البزة والرداء وقميص النوم..

ضحى عبدالرؤوف المل

تتعثر المعاني في ترجمات أعمال أدبية تحمل أفكارا متنوعة، لكن عوض شعبان اختار عملا روائيا ذا بنية مقسمة إلى ثلاثة أقسام، لمؤلف رسم صورة الحرب، وألصقها بمحيط ثابت هي الأكاديمية البرازيلية، فالأقسام الثلاثة تحمل كمية عناوين موزعة، كأنها عناوين قصص قصيرة مرتبطة ببعضها في استراتيجية دفاعية لعمل روائي يخوض حرب الأكاديمية الأدبية في أجواء متوازية، بين حروب نازية وحروب نفسية، كذلك حروب أدبية وثقافية، وكأنه يعيد صياغة تحليل مستقبلية في قالب روائي مستعملا ثلاثية كلمات "البزة" ويقصد البزة العسكرية لرجل الحرب و"الرداء" وهو رداء الأكاديمية البرازيلية للآداب و"قميص النوم" وهو عنوان قصيدة حب، قميص نوم صارت الذكرى مؤلمة، معذبة، أواه ليس أبدا بعد الآن، فلم يُتح للشاعر وقت لأي قصيدة، فرفع يده إلى صدره، وأنزل رأسه فوق الورقة، ثم أنشأ مركزا شاغرا في الأكاديمية البرازيلية " لتبدأ تحضيرات انتخابية في معارك متفرقة تشبه العناوين الروائية في رواية جورجي أمادو.

إن المشاعر العدوانية في رواية البزة والرداء وقميص النوم تتوحد في الحرب، فالحرب هي الحرب بكل أنواعها سياسيا وأدبيا، لكننا نلف الأدب برداء من نور، ونخفي تحته الكره والنفاق والرياء السياسي، لنبكي أي عمل تكاملي يحتاج لدعم " قادر على القراءة في الضمائر المذنبة" فالحس القومي يترجم نفسه في نزعة الخلود التي تقوم فكرتها على تخليد عضو الأكاديمية، ولو كان العضو ذا انتماء سياسي معين، وهذه معارك أدبية مخفية نوعا ما عن الإعلام، وقد كشف عنه جورجي أمادو في روايته، لنرى أن الحرب الأدبية حرب تخوضها تيارات سياسية مهمة، وهي حرب شرسة، لا أخلاق فيها.

إن تحليل العناوين في كل قسم هو تحليل مستقل يتطور، وكأنه سلسلة متماسكة تمسك بالبناء الروائي الإبداعي، فيرتبط بظواهر تبتعد عن الخيال بعدا تاما، يستهدف تجريد الذهن من كل ظاهرة تبعده عن الحروب الأدبية الثقافية، فيستخدم عناوين مثل" القصيدة التي لم تنظم، الشمولية وبؤس معايير الفنون التشكيلية، شرح جاف حول الشعر، الشاعر يهبط من البرج البلوري، ليعدم في باريس، رواية آفرانيو بورتيلا حول مناورات المرشح المشينة، إلخ " ليكتسب القارئ مفهوما آخر عن الحرب، ونتابع تيارا فكريا في بورجوازية أكاديمية أدبية يتنازع على مقعدها " مرشح سادة الحرب المنتصرين في العالم"

أسلوب روائي قصصي مترابط بفكرة واحدة، يعالج أكثر من مئة عنوان، بدءا من القصيدة التي لم تنظم حتى أخلاق الخرافة وفق مقاييس موضوعية ذات حبكة توضيحية رغم الانطباعات الرمزية التي تناول البحث فيها لتعزيز الارتباط بين أنواع الحروب التي تشن في الداخل أدبيا وثقافيا، ليجعل منها أرضية ثابتة لصراع سياسي يتجدد تاريخيا في كل أكاديمية دولية للآداب، لنشهد على خلود الرياء السياسي الذي لا يفرق بين بزة أو بدلة أو قميص نوم فالنتيجة " أشياء كهذه تفسد حيوية أمة، لهذا السبب تعهَّرت فرنسا، تحولت إلى بلد مخنثين ظل موسوما إلى الأبد"

خلاصة سياسية أراد لها أن تبقى خالدة كخلود عضو الأكاديمية البرازيلية للآداب، فخلاصة الفهم الروائي هو سلسلة عناوين نظمها بدقة، وكأننا نمشي خطوة خطوة في أسلوب يختلف عن التقليد، وينطوي على موقف دقيق مما يجعل التأثر والتأثير هو كشف الأحاسيس المخفية للقارئ، ليظهرها بهدوء، ويستنتج أهمية العمل الصحفي في الحروب، وأهمية العمل الأدبي، حتى القصيدة البسيطة التي تحمل فكرا سياسيا معينا لنهوض أي أمة نهوضا صحيحا معافى" أي خطر يمكن أن تمثله مجلة صغيرة يختصر إصدارها على بعض التحقيقات، على مقالات دولية حذرة، حول نيو ديل الأميركية الشمالية على سبيل المثال، على أشعار وقصص قصيرة؟" وكأنه جاهز باستمرار لأي تساؤل يطرحه القارئ ذهنيا، فيجعل لغة السرد حكائية، وأكثر طواعية له، ليسلك طرائق تعابير عديدة، ويكون عنصرا متخيلا ،هو مرآة الرواية كلها، فنستكشف المشاهد السينمائية التي تجعلنا نرى تفاصيل مهمة في حياة برونو.

وفي الخطط الاستراتيجية المهمة للحرب الأدبية" يجب ألا يكون لدى العدو أقل ارتياب، ينبغي أن يعتبر نفسه مضمونا، وكلما أحس موريرا أنه منتخب أكثر اقترف سخافات أكثر"

إن العناوين التي اختارها ارتبطت بدلالات معينة ذات تأثير إيجابي، في حال فصلنا الرواية إلى قصص قصيرة سنجد أنها كالمسبحة ترتبط بخيط واحد وحبات متفرقة، لكن ما سر استعماله الأسماء بكثرة؟ سؤال لم أجد جوابا له لا سيما أنه استعمل ما يزيد عن ستين اسما في عشوائية غير مدروسة، وبعيدة عن الانسجام الروائي، لأنه تأبط الأسماء ممسكا بها كأنها ثرثرة لا مبرر له، إلا أنها أفسدت قيمة العمل، لأن أغلب الأسماء لا توجد لها شخصيات حركية بناءة في الرواية، وهذا أعتبره غموضاً لم أكتشف سره، كما أن وجود المرأة في الرواية يشبه وجود قصيدة يرميها الشاعر على صفحات المجلة بعد أن ينتهي من كتاباتها، لنشعر أن وجود المرأة في ذاك الزمان هو وجود شكلي دراماتيكي لا يرتبط بأي حقوق للمرأة، وإنما يسيء لها " يكفي أن يكون برازيليا من الجنس المذكر" بعد ست وثلاثين سنة فقط سيكون مسموحا ترشيح النساء" " شاعر مشهور يا صغيرتي، جميع النساء يضعفن للرقاد معه"

نهاية الرواية جاءت بموت اللواء، أو قتله بالحرب النفسية الباردة إن صح التعبير، وكأن اللواء المرشح ليكون عضو الأكاديمية هو رمز اللوائيين المخلدين الذين عرفوا في البرازيل بالمنطق البارد وبالأبطال الحقيقيين، لأنهم استطاعوا اكتشاف الداخل البرازيلي ورسم الحدود، ولولاهم لكانت البرازيل ما تزال بلدة صغيرة تائهة على الخارطة " ما الذي حصل يا آفرانيو؟ قتلنا اللواء، ومن ثم يقول لنا في الصفحة الأخيرة:" الأخلاق، أنظر في كل ناحية، في العالم الخارجي، غنها الظلمات مجددا، الحرب ضد الشعب، التسلط، لكن، كما يتأكد في هذه الخرافة، من الممكن دائما زرع بذرة، إضاءة أمل." فهل تتشابه الأحداث في عالمنا العربي، لأننا لا نملك فكرة رؤيوية للحرب الثقافية والأدبية حتى السياسية بمعناها الشمولي والاستراتيجي القادر على فتح الحدود، لنكون أمة عربية واحدة، لا تقتل بحرب نفسية باردة؟

Doha El Mol