المخاوف النفسية المتنوعة في مسلسل «أغمض عينيك تراني»

ضحى عبدالرؤوف المل

يؤكد مسلسل «أغمض عينيك تراني» أهمية تثقيف طفل التوحّد ومنحه الرعاية التي يحتاجها في مجتمع يحتوي أطفال التوحّد، دون غرابة من سلوكياتهم الشرسة أحيانا، أو اضطرابات القلق المثيرة للأعصاب، التي تقلق المحيط العاجز عن التعامل معهم، أو فهم هذه الاضطرابات ضمن مواقف الحياة اليومية غير المفهومة بالنسبة لهم، التي يرفضها الأب، أو الأم، أو حتى الجد، كما هي الحال مع جد طفل التوحّد «أبو رجا «وهو الممثل فايز قزق، الذي يلعب دور والد أمل عرفة في شخصية «حياة» التي دخلت السجن بتهمة مخدرات انزلقت فيها دون قصد، فالأب القاسي في تربيته لابنته التي تزوجت دون رضاه تركت بيت العائلة وابتعدت عن هذا الأب الراضخة له الأم التي تلعب دورها الممثلة القديرة منى واصف «بدور «أم رجا» بجدارة تمثيلية لا تحتاج الكلام عنها، لأنها قدمت نموذج الأم التي تقبع تحت رحمة زوج يفرض سلطته على أفراد العائلة بأنانية مطلقة، بل بمرض نفسي ينتج عنه أسرة ابنته التي تفككت بسببه، كما نتج عنه في ما بعد انتفاضة زوجته في وجهه التي استطاعت الهرب عندما شعرت بأن الحفيد المُصاب بالتوحد يحتاج لرعايتها بعد دخول ابنتها السجن، وذلك بسبب سوء تربية الأب. والنص الدرامي من تأليف أحمد الملا ولؤي نوري، وإخراج مؤمن الملا، الذي حرص على الهدوء الإخراجي، أو بمعنى آخر الكلاسيكي لما تحمله القصة الدرامية من إلقاء الضوء على كيفية التعامل مع أطفال التوحّد واللجوء إلى استشارات من إخصائية العلاج الوظيفي في حالات التوحّد «ملاك خاطر» لتكون السلوكيات لطفل التوحّد مفهومة تماما للمشاهد من منظور نفسي لهذا المرض النوعي المُستنكر في المجتمعات العربية، للجهل بماهيته والجهل أيضاً بالقدرات الخارقة التي قد يحملونها، وبالتالي هم يستطيعون النجاح في الحياة أكثر من الأشخاص العاديين، فالطفل «جود» بسبب فهم طبيعته النفسية من أستاذ المدرسة، الذي يهتم به أحب الوجه الكرتوني سيمبا، فاستبدل اللعب بالدمى الذي لا يستطيعه طفل التوحّد بأن يرسمه، وأدهش والدته قبل دخولها السجن وتركه مع إخصائية المركز الخاص بأطفال التوحد، ومن ثم مع الفنان عبدالمنعم عمايري الذي منح هذا الدور جمالية أضفت على المسلسل تأثيرات درامية قوية، كما هي الحال مع جدة الطفل، خاصة عندما انفجرت عاطفياً في وجه زوجها الذي منعها من رؤية حفيدها، فالطفل البريء لا علاقة له بما يحدث مع محيطه، وهو الذي يحتاج إلى فهم لحالاته كما هي الحال مع أستاذ المدرسة الذي خسر عائلته في حادث سير ماتت فيه زوجته وبعض الأبناء وبقي ابنه الكبير السيئ أخلاقياً، والمدمن على المقامرة ليبلسم هذا الطفل المصاب بالتوحد حياته كلها. فهل نحن من نصاب بالتوحّد عندما يكون عقوق الأبناء أقوى من إصابتهم بمرض يستدعي معاملة خاصة؟ وهل مرض ثنائي القطب المصابة به والدة المعالجة النفسية، التي تلعب دورها الفنانة وفاء موصللي وبدرامية المصابة بالاكتئاب وبالفرح المطلق، وما ينتج عن ذلك من أمراض أخرى لأفراد عائلتها، ومنهم الطبيبة المعالجة لأطفال التوحّد، ما جعلها تعاني من ردة فعل الخوف من الزواج وهو مرض أخطر من التوحّد؟

القصة مختصرة تم تقديمها في تتر حركي يوحي في نهاية المسلسل بأنه من تأليف جود الطفل المصاب بالتوحّد، الذي استطاع إكمال مشواره الدراسي والدخول في ميدان العمل في برمجيات الرسوم المتحركة، خاصة أن ميزة أطفال التوحّد الذين يتلاعبون بالأشياء من حولهم بصمت وبقدرة على فهم آليتها، دون اللعب بها، كما أن كلمات أغنية الشارة للشاعر بحر لاوديسا وغناء مايا زين الدين، تميل إلى شاعرية هؤلاء الذين تكاتفوا لرعاية هذا الصبي، الذي حاز حب الرجل، وهو عبدالمنعم عمايري بدور مؤنس الذي فقد عائلته في الحادث كما فقد الابن السيئ الخلق والعاق لوالده، وهو المقامر الذي يطمع ببيع بيت العائلة، دون التفكير بأبيه الذي احتضن الطفل جود، ورآه يكبر إلى أن دخل سوق العمل وأنتج فيلم الرسوم المتحركة، وهي شارة البداية. فهل تشابكت الخيوط الدرامية الاجتماعية لنرى مشكلات مجتمعاتنا في قالب درامي نفسي لا يخرج من الواقعية الاجتماعية، ولا ننسى موسيقى طاهر مامللي، التي تجعل المشهد السمعي يحاكي البصري، وباستثارة حسية للمعنى الفني لموسيقاه الخاصة، التي قدمها في هذا المسلسل الذي تم عرضه في رمضان 2024 وهو بعيد عن سباقات الدراما الحاشدة لمواضيع ليست نفسية وغير كلاسيكية الإخراج، ولا أنتقد هنا الإخراج الذي تماشى مع النص الدرامي الهادف إلى فهم حالة أطفال التوحد كما هي الحال مع الأم المصابة باضطراب ثنائي القطب، الدور الذي قامت به الممثلة وفاء موصللي بتناقض أصحاب هذا المرض ما بين الاكتئاب وقمة الفرح والانطلاق للحياة. فهل قدم هذا المسلسل مجموعة من الأمراض المجتمعية، رغم أن أبرزها مشكلات الأهل مع كيفية التعامل مع أطفال التوحّد؟

Doha El Mol