هل تساوى فيلم (الأمير الصغير ) مع رواية اكزوبري وقيمتها الأدبية

ضحى عبدالرؤوف المل

لم يوقف "مارك أوزبورن" (Mark Osborne)، مخرج فيلم التحريك "الأمير الصغير" (Le Petit Prince)، حركة الزمن كما فعل في الإيقاف الحركي بتقنية إخراجية جمعت بين القديم والجديد بالمعنى والمبنى ىمن خلال الأسلوب الذهني بالربط بين جيلين: العجوز والفتاة، أو بين الماضي والحاضر، أي رواية "الأمير الصغير" التي خرجت منها قصة الفتاة والأم التي تريد تحضير ابنتها للدخول إلى عالم الواقع أو الحقيقة. العجوز في الفيلم يعيد شخصية الأمير الصغير بعد أن يستخرج تفاصيل الرواية من ذاكرته، لتكون بين يدي طفلة تكتشف طفولتها بأسلوب جديد، وكأنه يعتمد الإيحاء الزمني للربط بين الرواية والفيلم بمرونة فكرية لم يشد أوزبورن رباطها. بل انفصل عن الرواية أو بمعنى آخر استسلم للكاتبة "إيرينا برينغولدون" حيث فقد الفيلم قيمة التطلع إلى الفهم البصري والمعنى الماورائي الذي أراد له أكزوبري البقاء في المستقبل بلغة معاصرة تستمر في تحديث نفسها كلما مر الزمن.

فهل يستطيع فيلم "الأمير الصغير" مخاطبة أجيال المستقبل بنفس المتانة الروائية لقصة "الأمير الصغير" للمؤلف أنطوان دي سانت-أكزوبيري؟ الموسيقى من تأليف هانز زيمر وريشارد هارفي، وقد انسجمت في بعضها مع الصور الحركية التي قادت الحواس إلى التطلع نحو التناسب الإيقاعي بين الحركة والمعنى، والصوت والقدرة على خلق استراحات سمعية كان لا بد منها في أماكن أخرى. حيث اختلطت الإيقاعات دون الاهتمام بالمعنى الإيقاعي وقدرته على خلق العوالم التخيلية القادرة على الإمساك بالرائي بقوة أو لإثارة قوة الملاحظة أو الحلم الهادف. فأكزوبري اعتمد على لغة التجدد، بينما اكتفت إيرينا بالحكاية دون أن نشعر بالالتحام أو التناغم الثلاثي بين الكاتب والمخرج والموسيقى، وكأن لكل منهم هدفه. فالقصة هي لنعيد الرؤية في كل مرة أكثر من المرة الأولى والهدف من الرسوم هو الخروج من الحلم إلى الواقع وبالعكس.

إلا أن للصداقة فهمها في الفيلم، وهي صداقة العجوز مع البنت الصغيرة التي تتطلع إلى الهروب من عالم الكبار نحو عالم الكبار، ولكن هذه المرة مع رجل عجوز استطاع إيصال مفهوم الحياة لها، ولكن دون تشابه مع أكزوبري بالمعنى الكامل وكأنها قصة مختلفة تمامًا. وبالتالي لم يحمل الفيلم، برغم التقنية التحريكية ذات الجمالية الخاصة، بلوغ القمة في تحقيق صفة الفيلم الروائي الإبداعي، بل الفيلم الحكائي المستمد من قصة "الأمير الصغير" للمؤلف أنطوان دي سانت-أكزوبيري والخارج عنها وإن شئنا المتناقض معها رغم التمسك بالمعنى الإنساني.

فنتازيا لو فصلناها عن الرواية لاستطعنا تحقيق النقد المنفصل عن رواية "الأمير الصغير". إلا أن الكاتبة التزمت بالكثير من التفاصيل التي أرادت الخروج منها بأسلوب العجوز المحبب إلى المتفرج وإلى بطلة الفيلم، رغم أن الألوان كانت بحاجة إلى دراسة سيكولوجية موسعة لتحاكي جماليًا حواس الطفل بشكل أوسع. كما أن بعض السلوكيات فيه كان يمكن التخفيف منها، لتستطيع فكريًا احتواء ذهن الطفل القادر على التحليل، وربما رفض بعض المبالغات التي يمكن أن يكتشفها الطفل نفسه.

فهل العمل الروائي الأدبي يستطيع منافسة ذاته عندما يخرج من الكتاب إلى الحركة أو إلى السينما؟ ما من رسومات أو كتابات أو سيميائية لغة إلا وأراد لها أكزوبري الحياة كلما تمت قراءة قصته. لكن الفيلم هو نتيجة مشاكسات حياتية تحدث عند الكثير من الأطفال في لحظات انتقال من طرف إلى طرف آخر كالانتقال من بيت إلى مدرسة أو إلى مرحلة حياتية يراها الأهل لأولادهم دون الاهتمام بإرادة الطفل. هذا ما يجعل من الفيلم مركبًا حركيًا ورؤية قصصية كانت بحاجة إلى الكثير من الدراسات قبل تنفيذها لتستحق المشاركة في مهرجان كمهرجان بيروت الثقافي. لأن الفيلم، برغم المعايير الإخراجية القادرة على جعله محببًا إلى المتلقي، إلا أن بعض المشاهد كان من الممكن جعلها أكثر عمقًا في ترجمة الروح الطفولية الواعية التي أرادها أكزوبري ونفاها الفيلم الذي حمل عنوان قصة تتماشى مع كل زمن وعصر.

فهل تخطى الفيلم العناصر الأدبية سينمائيًا ليقع في فخ المعنى البصري للرسومات الموجودة في رواية أكزوبري؟ إن قيمة الجودة في الصورة والحركة والإيقاف استطاعت منح البصر الاستمتاع بالتعابير الحركية التي عكست قيمة هذا الفيلم بعناصره، والخاصية في نوعية المشهد وتركيبه، ليكون بمثابة حوارات تعكس البيئة الطبيعية للعجوز والفتاة، والمتخيل الدراماتيكي لقصة "الأمير الصغير" بشخصيته الأساسية مع الحفاظ على درجة الشفافية والأبعاد، وعلى تكوين الشخصيات تبعًا للحركة وتأثيرها وقدرتها على جذب حواس المتلقي نحوها لتسيطر كل شخصية على الرائي خصوصًا الثعلب والبنت والأمير الصغير قبل العجوز المحمل بروح الدعابة والتخيل التي يحتاجها الطفل. إلا أن الاندماج الكلي بين المؤلف والمخرج والموسيقي لم يتكامل كما يجب، ليحقق الفيلم بنوعيته النجاح المنتظر. فأفلام التحريك الخاصة بالأطفال لا بد من دراستها نفسيًا من حيث القصة والإخراج والألوان، والمؤثرات البصرية بسلبياتها وإيجابياتها. فهل تساوى فيلم التحريك "الأمير الصغير" مع رواية أكزوبري وقيمتها الأدبية العالية؟ وهل تخطى كقصة هادفة للأطفال البعد التخيلي المدروس من حيث البناء والمضمون؟

Doha EL mol