صحراء الحب

ضحى عبدالرؤوف المل

يثير الشك قوة تدفعنا إلى استنتاجات قد تستغرق العمر بأكمله، فصحراء الحب للروائي فرنسوا مورياك التي ترجمها فتحي العشري قدمت فلسفة حياتية تؤمن بقيمة الإنسان الذي يحيا في منظومة اجتماعية تفرض عليه سلوكا معينا، إلا أنه بين الوعي والإدراك يتسرب إلى الذات مفاهيم فردية في فصول تعددت، وحملت كلمة واحدة هي الحب.

بدأ بكلمة "ظل" وأنهى الفصل الأخير بكلمة "كانت" وكأن كلماته المفردة حملت إشارات نفسية عديدة مليئة بالأسرار التي يصعب علينا تفسيرها، لتبقى في دائرة الموضوعية الذاتية، وليترك الفضاء الروائي متسعا لرؤية تأملية تسحبنا نحو الطبيعة، كأنه يبتعد بنا عن أجواء المدينة، أو يجعلنا نشعر بجمالية المكان الذي يشعره بالدفء، كما تشعره المرأة بجمال الحياة.

جمل فردية وصفية حملت أكثر من معنى، وكأنه يترجم غربة ما، عاشها الكاتب في عالمه الروائي" وما إن انتهى من احتساء القهوة حتى مرق هاربا بحركة خفيفة". فمنطق الجمل الفكرية اليقينية بقناعات الكاتب خلقت نوعا من الترابط بين ما يكتبه وبين القارئ، وأبطال الرواية، لنشعر بماريا كامرأة تفصله عنها صحراء تلتهب بمشاعره التي تحمل مزايا تقديرية للمرأة بشكل عام، وكأنه يمسك احترام وحقوق المرأة في أخلاقيات نحتاجها فعلا " وإنما هو ضوء الذكاء غير المألوف في وجوه النساء، لأنه إذا أشرق في وجه امرأة اختلجت له عواطفنا وإدراكنا كيف كانت المتخيلة والفراسة والفطنة والبصيرة كلمات مؤنثة.

استطاع مورياك تحليل جزئيات الحب وتناقضاته فينا، وكأن الحياة تبدأ بالإحساس بالحب الحقيقي، فنشعر أننا نملك بصيرة قوية، وكأننا كنا فقدنا نعمة البصر، وعادت إلينا بالبصيرة التي ترى عمق الأشياء الحسية " ولم تكن تحب أن الحب يمكنه دائماً أن يشق طريقا، ويحفر مكانا، حتى في قلوب أكثر الناس انشغالا" فالحب لا وقت له ولا زمن " فالعواطف التي تعيش بعد قضاء الرغبات هي من صنع الإنسان" فهو استعمل تشابيه واستعارات في لغة فنية، لتنقية الأسلوب من جماد لغوي لا يحمل حركة فعلية مازجا الداخل مع الخارج، والصورة مع الفكرة في إشراق ذات معنى تزيني، وكأنه يستعمل اللغة الفنية الشعرية في الأسلوب الروائي، لنشعر أن الفضاء الروائي هو لنا، فنتأثر بالحركة والسكون، ونشعر بجمالية اللحظة الزمنية" أحست بهذا حتى امتزجت صحراؤها الداخلية بصحراء الفضاء، وحتى يكون الصمت الذي في داخلها مختلفا عن صمت طبقات الجو العليا" فأسلوب مورياك يشبه المد والجزر، فالمد الروائي كان يلقي على شواطئنا الخيالية صورا، ليترك لنا قراءة أفكاره، لنتوافق مع آرائه أو نرفضها، وكأنه يؤمن بحرية الفكر الخاص لكل قارئ، فالرواية متعددة الوجوه، لأنه وضعنا ضمن فترات عمرية تختلف بين مراهق ورجل بالخمسين في تقابل يلازم كل أحداث الرواية، وكأننا نعيش مع الماضي والحاضر، لنشعر أن ماضي الإنسان في شبابه إنما هو فترة تحضيرية، ليحيا الإنسان بعدها العمر الجميل، ويختمها بخلاصة واقعية" حينما أتألم من الحب أنطوي على نفسي وأنتظر، لأني واثقة بأن ذلك الرجل الذي أتمنى أن أموت من أجله ربما لن يساوي شيئاً في نظري غدا.

إن تأملنا الرواية جيدا نلمس أنها واقعية اجتماعية في لغة انطباعية توحدت فكرتها مع أفكار القارئ بمختلف مراحله العمرية، ومختلف الأجناس، فالمرأة لها النصيب الأكبر من الرقة والانسجام والفهم العميق لكينونتها واحترامها بمختلف انفعالاتها النفسية والجسدية، كأنه يمسح على أوجاعها، لنفهم أن المرأة حين تبتعد عن الحب الحقيقي تصبح كتلة متجمدة تتسارع من حولها العواصف، فتأججها العاطفي يحتاج لقدرة معينة من الوصول، فهي الأم والزوجة، والحبيبة والعشيقة التي نحتاجها في كل تناقضاتها في تسليم واقعي" نعم، ينبغي أن تحملنا امرأة في النهاية، كما حملتنا في البداية، فالأم والزوجة في بيت واحد، كل منهما من خلال دورها تمنحه العطف والمحبة في ترابط متين بين بداية ونهاية، لكن توسطتها مشاعره نحو ماريا، وهو يخفيها حتى عن نفسه، لأنه مقيد باجتماعيات جعلت منه يرفض اللذة الجسدية، ليتركها في فضاء مخيلته فقط " وليس هناك أي فاصل زمني بين المتعة والاشمئزاز، إن سعادة السذج هي الجنة المفتوحة أبوابها للسذج من ذا الذي قال: إن الحب هو لذة الفقير؟."

إن التحكم بالعلاقات الإنسانية هو نوع من السخرية الاجتماعية التي طرحها مورياك من خلال علاقة ماريا بالمجتمع الشكلي الذي يتخذ حكمه على الظواهر بطريقة لا تحترم حقوق الإنسان المسلوب منه القدرة على عيش في تناقضات نفسية عاشتها ماريا، وعاشها معها الطبيب" ذلك لأن كل مهاراتنا تخيب أمام الوهم، فإذا اعتقدت أنك فريسة وراثة لا تقاوم فماذا ترجو مني؟ إني أرغمك على الإيمان بأن في استطاعتك أن تروض كل الحيوانات الموجودة داخلك قبل أن تزيد ضراوتها، حتى وإن لم تكن نفسك أنت بالذات"

تماسك عائلي بلغ أقصاه رغم العزلة لكل فرد، والهروب نحو علاقة أكثر دفئا رغم حب الزوجة الكبير له في طرح مباشر لمشكلات الحياة الزوجية التي يتركها الزمن في مهب زوابع فضائية نشأت فجأة، وجعلته يفقد توازنه في كلمات تنم عن وجع داخلي" آه من سخافة هؤلاء الأشخاص الذين لا تهتم بهم قلوبنا، والذين اختارونا، مع أننا لم نخترهم، كم هم بعيدون عن مشاعرنا الداخلية! إننا لا نريد أن نعرف عنهم شيئا، وحياتهم أو موتهم أمر لا نكترث به، ومن عجب أن يكون هؤلاء هم الذين يملؤون حياتنا." فالواقع يحمل الكثير في خباياه، كعلاقة الأم مع الأبناء، وعلاقة الجدة مع الأحفاد، وعلاقة الأب مع الابن في مبارزة فكرية دائمة، فكل منهما يسخر من عالم الآخر" ففي هذه الأسرة التي يشاكس بعضهم بعضا تتأصل عادة الشك وسوء الظن لدى كل فرد من أفرادها" ومع ذلك هي أسرة متماسكة لم ترفض ابنها المراهق، إنما رفضت سلوكياته في توجيه مليء بالحب من الجدة التي كان يشعر بحبها له في تفاصيل وجهها وابتسامتها، ومع ذلك عاش الأب والمراهق مشاعر حميمة فيما بعد" لأنني لم أكن أعلم أن لدى المراهقين بصيرة تمكنهم من معرفة من يحبهم"

فهل سيأتي زمن تحس فيه النفوس ببعضها بدون وساطة جسدية؟ استوقفتني هذه النبوءة الفكرية أدبيا، وقد عاشت في زمن، وتحققت في زماننا هذا، فما نحياه من غرائبية مشاعر عبر الشبكة العنكبوتية تحقق هذا القول " و يا ليتك تستمتع بما كتبته في هذا المعنى ببراعة " موريس بيتر لنك يقول: سيأتي زمن ليس ببعيد تحس فيه النفوس بعضها ببعض بدون وساطة الأجساد" فهل يتنبأ الروائي غالبا في حدس يصعب فهمه في زمانه، فنهمه في زمن لاحق؟

اصطلاحات تعبيرية كتبها في أكثر من موقع تتمسك بالالتزامات الاجتماعية والنظرة الاجتماعية للكنيسة التي ترفض العلاقات المحرمة في قالب هادئ ذات تناقضات ترك الحكم فيها للقارئ، ليستنتج الشيء الوسطي والحقيقي، وهو الراحة النفسية للفرد الظامئ لكل ما في الحياة من حب وأمومة وأبوة إلخ" إن الإنسان الذي يعاني العطش لا يرتاب في أمر أو عين يصادفها، فالقاعدة الأخلاقية داخل قلبه لا تقل بريقا في السماء الزاهية بالنجوم."

نزعة طبيعية ملأت الرواية من البداية للنهاية في حبكة هادئة لم تجعلني أشعر بقوتها، ولكنني استمتعت بشلاله السردي، وكأنه أراد إبراز العمق الوجودي للفرد في المجتمع، وما يعانيه من تناقضات تعكس ما في داخل النفس من صعوبات يصعب الاعتراف بها رغم أن الطبيب يؤمن بروحانية الحب، ويتمسك فيه احتراما لمشاعر امرأة في حقيقة انتزعها من داخله، ليتكلم أخيرا مع ماريا بعد أن تزوجت ليقول لها:" تبادل الرسائل لا يساوي شيئا، فما فائدة الكتابة إذا لم ير بعضنا بعضا."

نزعة طبيعية طبعت الرواية في حركة ساكنة، وسكون حركي سلبي في انعزال إنساني، وإيمان بالحياة الزوجية، ولو كانت خالية من الحب، لكنها دائرة الحياة الواجبة على الإنسان أن يحياها، ليفصل بين التأليف الروائي وأفكاره الجزئية التي عرضها في رواية" صحراء الحب" بأسلوب كلاسيكي ينظر للطبيعة كأنها كنز الأسرار الذي يشبه أسرار النفس الإنسانية، لتلتقط المخيلة صورا نستنتج منها الحقيقة الأقرب للمنطق من خلال الحواس التي تتحرر من الوقائع من خلال إشارات صغيرة "كان يغمض عينيه أحيانا، ويستغرق في أحلامه ليرى الغناء الصداح بين أوراق شجر الصنوبر في الطرق التي سيسلكها "

فرنسوا مورياك استطاع تقديم فن كتابي منفصل عن اللغة والأسلوب متأثر اجتماعيا بتفاصيل متعددة مثل المراهقة والمرأة والحب والجسد والطبيعة، لينضج إحساس القارئ، ويشعر أن الرواية تتكلم عنه هو في أسلوب لغوي منفصل عن المكان، ومشترك ببيئة واحدة هي البيئة الأسرية المحافظة على نوع من المحبة التي ترعى أفرادها.

Doha El Mol