عفيفة لعيبي وحركة الظل الساكن

ضحى عبدالرؤوف المل

يرتدّ الضوء على الأشكال التي ترسمها الفنانة العراقية «عفيفة لعيبي» لتتولّد موجات ضوئية تدركها العين وتحللها فنياً، لتمثيل المعنى الذي يكتسب العمق الجمالي ومصدره المرأة التي تحررها لعيبي من الموروثات والمعتقدات، وفقاً لرؤيتها المختلفة في كل لوحة ترسمها، إذ تأخذك بعيداً عن النمطيات النسوية التقليدية في الفن التشكيلي، وتضع المرأة عالمياً أمام ذاتها دون استغلال لعاطفتها أو جمالها، وإنما لإنسانيتها المشبّعة نفسياً برمزيات انطباعية من شأنها أن تؤثر بتعبيراتها المبطنة على حركة شخوصها بفضل المساحات التي تنبعث منها الألوان الزاهية، لتعزيز قيمة النقاء البصري في أبجديتها التشكيلية الخاصة. فهل حيوية الألوان هي قوة إبداعية في أعمال الفنانة عفيفة لعيبي؟ أم أن الفروق الاستثنائية في الضوء تنعكس على الألوان؟

في رسوماتها كل كتلة في الضوء يتحرك ظلها في نسبية تباغت الوجوه، لتجعل النساء كدمية منحوتة على صخر أملس، وقساوة في جمود تجعلك تتساءل هل يتحرك الظل؟. فهي تكاد تمحو بهجة اللون لتلامس الواقع، ولتقترب من الثبات في كل خلفية تزيّنها برموز حياتية تؤرّخ لحدث ما في مسيرتها الحياتية. فراشة بيضاء من نور يعكس الحركة الثابتة على الأكف، لتكتسح الحس الزمني في لون أبيض يجدّد مساحة الجسد الأنثوي، فيبرزه أكثر في خطوط حوارية لها نغمة لونية شفافة تترجم أحجية في نظرة تضعها «عفيفية لعيبي» في خلفية كل لوحة تداعب الخيال، وتعيد تشكيل أحاسيس طفولية، لتمنحنا إشباعاً نفسياً في تساؤل يجعلنا نبحث عن المرأة في ظل ماضٍ متحرك وعمل فني حاضر ثابت ومستقبل اندمجت فيه قوة التأثير.

يقول لورانس «إن اللوحة تخلّد فقط بالحياة التي نضعها فيها»، فالحياة تبدأ من الذات التي تعشق الوجود الكوني، وتمنحه سعة شكلية ولونية مضاعفة، لوضعية أجساد صلبة تتحرك من خلال الظل عبر مزيج ضوئي يزيدها إدهاشاً، في وقفة زمنية قد تتوقف للحظات، ونحن نقف بجمود نتأمّلها، فهي تتكئ على إرث فني منحها الغنى الذاتي والتغلغل الحسيّ في قيمة لون واقعي وظّفته في توهّج خلفيات لوحاتها التي تنطق في مساحة تعبيرية تضعنا فيها، لنسمع تغريد روح المرأة وفرحها، وكأنّها ملائكة تبعث السلام للآخر. فلماذا تحجب الرجل عن لوحاتها غالباً؟ كما تحجب مصدر الضوء، لتمنح الظل حركة تفاعلية، وتجعل اللون المتجانس عليه دليلاً في انعكاسات رمزية تثير البصر، ليتبع خطوط ظل تضيف عليه روحانية اللون، فيحيا في انعكاس حقيقي مرئي مضيء تستقبله العين براحة، لتشكّل ظلاً يحيط باللوحة كلها فنشعر بالجمال.

توحّد في أبعاد تاريخية اجتماعية تجعلنا نتفاعل مع اللاوعي، لإدراك مفاهيم تبثّها في فكرة مشهدية تبدع في خلقها كالمرأة التي تلاعب طفلها بالقمر في شكل دائري مشعّ، يوحي بالدوران مع لون أحمر حياتي صاخب، وخطوط متثاقلة ومتوهجة في قطعة ثياب تشبه الأجساد الفارغة من الحياة، فعفيفة في داخلها عقل إبداعي استطاع تحريك الثابت، وتثبيت المتحرك في صرخة أنثوية لبيئة عاشت فيها الفنانة «عفيفة لعيبي» في إسقاطات نفسية على الواقع الحقيقي من حولها، لتمنحه رؤية فعلية في قساوة ولين ممزوج بمتعة نفس تعبّر عن انفعالاتها وحب الذات في تعبير رمزي حر مقيّد..

يقول الحلاج «لا أهمية للعمل الفني كونه انعكاساً للحرية الإنسانية في غمرة الذات بل لعبوديتها في غمرة اللاذات» فهل يميل برج بابل خلف امرأة ثابتة في أرضها تغفو في رمزية أسطورية تاريخية توحّدت معها في انجذاب وطني، وفراسة صاغتها تحت ظلال برج سمح بتكوين عناصر الحياة في فكرة الموت و مشهد رمزي خارج الزمن وداخله في آن معاً؟!..

متناقضات في مفاهيم تشكيلية تبعث على الدهشة والحيرة، فما الذي تقصده في إبراز تناقض لوني وحسّي، حركي وثابت، موت وحياة، حنان وقسوة، ولادة وتذوّق في عوالم تخلقها بجمود بصري وحركة حسية مبهرة، وكأنها تقف خارج اللوحة وخارج الزمن في صورة ذات أبعاد مرئية مرتبطة بالواقع، وبعيدة عنه في محاكاة ذاتها ومحاكاتنا في لغة فنية تشكيلية بصرية أدهشتني. عالم ذات دلالات تكوينية نشأت في خلفية كل لوحة، فالخلفية هي شخصية أساسية عند عفيفة ترمز بالمعنى الحقيقي للمدلول الفني مثل لوحة الأم التي تحمل طفلها وفي الخلف تبرز شجرة في دائرة توسطها اللون المحترق وهو لون الأمومة وكأنها تقول «الأم مدرسة إذا أعددتها»...

توهج عاطفي في خلفيات لوحات تتكلم، تضجّ بالحياة لتبعدنا عن التلوث الضوئي في صفاء وجوه جامدة غالبا وفي فراغات متساوية على مساحات تجعلنا نرى الظل وقد أسقطته بمحاكاة ذهنية تلخص الحركة الصادرة عن الفعل في موجودات بسيطة كالتلفون.. صحن الفواكه.. قطة.. عقد.. مرآة للزينة الخ.. ثلاثية فكرية على خط لوني واحد يعكس مفهوم الكل والجزء في وعي فني اقترن بالغموض الرؤيوي، لكينونة المرأة الساكنة في حركية تتفاعل معها في امتداد روحي نحو الأشياء. يقول رولان بارت «إن هذا العالم في منتهى الإيحائية»، وأقول إن فن عفيفة لعيبي هو فن إيحائي رمزي ساكن مليء بالحياة والحركة، والمتناقضات التي تنمّي الفكر وتبني رؤية المرأة المعاصرة في زمن العولمة الحديثة...

وجاء في سيرتها الذاتية عبر موقع ويكيبيديا: «عفيفة لعيبي هي فنانة تشكيلية عراقية، ولدت في مدينة البصرة عام 1953. تقيم خارج العراق منذ 35 عاما شاركت في معارض فنية في: بغداد، اليمن، سوريا، لبنان، إيطاليا، المملكة المتحدة والولايات المتحدة الأميركية. اقتنت الأمم المتحدة أحد لوحات عفيفة، وتم تخصيصها كجائزة سنوية بين المنظمات النسوية الهولندية. تعرض أعمال عفيفة باستمرار في غاليري (دي تي بون) بهاواي. أكملت الفنانة عفيفة دراستها الابتدائية والمتوسطة في مدينة البصرة، وتابعت دراستها بعد ذلك في معهد الفنون الجميلة في بغداد وعملت إثناء ذلك كرسامة في الصحافة العراقية، بعدها غادرت العراق عام 1974 إلى الاتحاد السوفياتي للدراسة والتخصص في الفن الجداري في أكاديمية الفنون الجميلة «سوريكوف» في موسكو. ولم يكن بمقدورها العودة إلى بلدها العراق بسبب تعقّد الوضع السياسي هناك، فغادرت إلى إيطاليا وبعدها إلى اليمن للعمل كمدرسة في معهد الفنون الجميلة في عدن وكذلك عملت في صحافة الأطفال كرسامة، وبعد ذلك اضطرت مرة أخرى لمغادرة اليمن والعودة إلى موسكو ومن ثم إيطاليا. ثم استقرّت في هولندا وأقامت مجموعة من المعارض في هولندا ومن أبرزها معرضها الشخصي الشامل في متحف «ايكاترينا خاست موزيم» في مدينة خاودا. وهي تقيم بشكل دوري وثابت معارضها الشخصية على قاعة الغاليري المعروف «دو تفيي باون» في مدينة لاهاي ولها مساهمات دورية في معارض أخرى وقاعات أخرى مثل كالري كودا في أمستردام وكالري «بريما فيستة» في ماسترخت.

Doha El Mol