المعنى التصوفي في الفراغات الهندسية
المنبعثة من أشكال الحروف العربية
ضحى عبدالرؤوف المل
تستلهم " سلمى أراستو " من الحركة الفراغية الموجودة في الحروف العربية أفكارها الإبداعية في النحت والرسم، والأعمال التركيبية الإبداعية حيث تتولد الرؤية الذاتية من موضوعية الخطوط الإيقاعية، المتناغمة مع المعنى التصوفي في الفراغات الهندسية المنبعثة من أشكال الحروف العربية، وفكرة الحركة الدورانية لتعكس التمظهر الداخلي المستوحى من حركة الخط في اسم الجلالة بشكل خاص. متأثرة بالمنحى الإسلامي التصوفي المعبّر عن طقوس تأملية، فمن خلاله تنبعث غنائية المعاني اللونية السابحة بنظام مدروس داخلياً، وعشوائي الوجود ظاهرياً. لكنها قادرة على منح العمل الفني حيوية تفيض بجيومترية مرتبطة بهندسة وصفية تميل إلى إلايقاع التعبيري المتصل بفن بصري متكامل حسيّا. فالمنظور الجمالي في أعمالها، يتشكل تبعاً للغنى الفلسفي الصوفي في فكر يميل إلى إظهار قوة الفراغ في تشكيل المادة، ومنحها دقة المهارة البصرية
التي تنقلنا إلى عوالمها الذاتية الإبداعية، وفقاً لملامح الحرف العربي واتجاهاته المختلفة.
تنسجم الحركة الفراغية مع القياسات المعتمدة على جمالية الكلمة، وقدرة الإيحاء الجمالي المنبعثة من مثلث أو مربع أو دائرة لم تكتمل دائريتها. لأن " سلمى أراستو" تعتمد على إيقاع حركة كل خط عامودي أو أفقي أو مائل أو منحني ، لإدراك الدلالات المبثوثة من خلال الحرف وتناغمه مع المساحة المفروضة ، ومثيراتها التكوينية التي تعتمد على حركة الطواف الكوني، وهذا ما يحقق وعياً جمالياً يتحاور معه المتلقي، ويمنحه لمسة موضوعية ذات منطق فني تختلف كينونته عن المنحى الهندسي الجاف. إنما سلمى تتبع مبدأ الوصفية التعبيرية المفهومة إيحائياً، والمتلاحمة مع النظام التشكيلي أو النحتي. لتستقر الصورة في الذهن بشكل مختلف. أو بأسلوب إنعكاسي يترك الفكر في حالة تأملية غنية بالتناقضات الرياضية.
مضامين فنية معرفية تهدف إلى فتح آفاق الرؤية نحو فضاءات فراغية مفتوحة. معتمدة بذلك على الملكة الحسية ورهافة الشكل المرتبطة بدقة تصميمه، فالخصائص المشتركة في أغلب الأعمال الإبداعية هي النقطة الميتافيزيقية، ومعطياتها الواقعية هندسياً واللطيفة حركياً، والانفعالية جمالياً، لتتكامل المنحوتة أو اللوحة وفق ميزة التناسب والوضوح المبنية على الرؤية، وجمالية الشكل كما في شكل الهلال، واسم الجلالة المنطلق من مبدأ التوازن المنسجم مع المثلث وليونة الخط وقساوته. إذ تعتمد " سلمى أراستو " في تصوير الكلمة الناطقة بالجوهر الحقيقي للإيمان. فالمعرفة الفنية تصورها بدءاً من الفراغ ، لتعكس بذلك معرفتها الصوفية على أعمالها الفنية، وتأثير الإسلام على أسلوبها العميق فنياً ، والتصوفي فكرياً والإسلامي حركياً . فانطباعات الحروف والكلمات تؤثر على الضوء والظل ،وقدرة تشكيل الخط العامودى المصاحب غالباً للحرف كالألف واللام .
تتميز أعمال " سلمى أراستو" بقوة التأثير الإيحائي والتعبيري، فالالتفاف والتشابك بين الخطوط في كل عمل إبداعي يرمز إلى العائلة وقداسة المحبة العائلية وألفة الحركة في خطوط مجتمعة، فهي تحمل في طياتها معاني حميمية بكل جزئياتها الجمالية من حيث التوازن والتماسك، والتفاعل لتؤكد على الاتصال والتلاحم الإنساني بمركزية الكون، وحدسية الامتداد والتشكيل الفراغي المرادف للخيال الفني، ومدى القدرة على تجسيد مضمون الحرف أو الكلمة في عمل فني إبداعي يتميز بالليونة والجمال، والإيقاع والنغمة ، والتزامن الحركي للحرف والشكل، والارتباط الفراغي المتناسق مع الكتلة المتشكلة من أنماط فنية مختلفة.
يتخذ الطابع الإبداعي ميزة خاصة في أعمال الفنانة " سلمى أراستو" فهي تضع مفاهيمها الإسلامية النابعة من الاتصال النموذجي مع الدائرة أو النقطة، فيشعر الرائي براحة بصرية، وهو يتأمل أعمالها الفنية والأنساق الفكرية المتجهة نحو فلسفة التصوف، والتأمل المبنية على شاعرية تناغمية لها تعبيراتها الواعية هندسياً ، والخطوط وتكويناتها العامودية المختلفة حسياً مع زمنية الخط الأفقي الممتد وهمياً مع المثلث والأشكال الرياضية الأخرى. إن التكوين البصري يتشكل غالباً من منحنيات تربط بين الكتلة الفراغية، والكتلة المادية التي تتيح القدرة على اكتشاف قيمة الحركة داخل العمل الإبداعي، ومتغيراته الانفعالية والتخيلية، والذهنية، والمثيرات الحسية التي تترجم أحاسيس " سلمى أراستو " الفنية المختزنة داخل تفاصيل كل عمل، ما هو إلا عبارة عن رقصة كونية تطوف حركياً مع الكتل الظاهرة خارجياً. مستخدمة العرض الدرامي في عمل يوحي بالرقص التعبيري الإيمائي ، ليتحول الفراغ إلى وحدات فنية مترابطة مع بعضها البعض من حيث المسارات، والاتجاهات والتجريد الجذاب بصرياً، ليستوفي العمل الفني أبعاده الجمالية من نواحي متعددة حسياً وإدراكياً . مما يعطي الأسلوب نفحة آدائية تنظمها " سلمى أراستو" كوريغرافياً، لتظهر في فضاءات العمل الفني كرقصات تخيلية تتباعد فيها الخطوط وتتنافر حسب نوعية الحركة المحسوسة.
إيقاعات متنامية تتباين من حيث شدة الجذب البصري، الذي يمنح المتلقي السكون الحدسي، لأخيلة مثيرة بأنماطها التجريدية التي تستمد من الواقع كل إيحاء موضوعي. إن ارتباط الخطوط بالإحساس الوجودي المتسم بحيوية جمالية تشتمل على الأشكال الهندسية، والمفاهيم الرياضية الديناميكية المؤثرة على الاتجاهات والمسارات، والمستويات، والقدرة على شدة الملاحظة، والتركيز البصري الذي تتسب به بعض الأعمال الإبداعية ، منها شكل الهلال المقترن مع هندسية الخطوط في اسم الجلالة، ومع العائلة وقوة حضورها الانسيابي المتميز وصفياً ، وهندسياً، ونسبياً، فتستخدم سلمى في ذلك معادلات تعبيرية تحدد هوية كل كتلة، وفراغ، وخط، وضوء، وكأنها تفصح عن قدرة الله في كل ما يلمسه الإنسان من جمال حسي وإدراكي .
من مجموعة متحف فرحات
Doha El Mol