إظهار طبيعة الحركة بتجريد عقلاني يخرج من حالة ذهنية
ضحى عبدالرؤوف المل
يصوغ الفنان المجري الأميركي “ايموري لاداني Emory Ladanyi) “ ) من قوة مفهوم التشريح الأشكال الفنية ذات الحركة التفاعلية التي يستعيد من خلالها الرؤية الحياتية لوجود الكائنات حتى في الألوان الزيتية أو الباستيل أو غيرها. لريشة تهتم بإظهار طبيعة الحركة من خلال تجريد عقلاني يخرج من حالة ذهنية إلى رؤية جمالية، إنسانية ترنو إلى حكمة وجودية ملسوعة بمأساوية أو رقص فلكلوري تعبيري إيحائي. أو نشوة تحيا في جينات لونية. ليتذوق المتأمل للوحاته عملية الخلق والإنصهار الكلي مع غريزة اللوحة وحكمتها أو بالأحرى تفاصيل جزئيات الحركة وتفاعلها مع مزج الألوان، والقدرة على تمثيل الواقع بمفارقته تخيلياً، للإندماج مع الفضاءات والأبعاد التي تتطلب قوة في طبيعة كل لون ومداه. ليتحول الألم إلى فرح والقبح إلى جمال يمارسه باستخراج كنه اللون، والكشف عن مدى قوة الحركة فيه التي تتجسد بالتفاصيل المُرتبطة بوعي الجسد أو الشكل أثناء التحلل والتلاشي، ومفارقة الأشياء بالذوبان والإنصهار معها ، وهذا يمنح لوحاته الحياة والوجود والجوهر البدئي للفناء وليس العدمية، وبهذا يجعل إيموري من كل لوحة جينة أو خلية تغمرها الحركة البصرية للمادة التي تتكون منها، إضافة إلى الحياة المُتجسدة فيها . فهل يعتبر إيموري الموت هو حياة أخرى لوجود غير موجود؟ بمعنى لوجود التفاعل المساعد في حركات الألوان مع بعضها دون الإحساس الكلي بها، وإنما ندرك ذلك من خلال الحدس والخط الجامح بين الألوان وغموضها وتحولاتها الأشبه بزهرة الحياة.
يجعل الفنان "ايموري لاداني " من التفاؤل ثقة حياتية استثمرها فنياً في لوحات تميل إلى تجسيد المادة من حيث تفاعلها، وتحللها كيميائياً ملامساً بذلك حقيقة الواقع الداخلي للمادة اللونية وتقاربها مع المادة الفكرية، معتبراً أن الإنسان ليس بجثة! إنما هو لوحة فنية من صنع خالق جعل من الأشياء كائنات بشرية مختلفة ذات أشكال تتفاعل مع بعضها، وتتلاشى من خلال بعضها البعض مأخوذاً بالحركة الوهمية لكل شىء طبيعي من حوله استطاع تجسيده في لوحة نتجت عن نبضات حيوية أنتجتها العناصر التي تبقي الوجود في استمرارية مع الحياة . فهل من فلسفة تشكيلية لتحلل المادة الإنسانية، ونفي الموت عن الجسد من خلال تكوين انصهارات لونية تمنح الحواس أو الحدس احتمالات مفترضة لأدمغة أثيرية تشكّل كائنات يحتفظ بها من خلال تخزين الحركة في لوحة تمثل أنظمة لونية هي بيولوجية في تطلعاتها التشكيلية بعيداً عن الهلوسة الفنية، وإنما بفكر يبحث عن التلاشي وقوة البقاء في جسد الإنسان. واثبات ذلك من خلال لوحة فنية مختبرية تثيرة عدة تساؤلات، ومنها هل يموت اللون أم يحيا في اللوحة الفنية .؟
يناقش إيموري من خلال لوحاته القلق الوجودي والخوف من الفناء، بجمالية ريشة تمنح الحيوية للألوان، وبتصوير رؤيوي يجذب الإنتباه إلى الداخل لإستكشاف الحياة الساكنة فيها أو العكس تماماً، بتناقض مجازي ذي تأثير مختلف لقيم نفسية ترمز إلى العلاقات المتماسكة وديناميكيتها المحتفظة بنكهة التوهج والخفوت بمعنى أضداد الألوان التي تشكّل مناعة لمتغيرات هي إيقاعات الألوان وروحيتها، وفقا لتوليفات لم يهمل إيموري قيمتها التعبيرية، وإن بتجريد شحنات الألوان من الآحادية. فكل لون هو لون آخر، مشدداً على فلسفة اللون لتعزيز إدراك المعنى المرتبط بالضوء وقوة الإحياء ، والتشبّع أو السطوع أو المزج بتضاد مع لونين، ليؤثر على قوة الإدراك البصري عند الرائي، وفي لوحة تجسد العمق الإنساني والتمسك بالكينونة الوجودية التي خرج منها إلى الحياة، بتمثيل ثنائي الإبعاد يعيده إلى الأسس، وهي التفاعل مع الموجود أو التكاثر الجيني أو الجزئي مع الكلي . فهل تؤثر الرؤية الفلسفية على الريشة الفنية ذات الخواص البيولوجية ؟
اعمال الفنان «ايموري لاداني» (Emory Ladanyi) من مجموعة متحف فرحات.
Doha El Mol