ما مدى استفادة الجيل المعاصر من القيم المسرحية الكلاسيكية؟
ضحى عبد الرؤوف المل
تؤسس ثلاثية الوقت والمكان والحركة القواعد الأساسية للمسرح الكلاسيكي، الذي يعتمد على قصة تحدث في زمن محدد ومكان واحد لإثارة المشاهد وجذب انتباهه للزمان والمكان من خلال الشخصية والحس المسرحي المنظم بعقلانية لا تسمح بحدوث انعكاسات تؤدي إلى فقدان القيمة المسرحية ضمن احتمالية الفعل وردة الفعل المباشر وغير المباشر. وهذا يعتمد على قدرات الكاتب في معالجة القصة مسرحيًا دون أن يفجع جمهوره المسرحي بمشاهد غير قادر على احتمالها، إنما يحاول تشذيب حواس الجمهور من خلال العاطفة دون البذخ فيها أو خلق مبالغات تخنق المتنفس المسرحي الذي يصاحب المأساة تحديدًا، لإيجاد ميزة التعاطف مع البطل دون أن يثير النقمة أو الرضا المرتبط بالتنفيس المسمى إعادة الحق لأصحابه. وهذا ما برع فيه "بيير كورنييه"، الذي احتفى بالعقل والنظام في مسرحياته القائمة على وحدة العمل وفقًا لأرسطو، لمنح المشهد ميزة الفهم الضرورية المؤثرة على ذهن المتلقي. فما مدى استفادة الجيل المعاصر من القيم المسرحية الكلاسيكية؟
إن المسرح الكلاسيكي هو المسرح المقيد بالثلاثية الشهيرة: وحدة الزمن، وحدة المكان، وحدة الحركة، وبقانون يتحكم بالأداء التمثيلي المساوي للزمن، لإيقاظ الوعي عبر الحركة المنتظمة عقليًا، والخاضع لمعايير النص الدرامي الذي يرصد الحقائق بمعنى المصداقية أو موضوعية المتخيل كي لا يسبب صدمة للجمهور، حتى عبر الميلودراما مأساويًا أو كوميديا. فالأعمال أواخر القرن السابع عشر لم تكن ارتجالية، لأنها قائمة على الانضباط المسرحي والترتيب بالأدوار التي تتطلب أحيانًا نوعًا من الترفيه الدرامي. وإن بشكل تقليدي عرفناه مع راسين المتكيف فرنسيًا مع المسرح وقضاياه التي تجاهلت تمامًا المسرح القديم أو بالأحرى المسرح الإغريقي، وإغراقه أحيانًا بالشعر النبيل مع كورنييه وشخصيات راسين التي تضج بالعاطفة الطبيعية المحاكية لأفراد الشعب دون تضخم، ودون تأثر بالفكر الفلسفي الشكسبيري ومزيجه الدرامي والكوميدي المحشو بهزلية الحياة أو الفولتيري تبعًا لفولتير وإشراقاته المأساوية التي تعتبر بحق الفن بمستوياته الاجتماعية الأكثر غنى من مسرح موليير وغموضه الذي كتب "دون خوان". وهؤلاء، إن موليير أو راسين وكورنييه، لم يقدموا مسرحيات عبثية، إنما اتبعوا القواعد الدقيقة للمسرح الانعكاسي للحقيقة أو بالأحرى زودوا المتفرج بحقائق لتحليلها دون الإساءة للجمهور، وبلياقة تمثيلية تتبع حدود كل شخصية وطبيعتها. أما المسرح الذي تحول إلى منبر أثناء الثورة الفرنسية ليخدم قضية، فقد تحول إلى ارتجالات درامية أفقدت المسرح الكلاسيكي قواعده الانضباطية وفتحت أبواب المسرح الرومانسي على مصراعيه، الذي غرق في البرجوازية والشغف بالرومانسية غير المثالية. فهل مسرح العصور الوسطى هو من فسح المجال لولادة المسرح الكلاسيكي؟ أم إن تقاليده راسخة في مسرح كلاسيكي احتوى الكثير من مظاهر الحياة الشعبية، ورصد جميع الفروقات الحياتية بأشكال أدبية ذات محاكاة مسرحية؟
أما المسرح المعاصر، فهو النافذة المفتوحة على عدة تجارب تمثيلية قائمة على تنوع المضمون، وبفواصل مدروسة يتم تقديمها بشكل مختلف لتكسر الرتابة المسرحية التقليدية، وتخرج نحو التعددية الشعبية أو الخروج عن البرجوازية، بالمسرح الدموي أو المسرح المجسد للصراعات السياسية أو الدينية أو مسرح الموقف، الذي يصدم الجمهور أحيانًا بتحويله الأوجاع الاجتماعية إلى ضحكة مؤلمة أو أمل بنوع آخر يحمل الكثير من اليأس والمعاناة الدائمة غير القابلة للحلول للكثير من القضايا التي يستعرضها ولا يجد ذهن المشاهد الحلول لها بعيدًا عن المسرح، كما بدا في أواخر القرن السادس عشر وأوائل القرن السابع عشر، وبتضاد بين الكشف والاستكشاف والمغامرة في وحدات الوقت والمكان والحركة بالخروج عن المألوف والدخول بشكل غير ثابت مستخدمًا التقنيات المؤثرة على الحواس كافة، كمواد مساعدة على إبراز العناصر الحيوية في المسرحية مثل السينوغرافيا والإضاءة المدروسة والأصوات والمؤثرات، إضافة إلى البناء الموسيقي واختزال الحوارات، وكل ما له علاقة بالمسرح المعاصر الذي يتخطى كل قواعد المسرح الكلاسيكي، للكشف عن فكرة يتبناها أو يعرضها كما هي، مشكلًا نوعًا من الخطاب الواقعي للجمهور الذي ينخرط في التفكير بالحلول. ففي أوائل الثمانينات طرأت التغيرات المثيرة للاهتمام لتأخذ خشبة المسرح عدة أشكال للتعبير، وفهم ظروف هذه التغيرات والاهتمام بها لايجاد متنفس حقيقي للجمهور عبر إمكانية فهم وتحليل الفكرة والتعامل مع محتويات العمل أو آثاره النفسية والذهنية والعقلية والتحليلية، وكل ما يتعلق بجوانب الشخصية وعلاقتها بالأخلاق والمثل أو العكس. ليفتح المسرح المعاصر عيني المشاهد على علم الأخلاق الفني الذي يتكون من عدة مفاهيم أساسية هي: الإخلاص، الوفاء، وعدم الاستئثار بالذات. كما يجب أن يكون المرء نفسه وأن يكون حقيقيًا، وبعفوية هي ناتج لفعل درامي إن ماساويًا أو كوميديًا. وربما هنا يجب العودة إلى الكوميديا في الفترة الكلاسيكية وما مدى التزام المسرح الكوميدي الكلاسيكي بالضوابط المسرحية؟
الكوميديا في الفترة الكلاسيكية هيمنت عليها، مثلًا، شخصية موليير. وهي أخف وطأة من قواعد المأساة الواضحة في الكثير من الشخصيات التي تناولها بمسرحياته، لأن الواقع العملي في المسرح الكوميدي الكلاسيكي يختلف ولا يهتم به البعض، باعتباره ثانويًا. إذ كان يفتقد للمقاطع الشعرية التي كان أرسطو يمنحها للأعمال الكوميدية المستوحاة من قواعد المسرح الكلاسيكي التي تحدثنا عنها بداية وهي احترام الوحدات. إلا أنه ساهم وبشكل كبير في إعادة التوازن بين المأساة والكوميديا في المسرح، وبتطوير استند على العقدة والأفعال المتعددة الناتجة عنها. ومن المؤكد أن كوميديا ديلارتي وأبعادها الأخلاقية والنفسية لا تقل أهمية في أخلاقياتها عن المأساة وحكمها المسرحي. إن كانت بمواقفها تضع الإصبع على الأخطاء في الحياة التي ينتقدها كما انتقد موليير النفاق والكذب والخداع والغش والخيانة، وهي المثل في كل زمان ومكان. ولا ننسى هوراس ومواقفه الشعرية الساخرة من الأخطاء أيضًا، والتي تعيد إلى القيم الفعل الجوهري أو العكسي إن شئنا القول. وبشفافية ذات وسيلة جمالية تربط بين التمثيل والحقيقة أو بين مجموعة الأصوات والإيماءات وحركة الأجساد والتعبير الصادر منها، بممارسة مسرحية للنص الأدبي المثقل بالمعايير والقيم المعبرة القادرة على التشكيك في قدرة التمثيل على تصوير الحقائق دون زيف، بمعنى إحساس المشاهد بمصداقية العمل المسرحي والإحساس به لدرجة اعتباره أن الأحداث فعلًا وقعت على خشبة المسرح أمامه والتأثر بذلك دون مؤثرات المسرح المعاصر.
إن القيم والمعايير الكلاسيكية التي رافقت المسرح في العالم بشكل عام حافظت على المثالية والكمال والجمال، وبتوازن عقلاني رغم إخضاعها لقواعد الالتزام بثلاثية الوحدات، ولقواعد أخلاقية كما في مسرحية بيير كورنييه "the cid"، لدفع المشاهد نحو العبرة واستخلاص نبل السلوك أو نفي الشر، كما هو الحال في المسرح القديم، وهو التثقيف عبر الكوميديا وإظهار عيوب الأنفس في المأساة لفهم الطبيعة البشرية، ولتحسين الواقع الإنساني من خلال المسرح. وراسين كشف عن عبثية الوجود من خلال إيمانه بالقدر بما هو محكوم به الإنسان منذ ولادته. إلا أنه سعى إلى تحقيق المحاكاة في النص الأدبي الذي ينطوي على المشهد التصويري الغني بالمخيلة الشاعرية الموجهة إلى المجتمع بلغة الفعل والمساحة والحركة التعبيرية المؤداة على المسرح فيما بعد. فهل اكتفت أوروبا بمسرح الفرجة والمونودراما أو مسرح الشخص الواحد الذي يفكّه الجمهور؟ وهل سيبقى المسرح الكلاسيكي أكاديميًا بشكل بحت بعد أن دخلت رمزيات العصر وتقنياته الحديثة إلى كل بيت؟ وهل سيبقي الزمن القادم على القيم المسرحية بعد كسر قيمة ثلاثية الوحدات والخروج عن رتابة الأداء التمثيلي الكلاسيكي؟ وهل العصر الحالي يفتت خشبات المسرح التي باتت تستثمر الخيال الهادف إلى تسليط الضوء على حالة ما بغض النظر عن زرع القيم واستخراج المثل العليا التي حرص عليها المسرح الكلاسيكي القديم؟
Doha El Mol
dohamol67@gmail.com