يجدر بي الرحيل
ضحى عبدالرؤوف المل
"أنا قبلك" (Me Before You) فيلم درامي رومانسي من إخراج تيا شاروك (Thea Sharrock) وصدر عام 2016. يتناول الفيلم موضوع الصدمة التي قد يبدأ بعدها كل شيء في الحياة، ويعكس كيف يمكن للأسف أن يكون الدافع لتغيير السلوك الذي نحب لنكمل المشوار بتوافق ورضى وقناعة واقعية لا يشوبها الخيال الجميل الذي نجنح إليه عندما نعجز عن العيش كما ينبغي. فالتوافق في الحياة هو الأساس الذي نبني عليه قرار البقاء أو الرحيل، وإن غمر الحب الروح، إلا أن الجسد هو مادة الحياة على الأرض. كذلك، التوافق في العمل أو الأمومة أو العائلة بشكلها العام هو جزء من أساسيات الحياة، إن لم نقل جمال التوافق والانسجام في كل شيء. هذا ما يحاول الكاتب توصيله في فيلم الدراما الرومانسية "أنا قبلك" أو بالأحرى الدراما الروائية "أنا أمامك" للكاتبة جوجو مويس (Jojo Moyes) التي تطرح موضوع الموت الرحيم، والواقع الذي يجب أن نتقبله عند الوقوع في أزمة ما. لأن الحب له احتياجاته التي ترعاه وتضعه في إطار البقاء الصحيح، وإن برزت القدرة القوية على التحمل من لو كلارك، التي تتميز بألوان ثيابها وأسلوبها الكوميدي في مواجهة الصعاب. فالفتاة البسيطة بمؤهلاتها تم الموافقة عليها لترعى الشاب المصاب بشلل رباعي، والذي قرر وضع نهاية لحياته لأنه غير قادر على العيش بدون حركة كافية تجعله يستعيد صحته بالكامل. فهل نجحت جوجو مويس في نقل روايتها إلى سيناريو درامي رومانسي مشحون بقدرة تمثيلية زادت من رصيد نجاح الفيلم؟ لأن القصة الرومانسية كلاسيكية في معظمها وإن حملت بعض التحديث التقني من حبكة وسرد المشاهد الشبيه بالخيال الرومانسي المنسجم بشكل كبير تمثيليًا مع الثنائي أميليا كلارك (Emilia Clarke) وسام كلافلاين (Sam Claflin)، بإضافة انطباعات خاصة لشخصيات الفيلم ونكهة مميزة للقصة برمتها.
"تعلمين، لا يمكنك أن تساعدي أحداً إذا كنت تحتاجين المساعدة في الواقع" هي جملة تدفع لو كلارك بحوافز نفسية عميقة تشحن همتها لمنح الشاب كل العناصر التي تهيئ له الرضا بالحياة وقبول واقعه، فتقع في غرامه وهو الذي فقد حب حياته بعد الحادث الذي أصابه بشلل رباعي، لتتزوج حبيبته من صديقه في العمل. وهذه خسارة كبرى لا يمكن تعويضها حتى في وجود لو كلارك في حياته. لأنها فتاة جميلة وتحتاج لرعاية في الحب الذي لا تدرك مدى أهميته لأنها متأثرة عاطفياً بوضعه، وهذا يبعد عنها القرار الواعي الذي اتخذه هو برفض البقاء معها في هذا الحب المشلول أيضًا لأنه غير مكتمل. فهل هذا يبرر قضية الموت الرحيم أو الهروب من الحياة التي فرضت عليه شكلاً من أشكال العبء على الآخرين؟
اعتمدت المخرجة تيا شاروك (Thea Sharrock) على جمالية المشهد أو سرديته، مع الحفاظ على الأبعاد التصويرية والأزياء والأماكن لتشكل المؤثرات الإخراجية نوعًا من سيناريو بصري هادئ برومانسيته. المطر والمشاهد المرافقة له أو الثلوج، وما يتبعها من عوارض المرض، ساعدت في تقارب كل من البطليين الذين احتفظا بتعابير تمثيلية في الوجه. وتفاصيل أخرى كان لها الأثر الأكبر في جذب حواس المشاهد نحوهما، لتشكل الموسيقى بعدها المفردة الحقيقية التي ساعدت في ترجمة الأحاسيس، ووضع المشهد الموسيقي في معادلة سمعية بصرية لها أكبر الأثر في مسك المشهد المفتوح على عدة سجالات درامية، كان من الممكن أن تصاب بترهلات إخراجية دون موسيقى تصويرية نجح كريغ أرمسترونغ (Craig Armstrong) في تكوين مفردتها الدرامية حسياً، لتغذي الخيال وتبعث على قوة الواقع والرضى به.
بعض الصعوبات لا يمكن تذليلها حتى بالبساطة والمرح، لأنها ترافق تفاصيل حياتنا التي تغيرت وباتت تشكل خطورة وقلقًا مستمرًا على الآخرين. إضافة إلى العجز مدى الحياة، فهل يدوم الحب في حالة عجز الجسد عن تغذية الوجود بمقومات البقاء، وهل يمكن للإنسان أن يتخذ القرار برحيله عبر اختياره الموت الرحيم؟
باختصار فيلم "أنا قبلك" هو تجسيد عاطفي مؤثر لموضوعات الحب، الألم، والتضحية. من خلال سرد القصة، ينجح الفيلم في جذب المشاهدين إلى رحلة عاطفية عميقة تتناول الصراع الداخلي للشخصيات. تقديم القصة بطريقة تجمع بين الرومانسية والدراما يجعلها تجربة مؤثرة ومؤلمة في آن واحد. الألوان الهادئة والموسيقى الرومانسية تساهم في تعزيز الأجواء العاطفية للفيلم، مما يجعل الانطباع الأولي حول الفيلم يتمحور حول التجربة العاطفية العميقة التي يعيشها المشاهد.
"أنا قبلك" يتناول موضوعات حساسة مثل الحب والعجز الجسدي والموت الرحيم. الحب هنا ليس مجرد علاقة بين شخصين، بل هو محور القصة الذي يدور حول كيفية تأثيره على القرارات الحياتية الكبرى. الفيلم يطرح تساؤلات حول معنى الحياة وكيف يمكن للحب أن يكون قوة دافعة نحو التغيير، حتى عندما يكون التغيير مؤلمًا.
موضوع الموت الرحيم هو العنصر الأساسي في الفيلم، مما يسلط الضوء على القضايا الأخلاقية والوجودية التي يواجهها الأشخاص المصابون بإعاقات دائمة. الفيلم يناقش هذا الموضوع بشكل حساس، ويعرض التحديات التي تواجه الأفراد وأحباءهم عند مواجهة مثل هذه القرارات.
الفيلم يستعرض كيف يمكن للحب والتوافق أن يؤثرا على قرارات الحياة الكبرى. لو كلارك، الشخصية الرئيسية، تضحي بحياتها اليومية لتحقيق السعادة للشاب الذي ترعاه، مما يسلط الضوء على مفهوم التوافق بين الحب والتضحيات الشخصية.
الأبطال الرئيسيون في الفيلم يواجهون صراعات داخلية عميقة. الشاب المصاب يعاني من صراع بين الرغبة في الموت والبحث عن معنى للحياة، بينما لو كلارك تعاني من الصراع بين مشاعرها تجاه الشاب والواقع الذي يفرض عليها تحمل مسؤولية كبيرة.
الشخصيات تتعرض لضغوط عاطفية ونفسية، مما يخلق تجارب عاطفية مكثفة. لو كلارك تتطور من فتاة بسيطة إلى شخصية قوية تعاني من التحديات العاطفية وتواجه الألم بفارغ الصبر. التغيرات العاطفية التي تمر بها تؤثر على تفاعلها مع الشاب وتساعدها على اكتشاف أبعاد جديدة لذاتها.
العلاقة بين لو كلارك والشاب المصاب تتميز بتوترات نفسية متبادلة. الشاب يشعر بالإحباط والعبء على الآخرين، بينما لو كلارك تواجه ضغوطًا لتكون مصدر دعم وراحة. هذا التوتر النفسي يعزز من العمق الدرامي للعلاقة ويظهر تأثير الحب والتضحية على الشخصيات.
أداء أميليا كلارك وسام كلافلاين يضيف بعدًا واقعيًا للشخصيات. أميليا كلارك تجسد بمهارة شخصية لو كلارك بتعابير وجهها وتفاصيل أدائها، مما يعزز من مصداقية الصراع العاطفي الداخلي. سام كلافلاين يقدم أداءً مؤثراً يجسد الصراع الداخلي للشاب المصاب ويدعم التوتر الدرامي في الفيلم.
تيا شاروك توظف الإخراج بشكل مميز لخلق مشهد بصري يتناغم مع الأجواء الرومانسية والدرامية. استخدام الألوان والموسيقى يعزز من تأثير المشاهد ويساعد في نقل الأحاسيس العاطفية بشكل فعّال. التوجيه الإخراجي يساهم في جعل الفيلم تجربة سينمائية متكاملة تلامس مشاعر المشاهدين
dohamol67@gmail.com
Doha El Mol