القاعدة الشرقية في مسرحية "مش مختلفين" لجورج خباز

ضحى عبد الرؤوف المل – بيروت، لبنان

ينتقد جورج خباز في مسرحيته "مش مختلفين" ذهنية الإنسان الشرقي، مستعرضًا خصوصية المجتمع اللبناني المتعدد الطوائف، حيث تتعايش الطوائف المختلفة مع بعضها البعض، وتختلف في المفاهيم الدينية والاجتماعية والسلوكيات المتشرذمة. لا يتعامل الواقع المسرحي مع تخيلات لا تحاكي الحقيقة الإنسانية التي نعيشها بمستنقعاتها الدرامية، والتي تتسبب غالبًا بآفات تتفاوت تصاعديًا، حسب التربية والبيئة المحيطة.

تدور أحداث المسرحية حول "علي"، وهو مسلم، و"كريستينا"، وهي مسيحية، اللذين وقعا في الحب عندما كانا يعيشان في أوروبا تحت مظلة العلمانية وقررا الزواج. يعودان إلى لبنان ليعرّف "علي" "كريستينا" على أهله الذين يعيشون في منطقة البقاع، بينما تعرفه "كريستينا" على أهلها الذين يعيشون في منطقة الأشرفية. تبدأ المفارقات التي تؤدي إلى الفراق بينهما، ويصاب "علي" بمرض نفسي. تُعالج المفارقات الأساسية في القصة المسرحية فكرة اجتماعية تعالج إنسانيًا موضوع التقهقر الطائفي الاجتماعي، ومدى التأثر المذهبي به، بينما الإنسان هو الإنسان في كل زمان ومكان، ومهما ارتفعت الشعارات، تظل الحقيقة واضحة كضوء باهت، معاييره بيد الإنسان.

ترك الفنان "جورج خباز" للفنان القدير "عمر ميقاتي" رأسية الهرم الاستثنائي الذي تحرك من خلاله بدينامية منحت الرؤية المسرحية نقطة بصرية وذهنية متحركة. رسم ميقاتي خطًا أفقيًا متحركًا واستراحات هي جزء من الحبكة المسرحية التي شدّ أواصرها بعنصر مسرحي يلعب دوره بجمالية مشهدية تثير الحواس، ويسعى من خلالها إلى بسط سلطة مسرحية تلقي الضوء على مشكلة اجتماعية، بروح درامية ونكهة كوميدية أو (المضحك المبكي)، كوميدية تراجدية تنتهي بمأساة إنسانية أو عقدة مفتوحة للمشاهد، ليشعر بجدلية مسرحية لا تنتهي بانتهاء المشهد، بل تفتح أبواب تساؤلات كثيرة حيث نلمس نضج الممارسة التأليفية والإخراجية والتمثيلية على مسرح مفتوح أمام المشاهد المتنوع من كافة الأطياف والأعمار، حيث تتقاطع من خلال العرض المسرحي صياغات تعبيرية من غناء ورقص وخلق حركي إبداعي مرن. تظهر الأشكال المسرحية الحديثة نوعًا ما، وعبر مسارات حكاية تُروى بالأداء التمثيلي الاسترجاعي المتميز في القص الخفيف، ليستخرج المشاهد الاستنتاجات المسبوكة بفن تمثيلي يعتمد على سرعة الحركة والأداء مع سمة موضوعية تجمع التفاعلات الناشطة مسرحيًا من تحولات تبدأ بسهرة أصحاب وتنتهي بسهرة تتكافأ فيها النتائج المؤثرة بعلي، حيث يتذكر الأصحاب أحداث قصة الحب الدرامية التي انتهت قبل أن تبدأ، وبوجع يؤكد على قيمة الإنسان وأهميته في المجتمع الذي ولد فيه.

مزيج من ثقافات مسرحية مختلفة تأثر بها الفنان "جورج خباز" تأليفيًا ومسرحيًا وتمثيليًا، حيث استطاع توظيف العناصر الحركية في خدمة التتابع التمثيلي مع وقفات بارزة، لعب فيها الضوء تفاوتًا. خلق صورًا تتناقض فيها المشاهد بثنائية لها أبعادها الفكرية من موسيقى وغناء وتمثيل، لتظهر العلل الاجتماعية من خلال مفردات شعبية أشبه بكلمات متقاطعة لعب بها بجمال طيلة مدة المسرحية، وأطلقها بسخرية هادفة، منها عجقة السير، ولغة هي نوع من تشبيه الإنسان بالحيوان، ليردد المفردات مثل "ما بو شي متل القرد، ما تتحمرن يا حمار، شو اتوستراد بيك، منشبه بعضنا بالحيوانات"، باحثًا عن قيمة الإنسان في الغرب والشرق، مقارنًا بين أن يكون رقمًا في غرب جاف أو رجلاً شعبيًا متواجدًا في بيئة تسخر من كل ما حولها. ليسأل فجأة: "وين العيشة أحلى هون أو بلندن؟"، وما من جواب.

تتعرى اللقطة المشهدية على المسرح سواء على مستوى الحركة أو توظيف العناصر في خلق المشهد المتحرك في بناء تعبيري، إن جاز التعبير، مع التلاعب اللفظي والإيقاعي السمعي "علي ابن بو علي ابن بؤبؤبؤبؤبؤبؤ بوعلي" وبتكرار ينسجم تفاعليًا مع المشاهد واستحسانه لهذا التلاعب اللفظي أو الإيقاعي. إلا أن جماليات التشكيل الحركي لعبت دورًا مهمًا في المسرحية، حيث تناول جزءًا من الظل عند وقوف آثار بصر المشاهد الذي تابعه عبر إيماءات خاصة، وبشفافية هارمونية ارتبطت بالإطار الشكلي وبالديكور والأزياء والأكسسوارات من مستحضرات جلسة السهرة أو من ألوان الثياب ما بين الأسود والأحمر والأصفر. ليبث حرارة تنسجم مع الأضواء والحركة البصرية.

"طاير مدري شو صاير" أغنية تخللت المسرحية مع أغاني أخرى ذات تقنية تعتمد على مرونة الأداء الجسدي والتعبيري، ولغة فنية تظهر الوضع المشهدي وجماليته على المسرح. لتكوين وحدات تترابط مع بعضها صوريا وصوتيًا، وحركة وسكونًا يكسرها بين الحين والآخر كلمات الفنان عمر ميقاتي المتقاطعة فضائيًا مع المضمون، وبتنسيق تلاحم مع المنظومة المسرحية ورؤيتها الإخراجية وتأثيراتها على المشاهد لارتباطها بالانفعالات، وإظهارها بمختلف التعبيرات حتى بالصوت والموسيقى والتعبير الصامت، والحركة الجسدية غير المقيدة بكلاسيكيات المسرح الحر. ليتوحد المشاهد مع الموضوع وتدفقاته الرئيسية، لفكرة هي بحد ذاتها مثيرة لجدليات مفتوحة، ويمكن من خلالها خلق حوارات تنبض بالحيوية، وبضحكة غنية بالمعنى وبتفاصيل برزت بحتمية القصة، وتنامي وتيرة الحدث الذي انتهى بمرض نفسي، وتهيؤات نضجت أمام المشاهد بروح أسلوب تمثيلي حركي، لإبراز الواقع ومستلزماته الموجعة وبترادف منسجم بين الممثلين. ليضفي عمق أمكنة زرناها تخيليًا مع جورج خباز، وهي بين لندن ولبنان وفروقات الحياة بينهما، وبوعي كوميدي لا يلغي درامية مبطنة هي من دعائم أسلوبه المسرحي ومكونات العرض أو المشهد الغني بتوازن هو البؤرة الحركية فيها أو المحور الأساسي الذي تتحرك من خلاله المسرحية، وربما في هذا انفراد كوميدي ذي وجهين، أحدهما سلبي والآخر إيجابي، إذ انفرد بعمق الضحكة الهادفة برغم تناغمات الفنان عمر ميقاتي التناقضية غير المتوقعة للمشاهد. فهو العنصر المنفصل والمتصل بالمسرحية.

محور الأحداث في المسرحية تجلى في التعارف ما بين العائلتين وفروقاتهما الدينية والاجتماعية، مع سلوكيات لا نستطيع مفارقتها حتى في أساليب الزواج والتقاليد، فمن رفع راية العلمانية نكسها أمام مجتمعات تؤمن بديانات مختلفة وبالتقاليد والعادات وبتعصب أحيانًا وبرقي فني تلاقي مع الحضور الجذاب على مسرح لم يخل من دبكة فلكلورية تتمثل بمناطق من لبنان، وبأسلوب الاستقبال دون أن ينسى جوانبه السلبية عند إطلاق الرصاص العشوائي. فهذا الطابع السلوكي لا يتواجد في البلدان الأخرى مثل لندن، حيث تعرف "علي" على "كريستينا" ولم يشعر فيها بالفروقات، وأحداثها أصابته بالفراق المرير وبقضية إنسانية عامة ذات بعد محلي خاص بلبنان.

معاني مسرحية مزدوجة تتصل بالنفس الباحثة عن الحبيبة التي يعيد قصتها "علي" في كل مرة بأسلوب يكتشف من خلاله الأصدقاء أشياء جديدة حيث تتفاعل الذاكرة وتنشط ضمن زمن يعيده مسرحيًا، وبعبثية تتصل بمأساة الفراق المؤثر على النفس الساخرة من اختلافات أصطنعها الإنسان، وتركها دون أجوبة تتكرر مثل الصدى الذي يبحث فيه الإنسان عن شيء ينبعث من ذاته. فالمسرحية ذات طابع اجتماعي كوميدي رفعت قضايا إنسانية على مسرح تعارضت فيه "كريستينا" مع "علي" برغم الحب الرابط بينهما، حيث أصابه الفراق بكلمات متقاطعة لا حل لها. لنخرج من الكوميديا بدراما نبهت الذهن إلى أن الإنسان هو الإنسان مهما اختلف مذهبه أو دينه. فأين الاختلاف؟

Doha EL Mol