التحليل الاستكشافي للخطاب الشعري

ضحى عبدالرؤوف المل

تُشكّل الرؤى التحليلية في قصائد ديوان «سمكريّ الهواء العليم بكل شيء» للشاعر «سرجون كرم» عدة اختلافات معرفية ذات استثناءات شاعرية، تمثل الاندماج الديناميكي ووحدة المكونات النصية وشاعريتها، ضمن التحليل الاستكشافي للخطاب الشعري المتحرر حداثيًا، وبشكل معاصر ومعمم فنيًا، لخلق خطوات في قصائد تمثل ما هو تاريخي ومقارن مع الكثير من المواضيع المبطنة التي تطرأ إليها بشكل إيجازي ومتطور شعريًا. إذ ينبع الفكر الشعري من عدة قضايا إنسانية تساهم في تشكيل البشرية دون أن يتخلى عن النظريات الاجتماعية والسياسية، بعيدًا عن فلسفات اللغة الشعرية. ووفقًا لعوامل اللغة التي يستخدمها سرجون، بعيدًا عن اللغة العاطفية، يلتزم المنطق الفني بلعبة فكرية ليست مستقلة عن الشعر، ولا مندمجة معه، إلا أنه يؤسس لفعل الكلام المؤثر من خلال العناوين أولاً، ومن ثم العمق، وما يتشكل من اختلافات المعنى وتناقضه بشكل ما مع الواقع. مثل عنوان ديوانه «سمكريّ الهواء العليم بكل شيء»، فالسمكرة الشعرية لا تعني إصلاح لغة الشعر بعد إفسادها من الماكرين والغاوين، وإنما هي البراعة في منحه اختصارات تمكّنه من الوصول إلى العالمية دون إسفاف أو مكر، بل ضمن معالجات نصية تؤسس لعدة مستويات تُفهم على أنها إضافات على الأقل فيما يتعلق بلغة الشعر الحديث، حيث يتم تقليل الرومانسية وما بعد الرومانسية من ناحية التجاوزات الموضوعية، دون أن تتعارض مع عباراته المتسامحة مع اللغة، قائلًا للمنبوذين: «دعوني أكتب الشِّعر باللغة العادية/ وأسأل هذا الشّعبَ البكّاءَ على امتداد خريطة مقعّرة». فهل التصور العام لديوان سرجون كرم «سمكريّ الهواء العليم بكل شيء» يعكس التصورات العامة التي ينتهجها شعريًا للخروج من قوقعة المنبوذين شعريًا؟ أم أن الفكرة هي التحرر من المعايير الصارمة للشعر العربي تحديدًا والدخول في معركة الأصل البنيوي للغة وسلاستها؟ وهل ما تم صياغته من قصائد هو عبارة عن تزامن بين استعارات وكنايات ونفي التعقيد واللجوء إلى الاستبطان لعليم في الأدب واللغة غير العربية لإصلاح القصيدة التي مرَّت بالكثير من التغيّرات والسكتات الزمنية؟

تتفوّق العناوين الداخلية للقصائد في ديوان «سمكريّ الهواء العليم بكل شيء» مع فكرة السمكرة، واستمرارية لغة الشعر المتجانسة مع الهوى ومن يهوى، أو من يسعى لاستعادة المجد الشعري، أو الأصح مع ما يتفق ويمتزج بالفكرة التي توحي بأنه لا يوجد تجانس نصي أساسي بين الحداثة وما بعد الحداثة. وكل استمرارية للغة الشعر دون الالتزام بالاتجاهات الفكرية أو الفلسفية أو حتى الإنسانية والحياتية هي اتجاهات فاسدة، وتحتاج لسمكرة شعرية أكثر حداثة، وهي توليف لما هو غير متجانس مع ما عرفناه في الشعر العربي الكلاسيكي أو تجاوزات القصائد المستقلة بمواضيعها عن الترتيب الزمني وموضوعية الموسيقى والإيقاع، والخصائص المقفلة إدراكياً. فهل لوثة الشعراء المنتحرين في قصيدته الأولى من الديوان هي لوثة ما بعد الحداثة للخروج من كبوة الشعر أو معاناته في تحقيق العودة لرأس الهرم أو لتبوّأ الشعر مكانته مجددًا بعيدًا عن من أفسدوه وتركوه بحاجة إلى سمكري عليم بكل شيء؟

ينتقد «سرجون كرم» حالة الشعر العربي والتوليفات غير المتجانسة في الأسلوب والمضمون، والإدّعاء الشعري الذي يمنح الحالة الشعرية وجود نظريات بمعايشة الكثير من الانفلات الأخلاقي عند الكثير ممن ينتحلون الصفة الشعرية، لعيش حالات من المجون المؤدي إلى إفساد لغة الشعر العربي، وغايتها وتطوراتها وخصوصيتها من حيث السمو الأدبي، والتحفيز الشاعري المتعلق بمستويات القصيدة الشعرية، وبلوغها المقام الأعلى في الأدب والأخلاق والجمال معًا. «لو أنّي عاشرت نساء الأرض بحجّة أنّني شاعرٌ/ والأجملُ لو كنت أطرب للسّلام/ وما فتحتُ الكتب التي تعلّم منها نوستراداموس/ ورأيتُ المآسي القادمة». فهل من تمنٍ دلالي يزيل الإرهاق عن شاعر أمسك بتحولات المعنى بتقنية ذات خصائص متماسكة شعريًا على وجه التحديد؟ أم أنه في هذا الديوان يقدم عدة نقاط ميكانيكية هي المحرّض للكثير من التناقضات مع السمكرة ومدلولاتها الشعرية؟ وهل كل هذه الالتواءات بالمدلولات الشعرية في قصائده ضمن هذا الديوان هي إغواء شعري لتحليلات تؤدي إلى العمق الأدبي بعيدًا عن السطحية التي تتفشى عربيًا؟ أم أن سرجون أتقن المعالجات الشعرية ضمن قصائد طرحت الكثير من المشكلات التاريخية والاجتماعية والجمالية والإنسانية وغير ذلك؟

برؤية تحديثية أخرى في ديوان "سمكريّ الهواء العليم بكل شيء"، ينجح الشاعر سرجون كرم في تقديم تجربة شعرية متفردة، تعكس تناقضات الواقع المعاصر وتبحث في عمق الوجود الإنساني. يعبّر كرم عن آلام وتطلعات جيل كامل، مستخدمًا لغة شعرية تتنقل بين التجريد والواقع المعيش، مما يجعل القارئ يشعر بأنه يتنفس نفس هواء القصائد.

منذ الوهلة الأولى، يتضح أن الشاعر يسعى لتحقيق هدف شعري مزدوج: أولاً، هو استعادة المجد الشعري الضائع، وثانيًا، تقديم رؤية نقدية للمؤثرات الاجتماعية والسياسية التي تعصف بالعالم العربي. يظهر هذا في اختياراته اللغوية والتصويرية، حيث يعتمد على الاستعارات والكنايات التي تتحدث بلغة الشارع وتستعيد نبض الحياة اليومية.

يستند السرد الشعري في ديوان كرم إلى قضايا اجتماعية ملحة، مثل الهوية، والاغتراب، وفقدان الأمل. يستخدم الشاعر اللغة كمفتاح لفهم التعقيدات النفسية والاجتماعية التي يعيشها الإنسان العربي، حيث يتنقل بين الفخر والخذلان، بين الأحلام المنسية والذكريات المؤلمة.

تظهر في قصائده إشارات واضحة إلى التغيرات الاجتماعية والسياسية التي شهدها العالم العربي في العقود الأخيرة. هذه التغيرات، التي قد تكون محبطة، تدفع كرم إلى تسليط الضوء على المأساة التي يعيشها المواطن العربي، مما يمنح قصائده عمقًا إنسانيًا وجماليًا.

تتجلى جمالية النصوص في فكرة "السمكرة"، التي لا تعني فقط ترميم اللغة الشعرية، بل أيضًا محاولة إصلاح ما هو مكسور في المجتمعات. الشاعر يستخدم هذا المفهوم ليُعبّر عن ضرورة التغيير والإصلاح، ليس فقط في الشعر، بل في الحياة نفسها. من خلال العناوين، يعكس كرم تناقضات الواقع ويستفز القارئ للتفكير في معاني جديدة، مما يخلق حوارًا مع النص.

تعكس قصائد كرم أيضًا صوت المنبوذين، أولئك الذين يعانون في صمت. في إطار هذا السرد، ينقل لنا تجارب الأفراد في مجتمعاتهم، كاشفًا عن جوانب من الفقر والعزلة واليأس. لكن ما يميز هذه التجارب هو الأمل المتأصل في الكلمات، الذي يبثه الشاعر في قلب كل بيت، وكأنه يدعو القارئ للبحث عن النور في العتمة.

إن ديوان "سمكريّ الهواء العليم بكل شيء" هو أكثر من مجرد مجموعة قصائد؛ إنه رحلة استكشافية في أعماق النفس البشرية، وتجسيد للواقع الاجتماعي والسياسي المشتت. من خلال رؤيته النقدية والإنسانية، يسعى سرجون كرم إلى إعادة تشكيل الفهم الشعري، ليقدم صوتًا جديدًا يعبر عن معاناة الناس وآمالهم. إن تأثير هذا العمل يكمن في قدرته على محاورة القارئ، ليترك أثرًا عميقًا يدفعه للتفكير والتأمل في قضايا الشعر والحياة معًا.

Doha El Mol

dohamol67@gmail.com