معادلة جديدة لخط يحمل نفحات رمزية ودلالات حسابية

ضحى عبدالرؤوف المل

سلك " منير الشعراني" ترتيباً لأحرف تخرج من وسط الحلق غالباً، مستخدماً مفهوماً رياضياً حسابياً للنقطة والخط، والجذر الأساس لتكوين جمالية متوازنة يقع البصر تحت تأثيرها. سواء بالخط المستوحى من المغربي ، أو الديواني، أو حتى الكوفي متحدياً الحداثة وفارضاً نفسه على خلق معادلة جديدة لخط يحمل نفحات رمزية ودلالات حسابية، فيستنطق بقلمه مكنون الحرف وفلسفته للتعبير عن خضوع الحرف العربي لمقاييس تلتزم بجمال يستمد جذوره من القرآن الكريم ومن لغة عربية لها امتدادها، وانحناؤها وتنوعها المذهل هندسيا بدءاً من الألف وحتى الياء.

يقول يحي بن خالد البرمكي: الخط صورة روحها البيان، ويدها السرعة وقدمها التسوية وجوارحها معرفة الفصول" روح بيانية تتذوق تشابك أحرفها في كل لوحة غنية بالتناغم والتجانس الحركي الرشيق، في الاتجاهات المختلفة للنظر، وكأن بعض الحروف هي محور الكون أو المحور الهندسي الأساسي الملتزم به " منير الشعراني" . فالوحدة الفنية في لوحاته تخضع لمقاييس جذر التربيع، فلا يستقل الحرف إلا ليمسك بحرف آخر، فهو يعتمد على الأشكال البسيطة والمتقاطعة مع انحناءات يخيل إليك أنها تكاد تتكسر، فحرف الكاف تم توزيعه وفق نقاط تتناظر أفقيا مع الألف، لتتمركز الواو المتطابقة حجماً وقياساً وأبعاداً في الوسط، فتنقسم الأعداد المفردة على محور خطوط تتناسب مع المساحة، فلا تجد فيها اختلافات وكأن كل الحروف تجتمع مع النقطة، لتصبح بؤرة جذب لها قربها وبعدها وتناقضها التعبيري والتكراري. فتشعر بالتشابه والاختلاف، مما يجعلها تحمل قيمة فنية لها مواصفات توضيحية تخدم قيمة الحرف والعدد والايقاع التكراري للحروف كلها بشكل عام. ولحروف الألف والكاف والواو بشكل خاص.

في لوحات " منير الشعراني" تبحث عن زخرفة انحصرت بالنقطة والشدة والمد، وكأنه يتبع رؤية تعكس حركة ( الطول، والعرض ) في صرامة شديدة يمارسها على القلم، لتشعر أن آداء القلم يتوافق مع حركة اليد والحرف وفقاً لسلطة العقل وأبعاده الجمالية، المشبعة بحركة كونية تظهر قوة الإتجاه أو جمال الطواف الدائري، فهو بذلك يحدد اتجاهات كل حرف يمتد أو يستدير أو ينبسط متقارباً أو مبتعداً، رأسياً أو أفقياً أو مائلاً، فتشعر بامتزاج الحروف بما يكفي لتلامس الخط اللامتناهي للنهايات والبدايات، مما يجعلك تقرأ ما هو مكتوب في اللوحة أكثر من مرة لا إرادياً.

صعود وهبوط لأحرف مقروءة، فلا تجد في معرض " منير الشعراني" حروفاً غير مقروءة ، فهو لم يكتفِ بالشكل والحجم والبعد الزمني. بل صاغ من النقطة حركة ذات إيقاع تناغمي له اهتزازته الصوتية، وكأنك تسمع تجويداً للحرف ومخارجه، فتربط بين الشكل والمعنى، كما تربط حسياً بين الصوت ومخارج الحروف، في عوالم جمعها على خطوط متوازية أساسية وخطوط تتقاطع مشكلة زاويا حادة تتدفق من خلالها حروفاً خاصة تمتلك تأثيرات نفسية معينة، مما يعكس المبادىء المستحدثة التي استخدمها في اظهار جمال الخط العربي الخاص به.

يستنطق " منير الشعراني" الحرف ويمسك به، فيضعه ضمن خطوط يتحكم بها، فوضعية كل حرف وبنيته التشكيلية تتبع للوجود الذاتي للنقطة، والقدرة على تحويلها لخط مشبع بالجمال متأثرأ بالخط المغربي وحقوله البصرية الممتدة ضمن المساحات المتعددة لكل خط تراه حسياً بالعين المجردة. وكأنه يربط مباشرة بين الألف وكافة الحروف وتنظيم المستويات البصرية العميقة فلسفياً مستعملاً الاختزال التجريدي دون أن يلجأ لأي إضافة لرؤياه بعد التصميم والتنفيذ.

يحاول " منير الشعراني" الابتعاد عن الدائرة إلا أنه يلتزم بقواعدها محافظاً على شكل الحرف الدائري أو بالأحرى النصف دائري، لكنك تكمل الدائرة نظرياً وأنت تنظر لحرف النون أو لحرف القاف حتى للنقطة الواحدة، فالمنطق والفكر للمثلث يظهره بمجموع الألف وعدد نقاطها كما يختزله من خلال حروف أخرى يوزعها داخل المربع .

صرامة لها قوة حادة توزع الضوء بتساوٍ على الحروف ، مما يظهر التكوينات المألوفة ، ويخفي التكوينات غير المرئية رغم وجودها ، فتشعر أنها تحيط بالأبعاد الحقيقية لقياس المساحة وبعدها الفضائي، مما يجعله متميزاً في اختيار الآية أو الحديث أو بيت الشعر أو الكلمة في نظرة محلقة رأسياً غالباً ، وكأنه يسعى للاتصال الروحي، ليحدد المنظور الفلسفي لكل حرف أبجدي تراتبي احتضنته لوحات " منير الشعراني" مسح ضوئي له منظور هندسي يعتمد على الاتجاهات وامتداد الرؤية البنيوية التطويرية ذات التأثير الفسيولوجي للحرف، وكأنه عنصر حي له وزن وحجم وشكل، فيتوازن مع حركة القلم محورياً ووهمياً، فنشعر بالتدرج والتكرار، والتنوع مع استمرار الزوايا المنتظمة ليخفض كن ويوازي كيساً وكريماً وكليما ً وكتوماً تاركاً كن سابحة في متخيل المتلقي لكنه ممسك بها في الحقيقة.

Doha El Mol