عبقرية الفن الأوبرالي ومقاييسه الدرامية في "أوبرا كارمن"
ضحى عبدالرؤوف المل
فتح "جورج بيزيه" أبواب الموسيقى في أوبرا "كارمن" بعبقرية الفن الأوبرالي ومقاييسه الدرامية على مسرح منحه سلطة فنية انصهرت فيها الموسيقى مع الشعر الدرامي، ومع الصوت والحركة، لتتكامل أوبرا "كارمن" مع القصة الأدبية التي كتبها "بروسبير مريمييه" بنفس روائي قصير لم يتفاعل معها القراء آنذاك. لتأخذ دورها الحقيقي على المسرح الأوبرالي بعد أن حولها "جورج بيزيه" إلى نبض فني يحاكي الحواس برمتها عبر الحركة الموسيقية المترجمة للفعل الدرامي، والحركة الشعرية المنسجمة مع الإيقاع الموسيقي، والتعبير الحركي التفاعلي على مسرح يرتقي بالأعمال الفنية، ويرفعها بسمو إلى الأعمال الخالدة الصالحة لكل زمان ومكان، الغنية بالجمال والأدب والثقافة الفنية التي صاغ من خلالها "جورج بيزيه" موسيقاه لأوبرا "كارمن" المتميزة بالسحر الرومانسي الفرنسي، وقصة الغجرية الفاتنة اللاهية بمشاعر الرجال، والمندفعة بجنون إلى تحويل عشيقها إلى أشلاء إنسان تحول إلى قاتل، بل! من حب مجنون نحو امرأة عبثية تمضي الحياة غير مهتمة بالفضائل والمثل، ولا بمشاعر من حولها الذين يتحولون إلى وحوش ضارية تعبث معها في حياة صاخبة بالمجون والشرور، إلى وحش كاسر قتلها بعد توسل إليها، لتعود إليه الحبيبة التي ترك من أجلها كل شيء، لتبقى خالدة في نفسه كرجل وضع خاتمه في إصبعها إلى الأبد. فهل استطاع "جورج بيزيه" ترجمة كل ذلك بالموسيقى التي تجذب النفوس إليها عبر المعنى المتلاحم مع الشعر والحركة الدائرة على المسرح؟ أم إن التخيلات الأوبرالية مفتوحة الآفاق على الكثير من الشجن الرومانسي الحزين؟
أبدعت إيلينا غارانسا (Elina Garanca) عبر مقام الصوت الأوبرالي والتعبير الجسدي المشحون بروحية الصوت الموسيقي الذي منح الأوبرا تكاملاً فنياً. استطاعت من خلاله غارانسا إعطاء صورة الغجرية رمزية بصرية تحيا في ذاكرة القصة التي حولتها إلى امرأة من لحم ودم خرجت من الأوبرا، لنراها من خلال مخيلة الصوت الأوبرالي والكلمة الانفعالية المشدودة إلى زمن كانت فيه المرأة الفرنسية مقيدة. لتتميز الغجرية بأفعال لا يمكن أن تتخطاها امرأة قبلها، لأنها الصورة التي أراد من خلالها "بروسبير مريمييه" تجسيدها، لتكون عبرة لكل رجل وامرأة، ولتكون المجتمعات قادرة على تغيير الصور الاجتماعية التي تتعاقب عبر الزمن، وبتتابع يثير مخاوف الفضيلة التي تنقض الشرور عليها، لتتخلص منها كما تخلصت "كارمن" من المثل العليا التي حملها بغرابة وواقعية الرجل الجياش بعاطفته، الذي تحول من جندي إلى قاتل جراء الحرية بالحب والتعالي على الآخر. فالعريف "جوزييه" لم تشفع قصة حبه أن تبعده عن الغجرية، لأن الإغواء هو العنصر الأقوى في النفس البشرية. فهل يحاول مريمييه زرع الفضائل بإظهار تأثيرات التضاد معها، وإلى أي مدى استطاعت أوبرا "كارمن" إبراز قوة الخلق الفني الناتج عن قصة أدبية فتحت مخيلات أوبرالية استمتعنا بها مسرحياً وبوجدانية الجمال الأوبرالي؟
كما استطاع روبرتو ألغنا (Roberto Alagna) إظهار قوة انفعالاته التي تلاحمت بين الفعل الحركي والصوت، وبين الفعل الرجولي الرافض لتحرر "كارمن" المثير للجدل بالنسبة له. ومع ذلك، تخطى "روبرتو ألغنا" العناصر الأوبرالية المشاركة في هذه المسرحية، ليتفرد كفنان له تعبيراته الداخلية القوية فنياً مع صوته، وترجمته للمفردة الشعرية من خلال الحركة والتعبير. إضافة إلى التآخي الموسيقي، فهل فعلاً ينبغي أن تكون العاطفة حرة كالعصفور؟ أم إن أوبرا "كارمن" جعلتنا نحلق معها لجمالية التكامل المسرحي بين طاقمها عبر التحديث والتطوير في وسائل الفن الذي استطاعت من خلاله هذه الأوبرا تكوين المفاهيم في ضرورة الإخلاص بالحب، وعدم الانجراف وراء الإغواء والابتذال، والانقياد وراء المتعة النفسية التي تقودنا نحو الهلاك؟
أوبرا تثير قضايا الفضيلة والإثم والشرور النابعة من النفوس التي لم يتم تشذيبها في الحياة، والمتروكة على الهامش دون الاهتمام بها، برغم تأثر البعض بما حققته من تأثيرات معاكسة للواقع وللغرابة وللرومانسية الفرنسية. فالقصة تمثل الفتنة الجمالية التي تهواها القلوب بغض النظر عن المثل العليا التي ينشأ عليها الإنسان، ويدوس عليها من أجل امرأة غوايتها سلب الرجال إرادة الحياة، والقرار السليم. فقد كتب كلماتها "هنري مايلهاك" و"لودوفيك هاليفي" بأسلوب الكلمة الرشيق الذي توحد مع المشهد الموسيقي ومع العناصر كافة، خصوصاً مع مرونة الحركة التعبيرية التي أظهرها أبطال المسرحية التي تعرض هذا العام تباعاً على المسارح الأوبرالية العالمية.
برؤية أخرى تتميز أوبرا "كارمن" بإخراجها الفني الذي يجمع بين عناصر عدة، مما يخلق تجربة مسرحية غنية ومؤثرة. يتميز المخرج بقدرته على توظيف الفضاء المسرحي بشكل ديناميكي، حيث يُستخدم كل ركن من أركان المسرح لتجسيد الصراع الدرامي بين الشخصيات. الإضاءة تلعب دورًا محوريًا، حيث تعكس الحالة النفسية للشخصيات وتساعد في بناء الأجواء المتوترة أو الحالمة.
الحركة في "كارمن" ليست مجرد أداة لتقدم القصة، بل هي جزء لا يتجزأ من السرد. التعبير الجسدي يُستخدم لتجسيد المشاعر والصراعات الداخلية. كل شخصية تتحرك بطريقة تعكس طبيعتها، فمثلاً، تتحرك "كارمن" بحرية وجاذبية، مما يبرز روحها الحرة والمتمردة، بينما يتحرك "جوزييه" بتردد وكبت، مما يعكس صراعه الداخلي بين الحب والواجب.
الموسيقى في الأوبرا تعد عنصراً أساسياً، حيث تتناغم مع الحوار الدرامي بشكل مثير. "جورج بيزيه" يبرز مهارته في خلق لحن يعكس الطبيعة الرومانسية للغجرية "كارمن" وحالة التوتر بين الحب والعنف. استخدام الألوان الموسيقية المختلفة يضيف عمقًا إلى المشاهد، فمثلاً، تعزف الألحان الهادئة في المشاهد الرومانسية بينما تكتسب الألحان طابعًا أكثر حدة في اللحظات الدرامية.
الأداء الصوتي للشخصيات يعكس انفعالاتهم بوضوح. "إيلينا غارانسا" في دور "كارمن" تقدم أداءً صوتيًا متقنًا يجسد الحب والحرية، حيث تُستخدم نغماتها لتعبير عن التوترات العاطفية المعقدة. الأداء الصوتي ليس مجرد ترديد للكلمات، بل هو حوار حيوي مع المشاهدين، حيث ينتقل الصوت من النغمات الهادئة إلى الذروة العاطفية في لحظات الصراع.
تستخدم الأوبرا نغمات مفتوحة تدعو المشاهدين إلى الاستجابة بشكل عاطفي، مما يخلق شعورًا بالانغماس في الأحداث. التحولات الموسيقية تدعم المشهد، حيث تتسارع النغمات في لحظات التوتر، ثم تتباطأ لتتوافق مع اللحظات الأكثر حميمية.
أوبرا "كارمن" ليست مجرد عرض فني، بل هي تجربة حيوية تنقل المشاهدين إلى عالم من المشاعر المتناقضة والصراعات الإنسانية. الإخراج، التعبير الحركي، الصوت، والموسيقى تتكامل لتشكل لوحة فنية متكاملة، تترك أثراً عميقاً في النفس وتجعل من الأوبرا تجربة لا تُنسى.
Doha El Mol
dohamol67@gmail.com