« الست لميا » فكرة افتراضية للحياة الفاصلة بين زمنين

ضحى عبدالرؤوف المل

رسم الفنان “ جيرارد افيديسيان” مسرحيته على الورق ومنحها الحركة في مخيلته قبل أن يبدأ بمنودراميته “الست لميا “ وشخوصها المستوحاة من فكرة افتراضية هي جزء من الحياة الفاصلة بين زمنين زمن الشباب وزمن ما بعد الاربعين حيث تبدأ الذاكرة باخراج مكنون طفولتها وشبابها بعد مرحلة عمرية تبدأ فيها التغيرات الجسدية بالظهور على المرأة والرجل معا. إلا أن للمرحلة الروتينية عند الأزواج سلبياتها وايجابياتها حيث تبدأ الرغبات بالانحسار لتسلب من العلاقة الزوجية حرارتها وشغفها . لكن للمرأة في عمرها هذا تطور عقلي وحسي بختلف بمعناها الحيوي والبيولوجي. إذ تبدأ بالنظرة إلى ذاتها خصوصا حين يكبر اولادها وتعود الى مرحلة الوحدة بعد رحلة طويلة امضتها في التربية ومنح العطف والحنان لأولادها الذين اصبحوا من جيل يختلف عن جيلها، وهنا تكمن المفارقات في مسرحية “ الست ليلى” التي تحيا في غربة داخل غربة اكبر وهي غربة المحيط الأسري الذي انحسر على الزوج بعد أن انقطعت الجسور الفكرية والعاطفية بينهما مع مضي السنوات، فما عاد يهتم كل منهما الا لدوره التكنيكي داخل بيت العائلة، ولتكتفي هي بأداء دورها في المطبخ وهو في دوره كرجل رب أسرة يعيش مع زوجته، فهل استطاع “جيرارد افيديسيان” تكوين امرأة من زمن افتراضي شبيه بزمن الشبكة العنكبوتية التي باتت ملجأ النساء والرجال في التواصل الاجتماعي لفض معالم الغربة والعزلة الداخلية التي يشعر بها كل منهما؟ تفتح الستارة بمسرح مركز الصفدي الثقافي طرابلس على مطبخ متواضع هو الشاهد على تفاصيل حياة “ الست لميا” فهو الحامل لأسرارها والعابق بمكنون نفسها ، فالمحاكاة المونودرامية هي لشخص واحد، ولكنها في الحقيقة هي لشخوص إيحائية يرسمها المشاهد في ذهنه. ليتحاور معها كما تتحاور معها “ رولا حمادة “ بفن تمثيلي تقمصي يتأثر به المشاهد، فيؤثر ويتأثر بها ضمن تفاعلهما المشترك المرتبط بقدراتها على خلق شخوصها العائلية بمشاعر فنانه لعبت دورها بتعابير حسية وجسدية، ممزوجة بالقدرة على منح تفاصيلها رؤية درامية وكوميدية، والمضحك المبكي لأمرأة قررت السفر وترك مطبخها. إلا أنها تحاكي ما حولها بازدواجية تنفصل عنها وتتصل بها وفق مؤثرات ضبطها المخرج “جيرارد افيديسيان” بحنكة بسيطة وبعفوية مدروسة . لتبدو المونودراما سلسة في طرح مواضيعها المنطقية والتحليلية، لخلق تساؤلات تحيط بالمرأة من كل جوانب حياتها التي تستعيدها بلحظة خروج من شرنقتها التي اعتادت عليها، وما زال حنينها اليها مرتبطا بموسم التزاوج ورفضها لصوت صرصار الليل في موسم تزاوجه. لأنه يذكرها بمرحلة لم تكن إلا فترة تزاوج بشري مبني على المسؤولية والإنجاب، فهل استطاعت “ رولا حمادة” تجسيد دور المرأة في رؤيتها لذاتها أم هي مرآة للعديد من النساء ما بعد مرحلة الاربعين حيث النضج المتكامل والقدرة على بلورة مواقفها وتحديد مفاهيمها لانطلاقة ثانية مرتبطة بالتجدد النفسي وتكوين يتناقض ويتوافق مع الذات وبأسلوب داخلي تحاكم به نفسها والآخرين؟مجموعة ممثلين في ممثل واحد، وضمن اختلاف الجمهور والاعمار والرؤية، وهذا يشكل صراعات متعددة، وربما دقة في الاحاسيس التي اخترقها “ جيرارد افيديسيان” اخراجيا ليتلاعب على المخيلة. إذ عليه رؤية الابعاد والتحليل والقدرة على الاستيعاب البصري الانعكاسي او رؤية الزوج، وهي تتحضر للقاء معه يعيدها الى اللحظة الاولى والاستعداد النفسي المحمل بالشوق والرفض . لأن ما بين شخوصها والمحاكاة الايحائية صلة وصل برعت فيها “ رولا حمادة”. إذ فتحت ابواب مخيلتها واضعة امامها ذاتها للتجاذب مع الحركة والحركة المضادة بمعنى قوة التأثر والتأثير على خشبة مسرح بسيطة في ديكورها واضوائها، وسينوغرافيتها المدروسة بصريا، وهي بهذا اقتربت من التعبير الحركي وتلاشت معه أثناء تأدية انتقادها للبيئة الغربية وللكلب المفطور على اكل اللحم في حين ان جارتها الاجنبية تطعمه الحبوب المخصصه له، وهنا مفارقات الغرب والشرق والعودة الى طبيعة المخلوقات واحترام حقوقها ورعايتها وتركها لتبقى ضمن بيئة حرة لا قيود فيها ولا تغيرات في ادوارها الطبيعية قبل الحياتية الملوثة فكريا من مجتمعات تبحث عن المثل العليا في حين انها تمتلك في دواخلها كنوزا انسانية يجب احترامها عند الرجل والمرأة، فهل اراد “ جيرارد افيديسيان “ للمرأة أن تكون كما هي مخلوقة جميلة حسية بطباعها ورقيقة بمشاعرها، وبأنوثة وامومة واهتمام متكامل بذاتها، وبمن حولها وبموضوعية القرار المبني على بُعد نفسي يميل نحو الارتباط بالآخر دون نسيان الذات؟.

المسرحية المونودرامية او اللامونودراما بايحائيتها المرنة والجميلة في فكرتها المؤداة بتعابير تحررت من الجزء لتصل الى الكل بحس حركي وفني اخترقته الفنانة “ رولا حمادة” بحيوية الأداء، وكأنها تطلق زفرات ذاتها ومعاناتها مع “ الست لميا “ التي ذابت معها وانسجمت مع احاسيسها حزنها وفرحها وقراراتها وخوفها، وترددها وحتى رغباتها المؤجلة، وتناقضت معها لأن المشاهد بين المونودرما واللامونودراما كان الفصل لقدرتها الإيحائية التي جعلني أرى زوجها وصديقاتها، وحتى جارتها والطيارة التي سافرت بها حيث لعبت الاصوات والموسيقى دورها في اكمال حسية كل مشهد وبديناميكة تلاحمت مع بعضها البعض برغم بساطة الفكرة وتعقيداتها في آن. لأنها تحتاج لقدرة تعبيرية من ممثل واحد أتقن المخرج في رؤيته له ولتطابقه مع الدور المرسوم له باتقان فنان يمتلك رؤيته التأليفية والإخراجية.

خصوصية نسوية تحاكي الرجل ونقد لجيل انفتاحي قالت عنه الست لميا” بيحكوا عن النشوة واللذة كأنه بيحكوا عن الطقس” لأن العزلة التي تركتها بعشرة عمر مع حيطان المطبخ لم تسمح لها بمتابعة عصرنة جيل غاب عنها لمدة عشرين سنة . كما غابت هي عن بيروت وعن نقد لحياة الغرب الموبوءة بالمعاشرة والمساكنة والمثلية والشرق الملتزم بالعادات والتقاليد وما الى ذلك. ومع اصحاب ايام زمان الذين انقطعوا عنها وانقطعت عنهم لانهم جزء من الماضي الذي لا نريده في الحياة او العودة له كصديقتها المثالية التي التقت بها “ مادلين مرقص” لندرك أننا نتغير ونرتدي الاثواب الاجتماعية المختلفة . الا اننا في الحقيقة لا نفارق الطفولة التي تلازم الشخصية خصوصا بعد الاربعين، حيث تلاءم النص المونودرامي مع الشخصية الفعالة المبنية مسرحيا على قوة التأثر والتأثير، وفق لعبة سردية حركية في كينونتها الإيهامية وفي عبثيتها ولكن بواقعية تعالج موضوع المرأة التي لا تملك الأجوبة على العديد من أسئلتها ومشاكلها بعد مرور الزمن وصراعها مع ذاتها بعد عمر الاربعين متأرجحة بين اليأس والأمل.

Doha El Mol