البعض آنذاك، لأنها لم تكتب كنص خاص للأوبرا، إنما مسرحية نثرية حملت من الشعر الدرامي رمزيته الساحرة رومانسيا وتراجيديا. إلا أنها أيضًا تحمل الكثير من المعاني الحياتية التي تشكل بهواجسها الكثير من الإشكاليات التي تثير عدة قضايا اهتمت بها مسرحية "بلياس ومليزاند" الأوبرالية.
برؤية أخرى تعتبر "بلياس ومليزاند" تجسيدًا معقدًا للدراما الإنسانية، حيث تعكس التوترات النفسية والعواطف العميقة بين الشخصيات. تتجلى الأحداث من خلال حوار شعري وموسيقى عاطفية، مما يمنح المخرج والفنانين فرصة لتقديم تجارب راقصة تعبر عن تلك المشاعر. يعكس الأداء الحركي أبعاد الحب، الفراق، والشعور بالذنب، مما يجعل الحركات أكثر تأثيرًا من الكلمات.
في إخراج العمل، يُعتبر فن الباليه وسيلة مثلى للتعبير عن المشاعر الخفية. تُستخدم حركات الباليه لتعكس الصراع الداخلي للشخصيات، حيث يمكن رؤية "ميليزاند" وهي تتجول برشاقة بين الفرح والحزن، مما يعكس حالة الشك والتوتر التي تعيشها. يعتمد المخرج على الحركات الانسيابية والتماثيل الجسدية لنقل الرسائل العاطفية، حيث تتفاعل الشخصيات مع بعضها البعض بشكل ديناميكي.
تكتسب المسرحية جمالًا خاصًا من خلال التنسيق بين الموسيقى والحركة. تُستخدم الموسيقى الأوبرالية التي ألفها "كلود ديبوسي" لتحديد الإيقاع والحركة، حيث تتناغم النغمات مع الأجساد الراقصة لتخلق تجربة بصرية وسمعية متكاملة. تعكس كل حركة رقص الإيقاع الموسيقي، مما يُضفي عمقًا على المشاعر المعقدة.
تتداخل عناصر الرقص مع الحبكة الدرامية، حيث تمثل الحركات المحورية في كل فصل التحولات النفسية للشخصيات. في لحظة اللقاء بين "بلياس" و"ميليزاند"، يمكن أن تُستخدم حركات باليه مرحة وأخاذة تعكس الفرح والدهشة. وفي لحظات الفراق، تنتقل الحركة إلى تنقلات أبطأ وأكثر تأملًا، مما يعكس الألم والفقد.
تستفيد المسرحية من مشاهد رمزية، مثل ظهور الغابة التي تمثل الغموض والحب الممنوع. يمكن استخدام رقصات تجمع بين الحركات الراقصة والتعبيرية لتجسيد هذه المشاهد، مما يتيح للجمهور رؤية الصراع والتعقيد العاطفي بشكل مرئي. تلعب الألوان والإضاءة دورًا حيويًا في تعزيز هذه الرمزية.
من خلال الرقص التعبيري، يُمكن خلق تفاعل مباشر مع الجمهور، حيث يشعر الحضور بعمق المشاعر ويعيشون التجربة بشكل أكبر. تُعد اللحظات الراقصة مفتاحًا لتوصيل التجربة الإنسانية، مما يسمح للجمهور بالتواصل مع القصة بطرق متعددة.
في الختام، يجسد استخدام فن الباليه في مسرحية "بلياس ومليزاند" مزيجًا فريدًا من العناصر الدرامية، الجمالية، والتعبيرية. من خلال الحركات الراقصة، يستطيع المخرج استكشاف أعماق النفس البشرية بطريقة مبتكرة ومؤثرة، مما يجعل من هذه المسرحية تجربة فنية لا تُنسى.
Doha El Mol
dohamol67@gmail.com