العين الزرقاء الشاحبة: بين القصيدة والدراما وحبكة رواية لويس بايارد

ضحى عبدالرؤوف المل

تدور أحداث قصة فيلم «العين الزرقاء الشاحبة» The Pale Blue EYE في أكاديمية ويست بوينت العسكرية عام 1830 في وادي هدسون، حيث الطالب إدغار ألان بو المتكبر والمتعالي على الآخرين، يمارس نوعا من التأملات الفعلية في سلوكيات من حوله بعد ارتكاب جريمة بحق زملاء له في الأكاديمية العسكرية التي ينتمي لها، وقد لعب دوره هاري ميلينغ ببراعة، وبقدرة على التمثيل الشاعري، إن صح القول، رغم قساوة المشاهد عند تنفيذ جريمة عباد الشياطين، التي يقوم بها أبناء طبيب الأكاديمية دانيال ماركيز (توبي جونز) وعائلته، حيث يقع إدغار في حب ابنته عازفة البيانو «ليا» التي تعاني من مرض السقوط، وتستمتع بتأملات إدغار الشعرية. فتقرر أن تمارس عليه شعوذات عبادة الشياطين. فهل الخسارة في الأرواح التي تفارقنا تسبب الكثير من الألم الذي لا يمكن وصفه في قصة تميل إلى الواقع المأساوي الذي يصيب الإنسان عند خسارة من يحب؟ وهل الانغماس في التحقيق يكشف عن التعقيدات التي لا يمكن أن نراها ما لم نتعمق بخلفيات النفس لمن يحيطون بنا؟ وهل البطء في وتيرة الأحداث والموسيقى، هما السبب في بث التشويق في نفس المشاهد بشكل أكبر؟ أم أن لكلمات الشعر مفعول السحر؟ وهل الجملة الشعرية تعويذة تفتح لنا البصيرة في الحياة؟

الفيلم الأكثر هدوءا من حبكة وموسيقى وأحداث وتمثيل تأملي مفتوح على الصمت التعبيري، إن صح القول، وهو مقتبس من رواية لويس بايارد «العين الزرقاء الشاحبة» كتبه وأخرجه سكوت كوبر، ومن بطولة كريستيان بيل الرجل المتقاعد والمحقق في قضية قتل الجندي فراي صاحب النظرة الثاقبة في اكتشاف حقائق الجرائم، وفك شيفرة اللغز الذي يمثل معنى الخسارة الروحية التي تصيبنا في أقرب الناس إلينا، فالطبيب ابنته تعاني من مرض الصرع، وهو يحاول بشتى الطرق أن يجد العلاج المناسب لها، والمحقق خسر ابنته في حادثة اغتصاب قررت الانتحار بعدها، وبدقة وغموض في الأحداث التي تستنزف الانتباه الشديد، لتفاصيل الفيلم وموسيقاه التي تلعب دورا مهما في الترقب والتأمل ومحاولة فك اللغز، مع استغراب لبرودة المحقق الذي لا ينفعل بسهولة، وإنما يترقب الالتواءات في شخصيات يتابعها تمثل الجملة الحقيقية التي بدأ بها الفيلم، وهي للشاعر إدغار آلان بو «الخط الفاصل بين الحياة والموت غالبا ما يكون ضبابيا وغامضا، من يدري أين ينتهي أحدهما ويبدأ الآخر» وقد تواجد في الفيلم من خلال شخصية بو الغامضة في تقلباتها النفسية، أو «هاري ميلينغ « الشاعر الذي تردد صداه عبر التاريخ، لأن الشاعر إدغار ألان بو كان قد التحق بالأكاديمية العسكرية في شبابه فعلا، وكأن الفيلم يمثل جانبا من سيرته الذاتية واهتماماته في فك الألغاز، كأن كل قصيدة من قصائده هي لغز في حد ذاته من قصيدة «الغراب» والأسلوب النفسي الغريب الممزوج بنظرته للموت والحياة، كأنك ترى من خلال العين الزرقاء كل ما تكره أن تراه، فهل الاغتصاب هو أشد الجرائم فتكاً في المجتمعات؟ أم أن المرض الأساسي الذي ما من علاج فعلي له هو الاغتصاب الذي يؤدي في نهاية الأمر للانتحار، كما حدث لابنة المحقق الذي عجز عن حماية ابنته، وهو المحقق الناجح في الكثير من القضايا التي حقق فيها قبل تقاعده؟

الارتباط بالغموض في هذا الفيلم يرتبط بغموض قصائد الشاعر إدغار الآن بو، الذي يكشف في نهاية الفيلم أن المحقق هو من انتقم من الشبان الذين اغتصبوا ابنته، ومع ذلك لم يشعر بالرضى، لأن ابنته في النهاية قررت الانتحار وهنا يبرز السؤال الوحيد ما أهمية وجود شخصية الشاعر إدغار الآن بو في الفيلم، ما لم تكن الصيغة التأملية في المشاهد بتشعباتها المختلفة هي النمط المتسامي للوقائع وتشظياتها الشديدة الاختلاطات تخيليا بين الواقع ومجريات الأمور الفعلية غير المعتادين عليها في الفضاء الشعري الغربي تحديداً. فهل يطارد الشاعر فريسته في قصيدة هي أحجية بحد ذاتها؟ أم أن لويس بايارد استطاع أن يستوحي روايته من قصائد إدغار ألان بو وغرابتها التي غرقت في الألغاز؟ أم أن سكوت كوبر استطاع الدخول للمعنى الشعري من خلال هذه الدراما التي جعلتنا نشعر بالهدوء الفعلي في المعاناة الإنسانية التي تشتد كاشتداد الحدث في القصيدة والرواية والعمل الدرامي؟

Doha El Mol