السيناريست صباح عطوان:" الحاضر عربة انفصلت عن الماضي وذاهبة إلى مجهول لا نعرفه"

حاورته ضحى عبدالرؤوف المل- لبنان

يكثف الكاتب والسيناريست المبدع " صباح عطوان" اللحظات الدرامية الحياتية في أعماله التي يصعب حصرها، وهو من اعتمد على التثقيف الذاتي والدراسة العلمية والحرفية والمونتاجية، ومن الخبرة العملية ليصقل خبرته الفنية الغنية بالعطاء السينمائي والمسرحي، والتلفزيوني، وحتى الروائي ، وينجح في ترك إرث فني يفتخر به الوطن العربي، وكما قال لي أثناء الحوار معه :" السيناريو هو لغة العصر وهو مستقبل الرواية والفكر عامة." تمارس السينما أو التلفزيون والمسرح تأثيراً كبيراً على المتفرج من حيث التأثر والتأثير ، والإقناع والمعرفة المتنوعة عند المؤلف الدرامي مع الدقة في بناء المشهدـ وضمن أعلى درجات الرؤية الفنية التي تتماشى مع الأزمنة المتعاقبة حيث يترجم أفكاره المكتوبة في سيناريو ما إلى لغة فعل سينمائية أو مسرحية أو تلفزيونية ، ولكي نفهم أكثر هذه اللغة المتنامية الفكر والجمال في أعماله . أن تتحدث مع السيناريست "صباح عطوان" يعني أن تستطيع استفزازه بأسئلة تلمس فيه الماضي والحاضر، وأن ترنو لتنظر إلى ما هو حديث حاليا من روايات يكتبها أو مذكرات يكتبها مجدداً، لتحمل معها تاريخ العراق الدرامي . فهو من كتب "شبح الرغبة " وغيرها من الروايات التي كسرت الكثير من الأعراف والتقاليد والمسلسلات التي نذكر منها "جرف الملح" و"فتاة في العشرين "و"الهاجس" و"الأماني الضالة" والحب أولا وسنوات النار وغيرها الكثير جداً . وربما كتب بأسلوب ما بعد الحداثة الذي يخلط أوراق الأدب من خلاله... وعندما حاورته للمرة الثانية كان في العراق مجدداً، لاستحداث النهج الدرامي والوقوف من جديد عندمسلسل " ذئاب الليل" لاستكماله في الحاضر. ليكون هوية عربية قبل أن يكون هوية عراقية، وهو من كتب مسلسل "أيام ضائعة" وهو من بطولة الممثل اللبناني القدير "عبدالمجيد مجذوب" والممثلة اللبنانية المحبوبة والمميزة: سميرة باررودي" فقد حمل "صباح عطوان " هموم المجتمع العربي ، ووضعها تحت التشريح الدرامي. ليقدم تاريخا من الدراما العربية التي تضعنا أمام تحديات العصر وتقنياته . وربما في استكماله لمسلسل ذئاب الليل رؤية تضفي على الماضي حاضراً ومستقبلاً ومع السيناريست "صباح عطوان " الذي بدأ الكتابة للمسرح منذ عام 1960 أجريت هذا الحوار ..

- من مسرحية معن بن زائدة الى تشكيل فرقة مسرحية وصولا إلى كتابة سيناريو ؟.ماذا بعد

كان ولا يزال عند نهاية كل عام دراسي تقام حفلات المدارس والجامعات، وفي قريتنا " التنومة" أقيم عام 1955 حفلا مدرسيا ، وعرضت فيه مسرحية مدرسية مثلت فيها أنا، وقمت بدور الإعرابي الجلف الذي يفد على مجلس" معن بن زائدة" المعروف بالحلم والحكمة، وقد تراهن مع أحدهم على إغضابه ، ودخل مجلسه، فلم يسلم عليه. بل بادر بالقول أتذكر أن لحافك جلد شاه، ونعلاك من جلد البعير، فما زلت أذكر ذلك ولا أنساه . رد الإعرابي ، فسبحان الذي أعطاك ملكا وعلمك الجلوس على السرير حتى نهاية القصيدة التي لم يفلح الإعرابي بها أغضاب الأمير... بعد عامين بالمدرسة ذاتها مثلت مسرحية " القائد والأسير" ، وكنت قائداً فرنسياً يجهز على شيخ وامراة في حرب الجزائر . في عام 1960مثلت وأخرجت مسرحية " المتهم برىء " و" بيت الطرشان" ولها صور فوتوغرافية في موقعي، وعام 1968 مثلت وأخرجت مسرحيتان مصورتان هما " العاطفة والاحتقار" و" الجسر " وذلك في البصرة على مسرح التربية بالعشار مركز المحافظة.

- عناوين مختلفة لمسلسلات درامية عراقية هل من أفلام سينمائية تطمح لها؟

في رصيدي أكثرمن ثلاثين فيلم تلفزيوني طويل ، وأكثر من تسعين سهرة دراما، وأكثر من ثلاثين مسرحية، وأكثر من ألفي نص إذاعي، وأكثر من سبعين مسلسلاً تلفزيونياً طويلا، كلها انتجت ومنتشرة وموجودة. إضافة إلى ثماني كتب وأربع روايات. أما الآن لدي فيلم رعب أطمح بانتاجه في أوروبا . كما أن أمام المكتب الإعلامي العراقي للإنتاج ثلاث مسلسلات .

- ممثل مؤلف مخرج سيناريست حقيقة الفن هو الفن وهوية واحدة ، ولكن لكتابة السيناريو قدرات خاصة كيف تفسر هذا للناقد والمتلقي؟

أنا كنت قرويا بالبصرة أحببت السينما جدا، وأعمامي كانوا يضمنون بوفيه في دور السينما بالبصرة. لذا كنت ليلا نهارا أرى الأفلام التي تعرض تباعا في دور السينما، ومن ثم اقتنيت مكتبة بأربعين كتابا حرفيا أوربيا بالسينما . درستها نظريا وطبقتها عمليا كانت لدي كاميرات سينما وعارضات كنت أصور وأمنتج بيدي ، وتعلمت من المدارس الفنية كلها الشاعرية " لأرنهايك" الرمزية " لارنيشتاين" التوازي والتضاد، فالمونتاج لأكبر مخرجي أميركا " غريفث" والواقعية الإشتراكية" لروسيليني" التعبيرية والنفسية " لانجمار بريجمان" الواقعية الجديدة " لكلود ليلوش " الواقعية الحديثة" لصلاح أبو سيف" والكثير مما تعلمته وقارنته ، وطبقته لذلك إن النص الذي أكتبه لو أن ألف فاحص يقرأونه لن يرفضوه.

- لماذا المبدع العربي لا يصل بسهولة إلى مهرجانات عالمية مثل مهرجان" كان" وغيره والبعض يبقى طي النسيان ؟

لأن المدراء الحكوميون ليس أنا او أنت.

- ما هي أهم المحاور والقضايا التي تم معالجتها دراميا ؟ وهل من توجه سياسي ما في الدراما العربية الحالية برايك؟

أنا عالجت أغلب المواضيع، وكتبت عن كل شىء عدا تفاصيل العلاقة الزوجية بالسرير، لم أدع شيئا في الريف وفي المدينة والتاريخ والجغرافيا، وفي العلوم النفسية والبوليسية. الأعمال العربية عشرة بالمئة منها يقترب من الواقع ويعبر عنه . أما أعمالي فأي ناقد عراقي سيقول لك رأيه وخذي به. لكني أقول أن أعمالي نالت جوائز عالمية وذهبية وتؤخذ بها دكتوراه هي حقيقية وخالدة في الصميم. أنا حالة ربما شاذة في الواقع الدرامي العراقي، فأنا من اربعين سنة نجما كمؤلف درامي، وهذا لا يحصل حتى بمصر أن يستمر الشخص طوال السنين مرغوبا، فأنا لم تظهر لي الأعمال من سنوات على العراقية . لكن اللقاءات معي ليل نهار . هذا ربما غرور مني أعوذ بالله منه. لكن هذا ما أراه وقد أكون مبالغاً نرجسياً أعوذ بالله .

- هل من تكتيك معين يفصل بين الإخراج والتاليف والتمثيل ؟ وكيف تصف كتابتك للسيناريو؟

المخرج الكبير هو شاعر كبير وخيالي يقول لايكون:" لايكون الفيلم جيداً ما لم تكن الكاميرا عيناً في راس شاعر." أما كتابتي للسيناريو تجعل من قليل الخبرة مخرجا. فأنا أفرش الأحداث صورياً وموضوعياً، ومكانياً، وزمانياً، وسايكولوجياً أمام المخرج ، فما عليه سو أن ينصب كاميراته ويصور من زوايا مختلفة.

- أنت رسام ومخرج وروائي وشاعر وكاتب سيناريو هل من منهج ذاتي تتبعه لتحقق توازنات بين الثقافة والفن؟

أنا أعيش في روض الفضائل كلها أرضع الجمال والحرية والتعبير من مناهلها المتناهية الصغر

- هل من اشكاليات تعيق الانطلاق السينمائي العراقي بشكل خاص ؟ والعربية بشكل عام؟

السينما في العالم الثالث أصبحت بروتوكولا، و كرنفالات للمهرجانات الدولية والسفر والبحث عن الجوائز . المنطقة العربية ممزقة ولا دور سينما ولاجمهور مطلقا عدا القليل في مصر.

- هل تضع نفسك أمام النقد الذاتي بعد هذا التاريخ الزاخر بالعطاء الفني؟

ليل نهار، وأنا اشعر بي هاوياً لا محترفاً، وما فعلته أو كتبته ربما أكثره شخابيط على الجدران كان لي شرف المبادئة والمحاولة والتاريخ من يحكم.

- هل من نقد تخصصي يقنعك أدبيا أو صحفياً على صعيد الوطن العربي بشكل عام؟

نعم، ولكنه قليل ومحدود في إطار النخب. الناس لا تقرأ إنها تلتهم المسلسلات التافهة ، وهي ترمي اللب بالافواه بعمى بصيرة واضح تماما

- هل من عمل سينمائي هو الأمثل في المفضلة لديك؟

" شىء من القوة " و" فجر يوم حزين" هذان من أعمالي الرائعة

- تكتب بخلاف الواقع العربي لماذا؟

نعم ، أنا أكتب بخلاف الواقع العربي أسلوبي هو أميركي بحت لأنني تتلمذت على هذا الأسلوب، وبما قرأت كما عظمت جميع مدارس السيناريو وسادتها ومنظريها وكتابها منذ عام 1903 لذلك أطل على العالم من عين سمكة أو فلاح فقير أو عامل أو موظف وأعمالي لا تشبه الأعمال العربية..إنها لبوسا آخر لمضمون مختلف.

- ما رأيك الشخصي بالفيلم القصير والفيلم الوثائقي، وهل تشجع الجيل الجديد على الأفلام القصيرة؟

مؤ سف! أن لا أحد يراها بجدية ، ولا محطات تعرضها وإذا عرضتها تعرضها لمرة واحدة، وانتهى عدا الغرب فهذه مفيدة وعلمية.

- تؤثر الدراما على مختلف جوانب الحياة وبشكل خاص على الشعب وتوجهاته هل هذا صحيح؟ وما هي خطورة مؤثرات الدراما على العقول؟

نعم.. نعم.. نعم إن كانت الدراما رصينة وعلمية إنها تتلاعب بمزاج الناس ، فالتلفاز هو أخطر وسيلة أعلام ، وهو ليس محاضرا في صف فيه ثلاثين تلميذا أو قاعة فيها الاف الأشخاص، فالتلفاز يحاضر يوميا على ملياري إنسان، فكيف لا يتأثرون؟

- فروع العمل الدرامي أو بالاحرى التلفزيوني أو السينمائي كثيرة برأي المؤلف والمخرج المعطاء " صباح عطوان" أي الفرع هو الأهم للمؤلف والمخرج والممثل وسواهم؟

التلفزيون طبعا لأنه الأوسع انتشارا، ولأنه انتاجياً أرخص من غيره .كما أنه بيتي الطابع وجماري الملتقى .

- كلمة أخيرة تتركها في سجل التاريخ؟

ما ينفع الناس يبقى على الأرض أما الزبد فيذهب جفاء الأرض

- صباح عطوان في العراق مجدداً عل من سيناريو جديد؟

هناك بحث عن فرصة في الفراغ. أصالة بين للزيف. حقيقة وسط السراب..عمقا في زمن التسطيح. هو ذا ما دفعنا للعودة إلى العراق.

- تاريخ صباح عطوان هل من حاضر يكمله عبر تاريخ من الدراما العراقية ؟

التاريخ يتأسس بميزات الأعمال العظيمة أو عكسها قلت أو كثرت .خلد التاريخ أناسا كتبوا قصيدة واحدة أو الفوا كتاباً واحدا. أو انجزوا مشروعاً صغيراً. أنا تركت المئات مما اعتبر تاريخا كلاسيكياً مازالت الفضائيات تعيد عرضه منذ أكثر من أربعين سنه..بل وتؤخذ به الدكتوراه والماجستير. ويدرس كمنهج.

- هل سنشهد دراما عربية ونتفليكس تعطينا النصوص المكتوبة الجاهزة والمعلبة إن صح القول؟

ربما ستظهر ..ولكن ليس بعمق الشاعرية الودود لمراحل كانت تعج بالمشاعر. فالزمن حاد صلف. ونتيفليكس تداعب الغرائز أولا.. لا العقول.. فالجنس والمثلية..وإثارة الميلودراما هي الغالبة على مفاهيمها وأعمالها.. وقد غربلتها جميعا.. فليس في قوائم العرض أكثر من ستة أو سبعة أعمال جديرة بالنظر من ضمن المئات..وبوسعك مراجعة ذلك ليتبين لك صدق تقديري.

- صباح عطوان بين الرواية والسيناريو ماذا يستوقفك؟

تستوففني الرواية بالطبع .فهي مزيج عقلي وروحي وإحساسي..فأي نص لي مصور فبذهنية مخرج لا يشبهني إلا شكليا لا عقليا..وربما بعضهم فهمني حقا فأنجز أشياء كبيرة الرواية هي بيدر مشاعر.. الدراما المصورة سنابل ليس إلا.

- الفنانون في الستينات واليوم ما الذي تغير وهل البداية اليوم هي دراما المنصات والاستفزاز الاجتماعي؟

تغير التكنيك وتطور وسائل الاتصال..وجف الخيال واتسعت الحركة. وخف المنطق..وذابت الأحكام. وماتت الشاعرية..وتجلي الإيهام ..مع هذا ففي العصر الراهن بعض أعمال جميلة دون شك. ولكن هات فيلما مثل البوسطچي. أو شي من الخوف .أو القاهرة ٣٠ أو الفتوة .؟ لاشئ من ذلك..الحاضر عربة انفصلت عن الماضي وذاهبة الى مجهول لا نعرفه.

- اعذرني لقطع خلوتك العراقية ومحاولة معرفة صباح عطوان اليوم وذئاب الليل تحديداً هل من انتاج جديد؟

ذئاب الليل عند شركة متعطلة عن انجازها لسبب لا أعرفه لكن لدي بضعة أعمال يناور بعض الناس كي ينتجوها..وكتبت الآن عملا باسم عگاب والذئاب بعشر حلقات. أزمع. تحقيقه

- التعاون العربي دراميا أين هو اليوم ومتى سنشهد قفزة درامية شبيهة بالستينات مع التوازن العصري؟

لا يوجد تعاون عربي. إنما تجار وشركات استثمار. الذهن الحكومي غائبا..والوعي حر انتقائي في العمل.

- بعيداً عن كل شىء صباح عطوان ماذا يقرأ ؟ ماذا يشاهد؟ وكيف يتعامل مع الأحفاد؟

لا اقرا شيئا. مزاجيا لست مستعدا لقبول شي. سوى التفرج على دراما الواقع المدماة ..لا أدري..لكن ولدي علي ابو عطوان ماهر بالعروض ولديه أربعمائة مليون متفرج ومليونين ونصف مسترك

Doha El Mol