رقصة السلام... في معرض الفنان محمد غالب

ضحى عبدالرؤوف المل

نحتاج لسلام نفسي، كي نوقد شعلة الفكر، ليولد السلام في الإسلام من جديد مُعلناً انفتاحاً جميلاً في رقصة كونية تُصيبنا بالنشوة الإلهية التي لا يُدركها إلاّ دراويش المولوية في فتلة دائرية تعبيرية تثير رضى النفس ورضى المولى عزّ وجلّ... في همس روحي، إيقاعي يتميز بنهج فني إدراكي، حسّي يقيني في فضاء الجسد الإنساني المُمسك بالروح في نشوتها وهي تشبه الكواكب السابحة...

فمتى نشعر بالذات؟.. متى نشعر بالروح تحلّق في فضاءات الملكوت؟.. متى نشعر بالجسد وهو يتحرر من خطاياه؟ ربما في رحلة للعقل الباطن ونحن نيام في مشاعر فطرية تبعث الخواطر والصور الرمزية التي تتشكّل من خلال حلم... ربما في رسم دقيق لحوار النفس اللوامة في توافق ورفض بين جنة ونار، وخطيئة ومغفرة.. ارتسمت في الوعي الباطني وهي ترجمة للتفكير الذهني قبل تطهير النفس من آثامها في رحلة خلق إبداعي ما بين الخط والصورة، في علاقة ارتقاء تصويرية للذات القادرة على ممارسة صوفية لحرف عربي قادر على رؤية الحياة حين يرسمها القلم...

يقول المستشرق بابا دوبلو: «إن اللون هو العنصر الأساسي للعالم المستقل للمنمنمات، وليس من قبيل المبالغة القول إن كل حروفيي الإسلام كانوا فائقي البراعة في استخدام اللون». وقد أتقن محمد التعبير عن مخزون نفسي ارتقائي قادر أن يجعلك تقرأ في خطوطه الرفيعة المتقنة والممتلئة بالقيم الروحية الإسلامية التي اشتهرت بها طرابلس، في مُنمنمة طغت عليها أحاديث نفس لوامة في تصوير ملون مُتقن أبدع فيه بين تنوع في لون أحمر يرمز إلى جهنم وأزرق سماوي لصفاء النفس والأبيض لطهارة الروح مع لون طيني أعادني لقصة الخلق، كما تظهر المرأة ذات النقاب القديم شامخة في تراث لم ينسه ابن طرابلس، وقد رسم بألوان شفافة في خلفية بسيطة مدينة طرابلس وقلعتها التي ترمز إلى الوجود الصوفي للدراويش...

وقفت أمام لوحة يا دايم.. والروح تكاد تنطلق من الجسد في سكينة روحية، جعلتني أقول: يا الله... لكن تساءلت: لماذا كتب يا الله هنا؟.. وسط لوحة ملأها بتوريقات في نسق زخرفي جميل يجعلك تغرق في فضاء واسع يدفعك للتفكير في ملكوت الله.. ومسارات النفس تجعلك تشعر بنشوة الفتلة المولوية..

تساءلت: أين مفهوم الكتلة في كلمة الله ليضعها هنا؟.. رددت في نفسي بعض الموشحات للنابلسي: «يا جمال الوجود/ طاب فيك الشهود/ البرايا رقود/ إن عيني تراك/ ما لقلبي سواك»... الله... شعرت بالخجل من نفسي والله هو مركز الكون، فكيف لا يكون اسم الجلالة هو سموّ للنفس في صعودها الروحي نحو السموات في طواف نسبي حول العرش ترتبط مع الوجود في كمال إلهي فتذكرت قول الله تعالى: «وكلّ في فلك يسبحون»..

تأملتُ تلك التوريقات المؤلفة من براعم متفرعة، ومتصلة في تنوع سلس حتى لتشعر أن كل شيء في الكون يبدأ من نقطة حركية، لتكتمل عامودية يستدير معها القلم في رحلة جمالية عبر فتلة مولوية تعبر عن الذات ومنابع جمالها، وكأنها تُحاكي أبصارنا في رمزية خطوط، ومنمنمات عربية تاريخية تعبيرية متصلة ببعضها ومنفصلة في آن، لتتداخل وتتشابك بتناسق وانسجام جعلني أشعر أنه بدأ من نقطة بداية لا نهاية لها، فالمساحة مفتوحة أمامه كالفضاء الواسع في لون فني سماوي افترشه أو لون أخضر ارتقى فيه بمراحل مختلفة لإرضاء البصر والنفس، وليبث الفرح من خلال لون تلاعب فيه بين سماوي ولون الزهر وهو المنبثق من الأحمر الشغوف الذي يخالطه البياض ليرمز لهدوء النفس، وكأنه يجوب بالقلم في كل لوحة معبراً عن حركة زخرفية عربية ذات أصول متنوعة، وكأنها تكوين فيزيولوجي...

حالة من اللاوعي!.. جعلتني أشعر كأني في التكية المولوية وتشكيل في تكرار ومماثلة لكلمة يا هو.. رسمها لترتفع منها المئذنة معبراً عن الإيقاع السمعي في الصوت الصامت وهو رسم قلم يتجلى، فيعيد تشكيل أحرف عربية في خطوط تندمج في لوحة فنية عبر موروث فكري هو امتداد في قوالب جديدة حداثية تُمثل المخزون الإبداعي في الذاكرة أو خلال خطوط حادة أفقية أحياناً كما في لوحة لا إله إلاّ الله... والتي جعلتني أشعر بالحركة الصوفية التي تبدأ عامودية، ولوحة البسملة التي تشبه الشجرة في اتصالها بالأرض وارتفاعها نحو السماء في مقاييس اختلفت في تصاميمها التوزيعية في أكثر من لوحة تباين فيها التوازن الكمي لتوريقات نباتية وأحرف بسملة ما بين خلفية وأرضية وتشكيل في رقصة يد حملت قلماً...

تقول إكرام الأشقر (الرقص لغة الجسد): «الرقص الصوفي هو ذاكرة النفس المضيئة لأنه ليس مجموعة حركات تم ضبطها وتنظيمها من الخارج، بل هي مرتبطة بفاعلية الكائن الأسمى، وهو يؤكد على تلاحم وتفاعل كل المعاني المؤكدة لإنسانية الانسان ماضياً وحاضراً ومستقبلاً.

إنه القلم في محاكاته للوحة من حيث السّماكة وزاوية الميل أثناء رسمه الخطوط العربية للغة ناطقة صامتة اعتمدت على التباين في ليونة حركية أحياناً كأنه في ترتيل عبر فضاء سمعي، فهو يشبه الجسد في حركته بين مدّ وسكون، ودوران في تعبيرات حركية ناطقة كما في لوحة الرقص على ظهر جواد.. الدرويش.. الراقصة...

رسم.. أبدع.. أتقن في ثنائية عبر نمنمات مزجت الأرابيسك في لون وجداني استعمله "محمد غالب" في توريقاته عبّر عن جرأة خطية وظّفها بطريقة رمزية تجريدية في مساحات فضائية جعلتني أشعر بحرية الذات، فالتحاور بين آدم وحواء خلق استراحة ملأت الروح طاقة كونية، كما عروس ربيعية فرحة بثوبها المزركش البديع كالطبيعة التي تتألق بعد عودة الروح إليها في مرحلة من اللاوعي حيث يتم تكوين الخطوط عند الفنان محمد غالب والتي تنبع من ذاته في شتى تجلياتها، إلاّ أن المكان الذي علقت فيه اللوحات كان ينقصه التوزيع الكمي والكيفي لتتوازن الرؤية ما بين الضوء والمساحة مع حجم كل لوحة صرخت: يا الله...

Doha El Mol